إعداد: محمد إسماعيل زاهر

يقول المقري التلمساني في كتابه «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»: «محاسن الأندلس لا تستوفى بعبارة، ومجاري فضلها لا يشق غباره، وأنّى تجارى وهي الحائزة قصب السّبق، في أقطار الغرب والشرق»، في هذا الكتاب نجد أمامنا مؤرخاً آخر من تراثنا العربي الإسلامي يوثق لمكونات المكان بعشق، مؤرخ ولد بعد سقوط الأندلس نهائياً بأقل من مئة عام، ولذلك تتكرر لديه هذه العبارة «أعادها الله تعالى إلى الإسلام». تتكثف نبرة عشق الأندلس لدى المقري عندما يجعل من المكان الذي يرسم تفاصيله جغرافياً وثقافياً جامعاً لأفضل ما يميز الأماكن الأخرى، يقول: «الأندلس شاميةٌ في طيبها وهوائها، يمانيةٌ في اعتدالها واستوائها، هنديةٌ في عطرها وذكائها، أهوازيةٌ في عظم جبايتها، صينيةٌ في جواهر معادنها، عدنيةٌ في منافع سواحلها».
في الكتاب تشعر بأن المقري يود لو يؤرخ للحجارة التي تتكون منها أبنية الأندلس، وللنباتات التي برع العرب والمسلمون في زراعتها في مختلف حدائق البلاد، وللمسافات بين المدن والقرى، ولأشكال الشوارع والأحياء.. الخ،
يدفع الشغف بالأندلس المقري لكي يعود إلى الأخبار والروايات التي تؤكد عراقة المكان وجذوره الممتدة إلى عهد طوفان النبي نوح عليه السلام، يقول: «وأوّل من سكن الأندلس على قديم الأيام فيما نقله الأخباريون من بعد عهد الطوفان على ما يذكره علماء عجمها قومٌ يعرفون بالأندلش - معجمة الشين - بهم سمّي المكان، فعرب فيما بعد بالسين غير المعجمة، كانوا الذين عمروها وتناسلوا فيها وتداولوا ملكها دهراً، على دين التمجس والإهمال والإفساد في الأرض، ثم أخذهم الله بذنوبهم، فحبس المطر عنهم، ووالى القحط عليهم، وأعطش بلادهم حتى نضبت مياهها، وغارت عيونها، ويبست أنهارها، وبادت أشجارها، فهلك أكثرهم، وفرّ من قدر على الفرار منهم، فأقفرت الأندلس منهم، وبقيت خاليةً فيما يزعمون مئة سنةٍ وبضع عشرة سنة».

رحلات

ولد شهاب الدين أحمد بن محمد المقري سنة 986ه في قرية مقرة التابعة لمدينة تلمسان الجزائرية، نشأ وطلب العلم في المدينة وكان من أهم شيوخه عمه الشيخ سعيد المقري، أمضى سنواته الأولى في حفظ القرآن الكريم ودراسة علوم الشريعة، انتقل بعد ذلك إلى مدينة فاس في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور، ثم ذهب إلى مراكش لكنه عاد إلى مدينة فاس بعد وفاة السلطان، عينه السلطان زيدان الناصر بن أحمد مفتياً وإماماً لمسجد القرويين، رحل لأداء فريضة الحج، ومر بمدينة القاهرة، ثم زار دمشق والقدس ثم توجه نحو مكة المكرمة وأخذ هنالك العلم وجلس للتدريس بالحرم، ثم ذهب لدمشق مرة ثانية وجلس للتدريس في علوم الفقه والحديث والتاريخ واللغة وأخذ يحدث الناس عن مفاخر وتاريخ الأندلس، وعلى وجه الدقة سيرة حياة الوزير الشهير لسان الدين بن الخطيب صاحب كتاب «أخبار غرناطة»، وطلب منه بعض التلاميذ تأليف كتاب عن ابن الخطيب، فبدأ المقري في كتابة مؤلف تحت عنوان «عرف الطيب في التعريف بالوزير ابن الخطيب»، فلما وجد أن مادة كتابه توسعت لتشمل جغرافيا وتاريخ وأدب وثقافة الأندلس غير العنوان إلى «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب»، وتوزع على قسمين خصص الأول للأندلس، والثاني لابن الخطيب.
ترك المقري عدة مؤلفات أخرى منها: «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» في أربعة أجزاء، لا يزال الرابع منها قيد الطبع، و«روضة الأنس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من علماء مراكش وفاس»، و«حسن الثنا في العفو عمن جنى» و«عرف النشق في أخبار دمشق»، وأرجوزة سماها «إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة»، وتوفي في القاهرة في عام 1041ه.
يعنون المقري الباب الأول من كتاب «نفح الطيب» هكذا: في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيراتها واستوائها، واشتمالها على كثيرٍ من المحاسن واحتوائها، وكرم بقعتها التي سقتها سماء البركات بنافع أنوائها، وذكر بعض مآثرها المجلوّة الصور، وتعداد كثيرٍ مما لها من البلدان والكور، المستمدة من أضوائها، ثم يأخذك في رحلة تتعرف فيها إلى مساحتها وأبعادها، وموقعها من أقاليم العالم، ويسير بك بين أزقتها، ويشرح لك آثارها وما تختزنه من تاريخ وعجائب وغرائب، ويرافقك في أسواقها لتشاهد ثمارها وفواكهها وعطورها ومصنوعاتها، ويصف لك أخلاق أهلها وعاداتهم وحتى أزيائهم، ويقارنها بالبلدان الأخرى، ويورد ما قيل فيها شعرا، يقول عن مدينة قرطبة: «كانت قرطبة في الدولة المروانية قبّة الإسلام، ومجتمع أعلام الأنام، بها استقرّ سرير الخلافة المروانية، وفيها تمحضت خلاصة القبائل المعديّة واليمانيّة، وإليها كانت الرّحلة في الرواية إذ كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء، وهي من الأندلس بمنزلة الرأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار»، هذه المحبة تهيمن عليه تجاه مدن وقرى الأندلس كافة، ولنستمع إليه وهو يقول عن إشبيلية: «وهذه المدينة من أحسن مدن الدّنيا».
وفي الجزء الثاني من هذا الباب يتحدث عن «الخطط الأندلسية»، في إحالة إلى خطط المقريزي، يشرح نظامها السياسي: الوزارة، الخراج، القضاء، التشريع، الشرطة، الحسبة، الكتابة، ثم يقترب من صاعد الأندلسي في «طبقات الأمم» ليخصص جزءا لعلمائها يقول عن مكانة العلم في الأندلس: «أمّا حال أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغاً عالةً على الناس، لأن هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظّم من الخاصة والعامة، يشار إليه»، وخلال كل هذا السرد يقص عليك تاريخ الأندلس أيام الرومان وخلال حكم القوط.

دقة وموضوعية

يتحول المقري في الباب الثاني إلى التاريخ، ليتناول روايات فتح الأندلس، وسير الحكام بدءا من عبد الرحمن الداخل وحتى ملوك الطوائف واستيطان القبائل العربية المختلفة للأندلس، وفي الباب الثالث يستفيض في إنجازات الحكام ومعاركهم وسماتهم ورعايتهم للعلوم وعلاقاتهم بالبلدان الأخرى.. الخ، ويخصص الباب الرابع لقرطبة، ويركز في أجزاء مطولة على مساجدها، ويقول عن مدينة الزهراء التي بنيت بالقرب من قرطبة: «الزّهراء من عجائب أبنية الدنيا، وأنشأها أبو المظفّر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقّب بالناصر، أحد ملوك بني أميّة بالأندلس، بالقرب من قرطبة، في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمئة، ومسافة ما بنيهما أربعة أميال وثلثا ميل، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمئة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمئة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلاثمئة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب»، ويترجم لعلماء وشعراء قرطبة.
وعلى درب مؤرخي ذلك العصر يخصص المقري الباب الخامس للترجمة ويعنونه ب «في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق»، وترجم فيه لأكثر من 300 شخصية من علماء وفقهاء ومتصوفي الأندلس الذين غادروها إلى شتى بقاع العالم الإسلامي يقول مثلاً عن ابن عربي: «الشيخ الأكبر، ذو المحاسن التي تبهر، سيّدي محيي الدين بن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، الحاتمي، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عديّ بن حاتم، الصوفي الفقيه المشهور الظاهري، ولد بمرسية يوم الاثنين في السابع عشر من رمضان سنة 560.. كان انتقاله من مرسية لإشبيلية سنة 568، فأقام بها إلى سنة 598 ثم ارتحل إلى المشرق.. ودخل مصر، وأقام بالحجاز مدّة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، ومات بدمشق سنة 638». أما الباب السادس فيرصد فيه «بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق»، ويتبع ذلك بفصل فضائل الأندلس، وفصل عن المراسلات بين حكامها وحكام البلدان الإسلامية.
ويخصص المقري الجزء الثاني من الكتاب للسان الدين ابن الخطيب، ويبرر ذلك قائلا: «هو الوزير، الشهير الكبير، لسان الدين الطائر الصيت في المغرب والمشرق عرف الثناء عليه بالعنبر والعبير، المثل المضروب في الكتابة والشعر والطب ومعرفة العلوم على اختلاف أنواعها ومصنفاته تخبر عن ذلك ولا ينبئك مثل خبير، علم الرؤساء الأعلام، الوزير الشهير الذي خدمته السيوف والأقلام، وغني بمشهور ذكره عن مسطور التعريف والإعلام، واعترف له بالفضل أصحاب العقول الراجحة والأحلام».
الكتاب متعة تبحر بك في مختلف حقول الثقافة، في التاريخ والجغرافيا والسياسة والاجتماع، وآراء العلماء والمفكرين وقصص الوزراء والمتصوفة، والشعر وأدب الرسائل، وحكايات البشر العاديين، تتعدد في الكتاب كذلك الروايات التي يعتمد عليها في سرد الأحداث المهمة، فهناك عشرات الصفحات حول فتح العرب للأندلس من مصادر مختلفة، ويلاحظ أيضا الثقافة الممتدة للمقري، ففي مكان تجده يتذوق الشعر عارفاً بأنواعه وأعلامه ونقاده، وفي مكان آخر يصادفك كدرويش يحدثك عن أعلام المتصوفة بوجد، وفي مكان ثالث يمسك بأدوات المحلل الاجتماعي والسياسي ليصف أطوار الحكم وتقلبات العمران، ولذلك هناك المئات من الإحالات التي تصادفك وأنت تتصفح الكتاب، إلى ابن خلدون والمسعودي وابن خلكان والشاطبي وابن حزم.. الخ. باختصار الكتاب موسوعة عن الأندلس، لمؤرخ ولد في عام 1578 م، أي عاش وصدمة سقوط غرناطة في 1492م، كانت لا تزال ماثلة في الأذهان، صدمة طرحت أسئلة من قبيل كيف ولماذا ضاعت الأندلس، وهي أسئلة اقترب المقري من إجاباتها كثيرا وهو يرصد مرحلة ملوك الطوائف، والمهمة الأخرى التي كان أي مؤرخ مطالبا بها في تلك الفترة هي التوثيق لحضارة الأندلس، وكلها أبعاد فرضت سمات انعكست على أسلوب الكتاب وروحه، لعل أبرزها تلك النبرة العاشقة لتفاصيل المكان المهيمنة على قلب كاتب قادم من المغرب الإسلامي يجلس بين تلاميذه في الشام ويطلبون منهم الحديث عن تاريخ الأندلس بأبعاده المختلفة.