تعود أهمية كتاب «تاريخ بغداد» إلى أنه موسوعة تضم أكثر من 7 آلاف ترجمة، للعلماء ورجال الدولة والمشاهير عاشوا ببغداد أو زاروها منذ إنشائها حتى عصر مؤرخنا، إذاً نحن أمام كتاب له مذاق خاص، فكري إلى حد كبير، يرصد الحركة الثقافية في بغداد، والذي ساعد على ازدهارها آنذاك وجود المكتبات العامة والمدارس والصالونات والنقاشات المختلفة في مختلف حقول المعرفة.
ولد الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، في قرية غزية من أعمال الحجاز في عام 392 ه، ونشأ في درزيجان، وهي قرية كبيرة جنوب غربي بغداد، كان أبوه يتولى الخطابة في جامع القرية لمدة عشرين عاماً، فأولى ولده اهتماماً وتوجيهاً، حيث عهد به إلى هلال بن عبدالله الطيبي فعلّمه القرآن، كما استفاد أيضاً من منصور الحبّال في القراءات.، سمع الحديث في حلقة أبي الحسن بن رزقويه بجامع بغداد، وأخذ يتردد إلى مجلس أبي حامد الإسفرائيني الفقيه الشافعي في مسجده. وبعد وفاة الحبال أفاد الخطيب من ابن الصيدلاني الذي كان يعلّم القراءات في جامع الدارقطنيّ. ثم عاد الخطيب إلى حلقة ابن رزقويه مرة أخرى، عُرف بكثرة السفر في طلب العلم، حيث زار الكوفة والبصرة وهمذان ونيسابور وأصبهان وحلب وطرابلس ودمشق والحجاز، ويقال إنه ظل أكثر من أحد عشر عاماً في سفر متصل بعيداً عن بغداد، بهدف لقاء علماء عصره والتعلم على أيديهم.
كتب الخطيب البغدادي الكثير من المؤلفات، معظمها في علم الحديث، ويذكر ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» أنه ترك 56 مصنفاً، من أهمها «تاريخ بغداد» في 14 مجلداً، كما كتب في الأدب «التطفيل وحكايات الطفيليين» و«البخلاء»، وفي مرضه الأخير وقف كتبه ووزع أمواله في وجوه البر والتقوى وتوفي في عام 463 ه.

جولة جغرافية

في بدايات الكتاب، يقدم البغدادي جولة جغرافية عن أقاليم الأرض وتقسيماتها، والبلدان المختلفة، وبعد ذلك يطرح سؤالاً حول اسم العراق، ويستند إلى عشرات الرواة ليقدم إجابة للقارئ، يقول: «قَالَ أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنباري قَالَ ابن الأعرابي: إنما سمي العراق عراقاً لأنه سفل عَنْ نجد ودنا من البحر، أخذ من عراق القربة وهو الخرز الذي في أسفلها. وَقَالَ غيره: العراق معناه في كلامهم الطير. قالوا: وهو جمع عرقة والعرقة ضرب من الطير: ويقال أيضاً: العراق جمع عرق. وقَالَ قطرب: إنما سمي العراق عراقاً لأنه دنا من البحر وفيه سباخ وشجر»، وأيضاً: «وإنما سمي العراق عراقاً لأن كل استواء عند نهر أو عند بحر عراق، وإنما سمي السواد سواداً لأنهم قدموا يفتحون الكوفة فلما أبصروا سواد النخل قالوا: ما هذا السواد؟».
يتوزع كتاب «تاريخ بغداد» على حروف المعجم، إلا أن مؤرخنا يفتتح كتابه وقبل حرف الألف بباب بعنوان «ذكر من اسمه محمد»، والملاحظ أيضاً أنه يهتم في ترجماته للشخصيات بالتمييز بين ساكن بغداد وزائرها والعابر بها، ويهتم أيضاً بسير المحدثين والرواة أكثر من الفئات الأخرى المشتغلة بالعلم وإن كان هذا لم يمنعه من الترجمة للآخرين، ففي هذا الباب الافتتاحي يترجم لشاعر يدعى محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي العنبس قائلاً: «كان أحد الأدباء الملحاء، وكان خبيث اللسان، هاجى أكثر شعراء زمانه، وقدم بغداد ونادم جعفراً في زمن المتوكل، وهو القائل يهجو أحمد بن المدبر:
أسَلُ الذي عطف المواكب بالأعنة نحو بابك/ وأراك نفسك مالكا ما لم يكن لك في حسابك/ وأذل موقفي العزيز على وقوف في رحابك/ ألا يطيل تجرعي غصص المنية من حجابك».
يؤرخ البغدادي في الكتاب للمكان عبر البشر، فمن حكاياتهم وسيرهم تتشكل صورة المجتمع البغدادي، بمختلف فئاته وأعلامه وقواه الفاعلة والأفكار التي كانت مطروحة للنقاش آنذاك، ولنستمع إليه مستمتعين وهو يترجم لأحد القضاة: «الأحوص بن المفضل بن غسان أبو أمية الغلابي، وهو الأحوص بن المفضل بن غسان بن المفضل بن معاوية بن عمرو بن خالد بن غلاب، وغلاب امرأة، وهي أم خالد بن الحارث بن أوس بن النابغة بن عتر بن حبيب بن وائلة بن دهمان، نسبه أحمد بن كامل القاضي، حدث أبو أمية عن أبيه بكتاب» وروى أيضاً عن محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب، وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن عبدة الضبي، وكان ببغداد يتجر في البز فاستتر ابن الفرات الوزير عنده في بعض الأوقات، وقال له: إن وليت الوزارة فأيش تحب أن أصنع بك؟ فقال أبو أمية: تقلدني شيئاً من أعمال السلطان، قال: ويحك لا يجيء منك عامل ولا أمير ولا قائد ولا كاتب ولا صاحب شرطة، فأي شيء أقلدك؟ قال: لا أدري، فقال له ابن الفرات: أقلدك القضاء، قال: قد رضيت، ثم خرج ابن الفرات، وولي الوزارة، وأحسن إلى أبي أمية وأفضل عليه، وولاه قضاء البصرة، وواسط والأهواز، فانحدر أبو أمية إلى أعماله وأقام بالبصرة، وكان قليل العلم إلا أن عفته وتصونه غطى نقصه، فلم يزل بالبصرة حتى قبض عليه بن كنداج أمير البصرة في بعض نكبات المقتدر بالله لابن الفرات، وكان بين أبي أمية وبين ابن كنداج وحشة فأودعه السجن فأقام فيه مدة إلى أن مات فيه، ولا نعلم أن قاضياً مات في السجن سواه».
ينفتح النص السابق على القضاء ورجال الحكم وتقلبات السياسة، وهو ما نجده بوضوح في الكثير من ترجمات الخطيب البغدادي، والتي من خلال مطالعتها المرة تلو الأخرى، وغزل الأحداث التي تتضمنها بجوار بعضها البعض يتشكل تاريخ تلك المدينة «حاضرة العالم» في عصر مؤرخنا. اللافت للنظر أيضاً في الكتاب تخصيص البغدادي فصلاً كاملاً للنساء العالمات الفاضلات من أهل بغداد يبدؤه بالخيزران زوجة الخليفة المهدي، حيث يورطك مرة أخرى في التاريخ ولكن من زاوية أخرى، أما زبيدة زوجة هارون الرشيد فامرأة خيرة، يقول عنها: «أم جعفر أمة العزيز بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروفة بزبيدة زوجة هارون الرشيد وأم ولده الأمين كانت معروفة بالخير والإفضال على أهل العلم، والبر للفقراء والمساكين، ولَها آثار كثيرة في طريق مكة من مصانع حفرتْها، وبرك أحدثتها، وكذلك بِمكة والمدينة، وليس في بنات هاشم عباسية ولدت خليفة إلا هي، ويقال: إنها وُلدت في حياة المنصور، فكان المنصور يرقصها وهي صغيرة، ويقول لَها: أنت زُبدة، وأنت زُبيدة، فغلب ذلك على اسمها. أَخْبَرَنِي عَبْد العزيز بْن علي الوراق، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عمران، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا هارون بْن سُلَيْمَان، قَالَ: حَدَّثَنَا رجلٌ من ثقيف، يُقال لَهُ: مُحَمَّد بْن عَبْد الله، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر بْن سُلَيْمَان، يَقُولُ: حجت أم جَعْفَر فبلغت نفقتها فِي ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف»
ينتقل البغدادي بعد ذلك إلى النساء الرواة، يقول: «أم عمر بنت أبي الغصن حسان بن زيد الثقفي حدثت عن: أبيها، وعن زوجها سعيد بن يحيى بن قيس، روى عنها: أبو إبراهيم الترجماني، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الصباح الجرجرائي، وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وعلي بن مسلم الطوس»، ويعقب ذلك قائمة بالأحاديث التي روتها ونقلها عنها الآخرون.

ثقافة ممتدة

يمتعك البغدادي بثقافته الممتدة إلى تخوم الأدب عندما نتصفح كتاب «التطفيل وحكايات الطفيليين»، يبدؤه بولع الباحث في جذور الأشياء المتأمل في بداياتها كعادة مفكري زمانه، يقول: «الطفيلي الداخل عَلَى الْقَوْم من غَيْر أَن يدعي، مأخوذ من الطَّفْل، وَهُوَ إقبال الليل عَلَى النهار بظلمته. وأرادوا أَن أمره يظلم عَلَى الْقَوْم، فلا يدرون من دعاه، ولا كَيْفَ دَخَلَ إليهم.أَخْبَرَنَا الأصمعي، قَالَ: قولهم طفيلي للذي يدخل وليمة لَمْ يدع إِلَيْهَا، وَهُوَ منسوب إِلَى طفيل، رجل من أهل الكوفة من بَنِي غطفان، وكان يَأتِي الولائم من غَيْر أَن يدعى إِلَيْهَا، فكان يقال لَهُ طفيل الأعراس والعرائس. والعرب تسمي الطفيلي: الرائش والوارش»، والكتاب مدونة في حكايات الطفيليين ونوادرهم وأشعارهم وأعلامهم، فضلاً عن أنه يعكس إلى حد كبير عادات وتقاليد العرب. ألف البغدادي أيضاً كتاباً بعنوان «البخلاء»، يبدؤه بذم البخل ورفضه من منظور ديني، ويستند في ذلك إلى أحاديث النبي الكريم، ثم يتطرق إلى ذكر أنواع البخل وأشهر أعلامه وأخبارهم.
عاش البغدادي في القرن الخامس الهجري، أي أنه يؤرخ لما يقرب من ثلاثة قرون من تاريخ بغداد منذ أنشأها المنصور وحتى زمنه، يؤرخ لبغداد الرشيد والأمين والمأمون، بغداد الأدباء والمتكلمين والمحدثين والأعلام، بغداد المناظرات الفكرية والجدل، بغداد المدينة بشوارعها وأسواقها وحماماتها ومساجدها، بغداد منارة الثقافة العربية الإسلامية، أو هي باختصار سكة العالم، يؤرخ لكل ذلك من خلال البشر، وإن كان يبدو المنهج قديماً ومرهقاً لمن يقرأ التاريخ الآن، إلا أنه يخفي في العمق رؤية تحترم العلم والعلماء، فمن دونهم لا قيمة للمكان، وهي رؤية تنطلق من فهم للإنسان بوصفه خليفة الله في الأرض، الحافظ للمكان، المنوط به إعماره من خلال العمل المؤسس على علم ينفع كل الناس.