حبيب الصايغ

توضيح أول: التركيز على السلبيات لا يعني عدم وجود إيجابيات وإيجابيات كثيرة، لكن اصطياد الأخطاء والمشاهد أو الظواهر السلبية طبيعة هذه الزاوية التي أريد لها من البداية أن تكون حادة، وأن تكون حادة فليس القصد أن تكون خانقة أو قاتلة أو حتى قاطعة بكل المعاني. لا رأي قاطعاً هنا، وكل ما يطرح فإنما مطروح للنقاش المجتمعي خصوصاً في ظل قطيعة أو شبه قطيعة المؤسسات الرسمية التي تتناول هنا أو في أي مكان صحفي آخر.
اليوم نأتي إلى ظاهرة شخصنة القضية، في مطلقها ومحددها، كلما أثيرت، وترتبط بذلك شخصنة المؤسسة كلما وردت في سياق سلبي أي محاولة شخصنة ما يطرح فالمقصود دائماً المسؤول بما هو شخص وليست المؤسسة بما هي شخصية اعتبارية، وهذا، على وجه العموم، غير صحيح، فلا يقصد الشخص إلا إذا «تمحورت» المادة الصحفية حوله، ويصل ذلك إلى ذروته حين يذكر بالاسم.
نقد الخطأ أو الإشارة إليه من بعيد أو قريب في صميم عمل الصحافة. هذه فرضية أولية، والخطأ وارد، ولا يمكن أن يعمل الإنسان (أو المؤسسة) من دون خطأ.
فهل يتحول تقبل النقد في بلادنا إلى ثقافة؟
المجتمع يريد أن يعرف، ومتخذ القرار يريد أن يعرف، والصحافة، في هذه الحالة، وسيلة معرفة، ومن المؤسف أن يجد المرء نفسه في الإمارات، وفي النصف الثاني من العام 2019 مضطراً لإثبات ما هو بدهي ومعروف، وما يفترض أنه متداول أو محل اتفاق عام.
الحاصل، ولهذا المقال صلة غدا فيها تحديد أكثر، أن المؤسسات، في الأغلب الأعم، تشخصن، كلما ورد اسم مؤسسة وطنية في مقال أو تحقيق صحفي، ونتيجة ذلك أن الخطأ الشخصي داخل هذه المؤسسات أصبح غير مقبول وقد يكلف ضياع مستقبل الموظف المواطن. الموظفون بشر، وقد يجتهدون وقد يرد الخطأ فهل يكون الثمن «رأس» الموظف «المخطئ».
هذه مسائل مرتبطة ببعضها بعضاً، وهي في منتصف الطريق تشكل قضية واحدة تتطلب المواجهة والعلاج.
ونريد مؤسسات وطنية قوية وواثقة في أهميتها وقدرتها، ولا يجعلها مقال صحفي خارج حالتها الاعتيادية.
ونريد مسؤولاً لا «يرتعب» لأن مقالاً صحفياً أشار إليه من دون ذكر اسم، سواء قصده الصحفي بالفعل أو لم يقصد.
ونريد مسؤولاً أو معنياً قادراً على استيعاب الأمر من أوله، وقادراً على التعامل مع الصحافة والإعلام والمجتمع بحضارة وذوق.
ونريد مؤسسات حية متفاعلة مع الصحافة والمجتمع، فذلك دليل صحة وعافية وحياة، وغيره دليل خوف وتردد وهشاشة وارتباك.
ونريد وزراء ورؤساء دوائر وقادة إداريين يتوقعون نسبة الخطأ في مؤسساتهم كما يتوقعون نسبة «الصح» فلا يفقدون أعصابهم إذا تناولت الصحافة مؤسساتهم ولا «يشخصنون».
ونريد أعضاء مجلس وطني لا يفقدون أعصابهم ويدخلون في دائرة الخطأ كلما أشار مقال إلى خطأ مفترض (وقابل للأخذ والرد والنقاش) في مؤسستهم لا فيهم شخصياً.
إنهم الذين يشخصنون في الأرض.
انتظروني غداً.

[email protected]