يعتبر محيي الدين بن عربي من الشخصيات التي أثرت بقوة في الثقافة العربية، قديماً وحديثاً، حيث تعثر على سيرته في «البداية والنهاية» لابن كثير، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي، و«شذرات الذهب» للعماد الحنبلي، و«النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي..إلخ، أما الدراسات المعاصرة فلا حصر لها بدءاً من نصر حامد أبو زيد في «هكذا تكلم ابن عربي» إلى رواية «موت صغير» لمحمد حسن علوان، الفائزة بجائزة البوكر العربية في دورتها الأخيرة، ولم تكن الشخصية بأفكارها وطروحاتها وحسب هي الملهمة لهؤلاء وغيرهم للكتابة عنها، ولكن كان هناك العصر الذي عاش فيه ابن عربي كذلك، والمدن التي زارها أو عاش فيها. لقد عاش ابن عربي في عصر ابن رشد وجلال الدين الرومي والعز بن عبد السلام وفريد الدين العطار، وتنقل بين الأندلس والمغرب ومكة المكرمة وبغداد ودمشق، أي أنه عاش في فضاء ثقافي يغري بالبحث والكتابة.
من أين نقرأ ابن عربي؟ سؤال يطرح نفسه كثيراً عند إطلالة سريعة على مؤلفات الرجل الذي صاغ أفكاره في أشعار وكتابات صوفية تنضح بالحب والشوق إلى الله، وأحياناً في لغة فلسفية ورمزية عكف بعضهم على فهم مضامينها ودلالتها.
ولد عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن علي الحاتمي الطائي الأندلسي، المكنى بأبي بكر، الملقب بالشيخ الأكبر المعروف بمحيي الدين ابن عربي في مرسية بالأندلس في عام 560 ه، رحل وهو في الثامنة من العمر إلى إشبيلية حيث درس الحديث والفقه، ومكث بها حتى عام 598، وفي هذه الفترة زار قرطبة حيث درس الفقه على تلاميذ الفقيه الشهير ابن حزم الأندلسي والتقى بابن رشد، ثم توجه إلى مكة وزار القاهرة ودمشق والجزائر وبغداد والموصل، واستقر به المقام نهائياً في دمشق سنة 620 ه، حتى وافته المنية ودفن بها في عام 638ه.
كتب محيي الدين بن عربي الكثير من المؤلفات، منها: «الفتوحات المكية»، «فصوص الحكم»، وهما أبرز مؤلفاته، فضلاً عن «محاضرات الأبرار ومسامرات الأخيار»، «عنقاء مغرب»، «روضة العاشقين»، «رسائل ابن عربي».. إلخ، وله ديوان شعر بعنوان «ترجمان الأشواق»، ويذهب البعض إلى أنه كتب ما يقرب من 250 عملاً ورسالة في التصوف والفلسفة والفقه والشعر .
أضخم مؤلفاته
يعتبر كتاب «الفتوحات المكية» أضخم كتب ابن عربي، وأهمها وأكثرها إثارة للجدل، وهو في الأصل رسالة بعنوان «الفتح المكي»، افتتحها في بداية حياته وأكملها في مكة المكرمة، ولما وصلت إلى أربعة آلاف صفحة، قرر أن يبوبها ويضع لها الفهارس، وهناك رواية أخرى تذهب إلى أن ابن عربي كتب «الفتوحات» مرتين، مرة في مكة وأخرى في دمشق، والكتاب يقع في تسعة مجلدات، ويرى البعض أن محتوى معظم كتبه متناثرة في «الفتوحات»، وخصوصاً «فصوص الحكم»، ووضع ابن عربي نفسه فهرساً للكتاب يقع في 61 صفحة، وتوجد من الكتاب نسخة مخطوطة في متحف الآثار الإسلامية بإسطنبول، وهناك طبعة على نفقة الأمير عبد القادر الجزائري في عام 1329ه، وطبعة صادرة عن الهيئة العامة المصرية للكتاب في عام 1985م بمناسبة الذكرى المئوية الثامنة لميلاد ابن عربي. يضم الكتاب 560 باباً موزعة على ستة أقسام، هي: المعارف، المعاملات، الأحوال، المنازل، المنازلات والمقامات. ووصف البعض الكتاب بالغابة العذراء التي يضل زائرها بمسالكها.
اشتغل ابن عربي كذلك على اصطلاحات الصوفية، ففي كتابه «رسائل ابن عربي» نعثر على شروح لعشرات من تلك المصطلحات: الهاجس، الإرادة، المريد، السالك، المسافر، الحال، الملامتية، الحضور، القرب، البعد، المجاهدة، المحاضرة، الكشف، الستر، المسامرة، اللوامع، الذوق، الخوف، الرجاء، السكينة، التدلي، الترقي...إلخ، وتذهب نظلة أحمد الجبوري في كتابها «سلاطين المتصوفة.. في العشق والمعرفة» إلى أن ابن عربي أول متصوف يشرح هذه المصطلحات باستفاضة، بل هو أول من أطلق على هذه المفردات المبعثرة في أشعار وكتابات المتصوفة كلمة «اصطلاح»، بما يعني أن الرجل كان يُنّظر لتراث المتصوفة الطويل السابق له، وفضلاً عن ذلك تعتبره أيضاً أول من أعطى هذه المصطلحات أبعاداً فلسفية، ومن هنا نفهم لماذا يطلق عليه الكثيرون لقب «فيلسوف الصوفية»، أو الشيخ الأكبر.
ألف ابن عربي رسالة صغيرة خلابة بعنوان رسالة «الذي لا يعول عليه»، ولنستمع ونتأمل في دلالات بعض مقولاته المدهشة في الرسالة التي يتقاطع فيها الأخلاق بالمعرفي بالوجداني بعشق متقد لذات الله عز وجل وتنزيهه إلى درجة يصعب العثور عليها في الكثير من الفلسفات الأخرى: «كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه»، «الاطلاع على مساوئ العالم لا يعول عليه»، «كل فن لا يفيد علماً لا يعول عليه»، «الأنس بالله في الخلوة والاستيحاش في الجلوة لا يعول عليه»، «تعظيم الحق في بعض الأشياء لا يعول عليه»، «الجوع لا يعول عليه»، «عمل من غير إخلاص فيه لا يعول عليه»، «المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه»، «المحبة إذا لم تكن جامعة لا يعول عليها»، «العلة تنافي التوحيد لا يعول عليها»، «كل حضور لا ينتج حباً من الله ولا يكون معه هيبة في قلب الحاضر لا يعول عليه»، «كل ذوق لا يكون عن تجل لا يعول عليه»، «كل إسلام لا يصحبه إيمان لا يعول عليه» ثم يتسامى بالله عز وجل عن كل ما فكر فيه البشر بالقول: «ما أنتجه الفكر من معرفة الله لا يعول عليه»، «القناعة في العلم الإلهي لا يعول عليها».
في ديوان «ترجمان الأشواق»، إحالات مستمرة بين الغزل وشعر الحب الإلهي، على عادة أشعار المتصوفة، ولكن الديوان تسبب في مشكلة للشيخ الأكبر، حيث قرأ الكثيرون أشعار الديوان بوصفها حالة غزل صريح في فتاة تدعى النظام بنت الشيخ أبي شجاع بن رستم الأصفهاني، وكان ابن عربي يجلس إلى الأب عندما ارتحل إلى مكة، يقول ابن عربي في مقدمة الديوان: «إني لما نزلت مكة سنة خمسمئة وثمان وتسعين، ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر الأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولاً بنفسه، مشغوفاً فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني تعالي، وأخته المسنة العالمة شيخة الحجاز فخر النساء بنت رستم»، ومن خلال علاقته بالأب سيتعرف إلى الابنة، وسيذهب بعض قراء الديوان في حلب إلى انتقاد ابن عربي بتفسير تلك النزعة الغزلية شبه الحسية التي تورط فيها من خلال وصفه لجمال النظام، ولم يصدقوه في ما قاله إنه أراد بذلك الكناية عن شيء آخر بخلاف عشقه للنظام، وإزاء هذا الهجوم اضطر ابن عربي إلى تأليف كتاب بعنوان «ذخائر الأعلاق.. شرح ترجمان الأشواق»، شرح فيه كيف كانت النظام ملهمته في السمو إلى مدارات أعلى من التصوف والحب الإلهي.
يقول ابن عربي في الديوان:
مَرضِى منْ مريضة ِ الأجفانِ
علِّلاني بذِكْرِهَا عَلِّلاَني
هَفَتِ الوُرقُ بالرّياضِ وناحَتْ،
شجوُ هذا الحمامِ مما شجاني
بِأبي طَفْلَة ٌ لَعُوبٌ تَهَادَى
من بناتِ الخدورِ بين الغَواني
طلعتْ في الخيامِ شمساً، فلمَّا
أفلتْ أشرقتْ بأفقِ جناني
يا طُلولاً برامة دارساتٍ،
كم رأتْ من كواعبٍ وحِسانِ
وأبدع ابن عربي أيضاً عشرات القصائد الأخرى التي تتفاوت قيمتها، ولكن معظمها يحتاج إلى قراءات وتأويلات لفك الألغاز التي يضمنها شاعرنا قصائده أحياناً.
فضاءات مفتوحة
كتابة ابن عربي تتسلل ليس إلى وجدانك وحسب بل وعقلك أيضاً، ويدفعك إلى التفكير المتواصل في معاني كلماته، تشعر معه أنه يدعو الجميع إلى مراجعة مداراتهم المغلقة، فليس العشق وحده وفق ابن عربي موضوع النظر، أو الأفق اللانهائي، وإنما الحدود دائماً مفتوحة بين مختلف الأفكار، ولا توجد خاتمة للأشياء، ولا لقضية ثابتة قطعية مؤبدة لا تفرز نقيضها، ولا مدار مسدود أمام مسألتين يمنعهما من الاندماج في مركب فكري واحد ينشأ عنه مسألة جديدة، وتشعر أن المؤلف ببصيرته الثاقبة يدعوك أن لا تضع نقاطاً في نهايات كتاباتك/ أفكارك، واللغة التي يكتب بها مرنة تتكون من أكثر من وجه، وتتعدد طرائق تفسيرها وتأويلها، وحتى على مستوى تقنية الكتابة، تشعر أن ابن عربي يدعوك للحوار، يدعوك لكي تكمل ما كتبه، وتختفي لديه نبرة المعرفة العالمة بكل شيء، وتغيب عنه لهجة الجزم والتوكيد.
في مدار ابن عربي، العشق الدائم معرفة وفلسفة وكتابة وإبداع، حالة سيالة حتى عند تحقق الوصال بالمحبوب، هناك قابلية دائماً للإضافة، واستكشاف المجهول، والبحث عن المختلف، وتجريب اللا معروف، فقلق المحب مضني ولا نهائي، الحب عند ابن عربي باختصار مدار المعرفة.
عاش ابن عربي بين النصف الثاني من القرن السادس والنصف الأول من القرن السابع الهجريين، في فترة شهدت تقلبات كثيرة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، بدءاً من بلاده الأندلس، وحتى بغداد التي زارها ودمشق التي توفي فيها، ففي بلاد الشام كانت تجري وقائع الحروب الصليبية على قدم وساق، ولم تمر سنوات قليلة بعد وفاة ابن عربي حتى سقطت بغداد في أيدي التتار في عام 656ه، وفي مصر كانت هناك دولة جديدة، المماليك، على وشك التأسيس، أي أن الحروب والصراعات والخلافات السياسية بما لها من تأثير اجتماعي وثقافي كانت السمة الأبرز لعصر ابن عربي، ومن هنا نفهم الانتشار غير المسبوق لتيار التصوف في مختلف ربوع العالم الإسلامي آنذاك، إذ لم تمر عدة سنوات أخرى على رحيل ابن عربي أكبر مُنّظر للتصوف إلا ويسطع نجم شاعر المتصوفة الأشهر جلال الدين الرومي (604-672ه)، وبعد تأسيس المماليك دولتهم تعددت مدارس وتيارات وخانقاوات الصوفية بصورة لافتة، لقد كان هناك الكثير من المفكرين الذين يحاولون مداواة جراح واقعهم المتشرذم والمتشظي عبر تجاوزه إلى فكرة مطلقة ومثالية ومتجاوزة للأهواء المتصارعة على أرض الواقع، وذلك من خلال ترسيخ قيمة التفاني في حب الله، وهي القيمة التي كانت وما زالت بمثابة المظلة التي تستوعب الجميع بغض النظر عن أفكارهم وأطروحاتهم وانتماءاتهم.