ما أصعب الكتابة عنك أبو خلدون.
ما أصعب الكتابة في حضرتك، وأنت المعلم الذي اعتاد القراء، صباح كل يوم، على ارتشاف فنجان قهوتك، وقد صنعته من علمك ومعرفتك وثقافتك الموسوعية ودأبك على الإتيان بجديد مع انبلاج كل فجر وشروق كل صباح.
نلتقي، فأرحب بك بهلا بالختيار، وكانت عبارتك التي لاتزال ترن في أذني هلا بالحبيب. عبارة تنم عن لطف وعن ذوق عالٍ كنت تخاطب بهما كل زميل، كل صديق، لأنك كنت تحب الجميع، لأنك كنت محبوباً من الجميع، مقدراً من الجميع، وتحظى باحترام الجميع، وذلكم والله رصيد، كنز، نادرون هم من يمتلكونه.
قلائل هم الكتّاب المحترمون، وأنت ولا غرو كنت من بقاياهم، الكتّاب الذين لا يراوغون، ولا يساومون، وبقيت كذلك حتى الرمق الأخير. ولأن الأشجار تموت واقفة، على ما كان يردد الحبيب الآخر الباقي في ضمير كل منا، الشهيد ناجي العلي، رفيقك في حب فلسطين، بقيت شجرة باسقة الى أن هدّك المرض، وانتقلت روحك الى باريها.
نظيفاً كنت، لم تتلوث، لم تتطيف، لم تتمذهب، ولم تتمترس في خنادق العصبية والفئوية الضيقة التي تنهش بالجسد العربي، وتعين الاحتلال ومن يشتهون عودة الاستعمار على تحقيق أغراضهم الشريرة.
بسيط المظهر كنت، وبقيت، لكنك كنت تخفي تحته جوهراً من ذلك الصنف الذي لا يقدر بثمن. بقيت كما عهدناك ذلك الإنسان المقدود من صخرة فلسطينية لم تقو رياح الشتات العاتية على النيل منها، لأنك مؤمن وصاحب مبدأ ينافح بفكره وقلمه عما يؤمن به، لا تستهويك إغراءات ولا تؤثر فيك مظاهر، ولا تسقطك أية غواية كما أسقطت آخرين كثراً في هذا الزمن الرديء، زمن الفحيح السام، زمن الكوبرات والمجلجلات والأناكوندات المنتشرة في غير موقع وغير مكان.
شحيح النظر كنت، لكثرة ما نقبت عن الثمين من در الكلام، لكنك نافذ البصيرة بقيت، ثاقب التعبير، تشقى كل يوم بحثاً عن الفكرة، عن المعلومة، عن الحبكة المحترفة التي تدوزن بها حلو الكلام لتقديم أسطر معدودات تغني عن قراءة كتاب، وما أكثر الكتب التي دونتها في فنجانك الصباحي الذي أدمناه حتى الثمالة.
عالي المقام كنت يا صالح.
صالح الخريبي، الجندي المجهول الذي اشتق من ابن خلدون توقيع زاويته أبو خلدون، أشهر من نار على علم في عالم الزوايا اليومية المحترمة والمحترفة، الزاوية التي تستهوي القراء، كا يستهوي رحيق الزهر سرب النحل، وتتلقفها مواقع الانترنت وتتناقلها، كما الدرة وسط ركام الكلام، الزاوية التي لم تسمح للوثة باحتلالها وتدنيسها.
نفتقدك يا صالح، وأنت الأخ والصديق والزميل، وقبل كل شيء المعلم.
نفتقدك في الخليج يا الختيار.
وسيبقى طعم قهوتك العربية الأصيلة، ما بقي للمحترمين مكان يذودون عنه بالكلمة الطيبة التي تنفع الناس فتمكث في الأرض، وما بقي نبض في الأمة التي يتكالب تجار الموت والسطو على ماضيها والحاضر والمستقبل، وما بقي حجر يمتشقه طفل من تلك الأرض، أرض فلسطين، يرمي به مستوطني الإفك في وطنك السليب، وطننا السليب، قلب الأمة السليب.