حبيب الصايغ

قيل إن أحدهم أحد الموظفين الممتازين والغيورين على الشغل اشتكى لجهة مختصة على المؤسسة الحكومية التي يعمل فيها لوجود مخالفات، فما كان من جهة عمله إلا أن أنهت خدماته.
المفارقة أن جهة عمله هذه، سرعان ما كانت محل مساءلة رسمية نتيجة تقرير من متسوق سري أو عدة متسوقين سريين، فما هو مصير الموظف الذي «فُنِّش» نتيجة إخلاصه وصدقيته، وله أسرة والتزامات ومستقبل؟
هذه الواقعة ليست الوحيدة بالتأكيد، وهي تعكس حالة عامة ومطلقة يلخصها سؤال: الملاحظات تكون عند هذا الموظف أو ذاك إذا تناولت مخالفات واضحة.. أين يذهب بها؟، وهل مثل هذا العمل مرحب به؟ هل يذهب إلى ديوان المحاسبة أو جهة الرقابة الإدارية لو وجدت مباشرة؟
ما هي القنوات الواجب سلوكها؟ هل لدى المسؤولين والموظفين وفق الترتيب والتراتبية مسار معين نحو الإبلاغ؟؛ إبلاغ الجهة الأعلى أو ديوان المحاسبة أو حتى الجهة القضائية.
نحن في دولة مؤسسات وقانون ولا أحد فوق القانون، فمن يحمي موظفاً يريد الإشارة إلى مخالفة أو أبعد من مخالفة؟
قد يقول قائل ومعه حق إن الباب في هذا المجال لا يمكن أن يفتح على مصراعيه، فقد يتيح ذلك لكل موظف «زعلان» من مديره أو مر عليه مسؤوله هذا الصباح مكشراً بسبب غضب زوجته هو الآخر عليه، فلم يُسلّم أو يكترث، أن يرفع مخالفات مختلقة أو يخترع شكاوى غير واقعية على المدير أو المسؤول، وربما على المؤسسة بشكل عام. طبعاً هذا التخوف مقبول ووارد وطبيعي، لكننا نتكلم هنا عن التقنين وإيجاد نظام للمسألة، فلا شكوى كيدية ولا افتعال نتيجة ظرف طارئ، وإنما الشكوى مقرونة بالحقائق والوثائق.
ونريد تفعيل شعار الشفافية المطروح بقوة في بلادنا، من خلال اعتبار مثل هذه القضايا، منطلقين من أنه لا توجد خريطة طريق حتى الآن، لإرشاد من يريد رفع شكوى بمخالفة، وربما أيضاً في كثير من المواقع الوظيفية حتى بتظلم صغير، ودائماً هناك الحذر والخوف من «التفنيش».
تتصل بذلك أساليب القياس والتقييم، الذي هو في اللغة الصحيحة «التقويم»، ونقصد أساليب القياس الدورية لأداء الموظفين.. المطلوب ضمان سلامتها حتى لا يقع ظلم، وواقع الأمر أن الكثيرين يشتكون ويرفعون أصواتهم بمر الشكوى، ولا شك أن بعض التظلمات المفترضة قد لا تكون سليمة، أو ربما هي مبالغ فيها، لكن من يضمن أنه لا أخطاء أو حتى «خطايا» وضحايا؟
نخوض في ذلك ونتشعب؛ لأن هذه كلها احتمالات واردة وممكنة، وننطلق مجدداً، من حكاية البداية: موظف مخلص يرى مخالفات موثقة أمام عينيه، فيحثه ضميره على رفع شكوى لدى الجهة الرقابية، فتبادر المؤسسة الحكومية التي يعمل فيها إلى إنهاء خدمته، فيرفع هو، بدوره، إلى الجهة الرقابية ذاتها، طالباً إنصافه وإعادته إلى وظيفته.
سيناريو مرعب إلى حد ما، وليس مرجواً تكراره، وهو لا يتكرر بالالتفات إلى مثل هذه الاحتمالات الواردة بالمطلق، وأبسطها أن مخالفة بسيطة أو جسيمة قد تصل أوراقها ووثائقها ووقائعها إلى يد أحد الموظفين من ذوي الضمائر الحية الصاحية، فماذا يقول ومن يسمع؟
وأبعد من ذلك وهذه قضية أخلاقية قبل أن تكون إدارية من يُعيده إلى وظيفته ويعوضه في حالة «التفنيش»؟

[email protected]