في كتاب «فتوح البلدان» للبلاذري يستمتع القارئ برجل لا يهدف فقط إلى التأريخ للبلدان التي فتحها المسلمون، ولكنه يتطرق إلى أحوال تلك البلدان، ويتحدث عن أحكام الخراج والنقود وغيرها من أمور ترتبط بذلك الفضاء الذي سيطلق عليه ابن خلدون لاحقاً «العمران»، في ذلك الكتاب يتنقل البلاذري بين الجزيرة العربية ومصر والشام والعراق والأندلس وجزر البحر المتوسط، ثم لا يلبث أن يختمه بمبحث عن الكتابة العربية، يبدأه بأول من كتب بالحرف العربي، ثم يرصد المتعلمين، الذين يعرفون القراءة والكتابة، لحظة ظهور الإسلام. هو الهاجس بالمعرفة والبحث في بدايات الأشياء والذي يؤكده اهتمام المؤلف في كتاب آخر «أنساب الأشراف» بالحديث عن أول من تكلم بالعربية.
مثل معظم مثقفي عصره لم تقتصر إسهامات البلاذري على التأريخ وحسب، بل كتب الشعر ودخل البلاط العباسي في عهد الخليفة المأمون ومدحه، واقترب من الخلفاء: المعتصم والواثق والمتوكل، أي أنه كان يعيش في بغداد خلال عصرها الذهبي.
ولد البلاذري، أحمد بن يحيي بن جابر بن داود، ببغداد في أواخر القرن الثاني للهجرة، وتاريخ ميلاده غير معروف على وجه الدقة، وعاش معظم حياته في العراق، وسافر طلباً للعلم إلى حمص وأنطاكية، وأخذ العلم من محمد بن سعد كاتب الواقدي، وتتلمذ على يديه في ما بعد ابن النديم صاحب العمل الموسوعي الشهير «الفهرست»، في شبابه دخل البلاذري بلاط المأمون ونظم الشعر في مديحه، وظل على علاقة بالبلاط العباسي حتى رحيل الخليفة المعتز، وتوفي في عام 279ه، ويبدو أن المعلومات التي يتضمنها «فتوح البلدان» لا تقتصر على ما حصّله مؤرخنا بالقراءة وحسب، إذ إنه قام برحلة استغرقت منه عدة سنوات زار فيها الكثير من البلدان والثغور، فكان يجمع بين المشاهدة المباشرة وجمع الروايات المتناقلة جيلاً بعد جيل عن الفتح وأساليب حكم المسلمين لتلك البلاد.
أسس البلاذري ما يشبه الصالون الثقافي وكان يجتمع فيه مع عبد الله بن المعتز، وابن النديم وجعفر بن قدامة، وعبد الله بن سعد الوراق...الخ. ووضع كتاب «فتوح البلدان» ليكون نواة لكتاب أكبر لم يتمه بعنوان «فتوح البلدان الكبير»، كان ينوي تأليفه في أربعين مجلداً، وبخلاف «أنساب الأشراف»، كتب البلاذري أيضاً «الأخبار». ومن أشعار البلاذري: «استعدي يا نفسي للموت واسعي/ لنجاة فالحازم المستعد. قد تثبت أنه ليس للحي خلود/ ولا من الموت بد. إنما أنت مستعيرة ما سو/ ف تردين والعواري ترد. أنت تسهين والحوادث لا تسهو/ وتلهين والمنايا تجد»، ولذلك وصفه ابن النديم ب«كاتب، شاعر مجيد، راوية الأخبار والآداب».
مشاهد إمتاعية
يبدأ «فتوح البلدان» بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم غزواته، وينتهي بفتح بلاد السند، ويذيله بعدة مباحث: «في أحكام أرض الخراج»، «العطاء في خلافي عمر رضي الله عنه»، «أمر النقود»، «أمر الخط»، وهناك عناية على مدار الكتاب بالشؤون الإدارية وكيفية استيعاب الحكام المسلمين للنظم السابقة عليهم ثم الإضافة إليها وتطويرها، فضلاً عن سرد مشهدي إمتاعي للمعارك الحربية.
يقول عن معركة اليرموك أو «يوم اليرموك»: «جمع هرقل جموعاً كثيرة من الروم وأهل الشام وأهل الجزيرة وأرمينية، زهاء مئتي ألف، وولى عليهم رجلاً من خاصته، وبعث على مقدمته جبلة بن الأيهم الغساني في مستعربة الشام من لخم وجذام وغيرهم، وعزم على محاربة المسلمين، فإن ظهروا وإلا دخل بلاد الروم، واجتمع المسلمون فاقتتلوا على اليرموك أشد قتال وأبرحه، واليرموك نهر، وكان المسلمون يومئذ أربعة وعشرين ألفاً وتسلسلت الروم وأتباعهم ليمنعوا أنفسهم من الهرب، فقتل منهم زهاء سبعين ألفاً..وقاتل يوم اليرموك نساء من نساء المسلمين قتالاً شديداً»، ثم يستكمل صورة المعركة بحس شبه درامي بالقول: «ولما بلغ هرقل خبر أهل اليرموك وإيقاع المسلمين بجنده هرب من أنطاكية إلى قسطنطينية، فلما جاوز الدرب قال: عليك يا سورية السلام ونعم البلد هذا للعدو»، ويتابع مفسراً مقولة هرقل «يعني أرض الشام لكثرة مراعيها».
يتميز الكتاب أيضاً بمعلومات غزيرة حول جزر البحر المتوسط: قبرص وصقلية ورودس، في فتح جزيرة قبرص يبرز تخوف المسلمين الأوائل من معارك البحر، حيث استأذن معاوية ابن أبي سفيان في فتح قبرص فرفض الخليفة عمر بن الخطاب، فلما تولى عثمان بن عفان، أعاد معاوية طلب الإذن في فتح الجزيرة فرفض عثمان جرياً على سنة عمر، فلما ألح معاوية اشترط عثمان أن يأخذ معاوية معه زوجته في الفتح، وفي سنة 28 ه، فتح معاوية الجزيرة صلحاً بشرط ألا يساعد أهلها الروم ضد المسلمين، ولكنهم نكثوا العهد في عام 32ه، مما دفع معاوية إلى غزو الجزيرة عنوة في «خمسمئة مركب»، وبنى في الجزيرة المساجد. وبالنسبة لصقلية يقول:«غزا معاوية بن حديج الكندي أيام معاوية بن أبي سفيان، صقلية، وكان أول من غزاها ولم تزل تغزى بعد ذلك»، وعبارة «لم تزل تغزى بعد ذلك» تؤكد أهمية الجزيرة الاستراتيجية بالنسبة للقوة العسكرية في البحر المتوسط والنزاع الدائم عليها، ويفصل في وصف مدن الجزيرة. أما رودس فهي «من أخصب الجزائر وهي نحو ستين ميلاً فيها الزيتون والكروم والمياه العذبة».
ويصور البلاذري في لقطة مشهدية دفاع أهل «ملطية» عنها ضد الروم بعد فتح المسلمين لها بسنوات طويلة بالقول: «وخرج عشرون ألفاً من الروم في سنة ثلاث وعشرين ومئة فنزلوا على ملطية، فأغلق أهلها أبوابها وظهرت النساء على السور عليهن العمائم فقاتلن، وخرج رسول لأهل ملطية مستغيثاً فركب البريد وسار حتى لحق بهشام بن عبد الملك وهو بالرصافة فندب هشام الناس إلى ملطية، ثم أتاه الخبر بأن الروم رحلت عنها فدعا الرسول فأخبره وبعث معه خيلاً ليرابط بها وغزا هشام نفسه، ثم نزل ملطية وعسكر عليها».
لا يكتمل الاستقرار في مكان بالنسبة للفاتحين من دون الالتفات والعناية بالبناء والتعمير، ولذلك يمتلئ الكتاب برصد التغيرات التي أحدثها المسلمون في البلدان التي دخلوها، وهناك اهتمام مماثل بالشؤون الإدارية في تلك البلدان، ولذلك يخصص في نهاية الكتاب مبحثاً عن الخراج، وآخر عن النقود، البعد الاقتصادي، وثالث عن الخط، الكتابة بالحروف العربية، وما له من علاقة وطيدة بتعريب دواوين الدولة، يقول في هذا الجانب الأخير: «حدثني عباس بن هشام..عن..عن الشرقس بن القطامي، قال: اجتمع ثلاثة نفر من طيء، وهم مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة فوضعوا الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم قوم من الأنبار، ثم تعلمه أهل الحيرة من الأنبار، وكان بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك...يأتي الحيرة فيقيم بها وكان نصرانياً فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شأنه فرآه سفيان بن أمية وأبو قيس بن عبد مناف يكتب فسألاه أن يعلمهما الخط فعلمهما الهجاء، ثم أراهما الخط، فكتبا»، ويسترسل بعد ذلك في رصد انتشار الكتابة بالخط العربي بين قبائل الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام، وهو ما أدى إلى اكتمال عمران الدولة زمن الفتوحات عبر تعريب الدواوين.
جهد موسوعي
يعتبر كتاب «أنساب الأشراف» أضخم موسوعة في أنساب قبائل مضر وأخبارها، والكتاب يصل في أحد طبعاته إلى 12 مجلداً، والبعض يدرس عدد الروايات في الكتاب، فمثلاً هناك 4474 رواية عن بني أمية، فضلاً عن النقل عن مشاهير الرواة والنسابة، مثل ابن سعد والمدائني وهشام بن الكلبي والهيثم بن عدي والواقدي..الخ، أي أن الجهد المبذول في الكتاب يحتاج إلى فريق بحثي كامل. ويخصص البلاذري الجزء الأول من الكتاب لسيرة الرسول الكريم ونسبه الشريف، والثاني لعلي بن أبي طالب، والثالث للعباس وبنيه، والرابع لمعاوية وزياد ويزيد، والخامس في عثمان ومروان بن الحكم، والسادس لولد عبد الملك...الخ.
ومثل «فتوح البلدان»، يعود البلاذري في «أنساب الأشراف» إلى البحث عن أول من تكلم العربية، وهنا يتجول بك بين عشرات الروايات التاريخية والإمتاعية، يقول: «تكلمت العرب العاربة بالعربية حين اختلفت الألسن ببابل»، «وأهل اليمن يقولون: أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان»، «أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم: إسماعيل عليه السلام، وله أقل من عشرين سنة، نزل بجرهم، فأنطقه الله بكلامهم..وسمت العرب إسماعيل عرق الثرى، يريدون أنه راسخ ممتد، وقال قوم: سمي بذلك لأن أباه لم تضره النار، كما لا تضر الثرى»، وهناك أيضاً تفصيل في الأعراق، وتوزع البشر في الأرض بعد النبي نوح عليه السلام، وقبائل ثمود وطسم وجديس وعاد، وعن هذه الأخيرة، يقول: «إن عاداً كانوا قد ملؤوا ما بين الشام إلى اليمن»، و يرسم خريطة جغرافية لتوزيع «العماليق» في الأرض: «ونزلت العماليق في أول الأمر صنعاء اليمن، ثم انتقلوا إلى يثرب فنزلوها، وإنما سميت يثرب برئيس لهم يقال له يثرب. ثم انتقلوا إلى ناحية فلسطين من الشام. ومضت عامتهم إلى مصر وناحية إفريقية. وتفرقوا بالمغرب. فالبرابرة منهم. والبرابرة اليوم يقولون: نحن بنو بر بن قيس. وذلك باطل وإنما غزا رجل من التبابعة يقال له أفريقيس بن قيس بين صيفي الحميري إفريقية فافتتحها، فسميت به.»
قراءة «فتوح البلدان» أو «أنساب الأشراف»، متعة والوحدة الموضوعية واضحة بين الكتابين، والأسلوب سلس ينتمي إلى السهل الممتنع، وتشعر أحياناً أنك أمام حكاء يتنقل بك من قصة هذا المكان إلى رواية حدوتة تلك المدينة، وبالبساطة نفسها يرتحل من عصر إلى آخر. وفي كل ذلك تشعر أن المؤلف مهموم بالتأريخ للغة وحروف الهجاء والكتابة وللبشر وللمدن وللنظم الإدارية، أي يوثق للحضارة الإسلامية المزدهرة في القرن الثالث الهجري، والذي عاش فيه بكل صخبه وصالوناته الثقافية وأفكاره الصاعدة، وتأثر بموجة تدوين العلوم والتنظير لها، وأثر في الكثيرين ممن جاؤوا بعده، ليترك لنا تاريخاً يحتاج إلى أكثر من قراءة جديدة.