مسقط: «الخليج»

رغم التطور الكبير الذي فرضته الحداثة على جميع نواحي الحياة تقريباً، لا تزال سلطنة عمان تحتفظ بالكثير من القرى القديمة، الممتدة عميقاً في الزمان، تحتفظ بشكلها وطابعها العمراني كما كانا قبل سنوات مديدة، لتقف شاهداً حياً على تاريخ السلطنة: البشر والحجر، تصل الماضي بالحاضر وتربطهما معاً برباط يغري الزائرين من العُمانيين والسياح من غيرهم، بزيارة هذه القرى للاستماع إلى حكايا التاريخ، والاستمتاع بالطبيعة البكر كما هي قبل أن تمتد إليها يد التغيير. في هذا التقرير نصحبكم في رحلة عبر الزمان والمكان إلى عدد من أشهر القرى العُمانية القديمة.
مسفاة العبريين إحدى أهم القرى الأثرية في سلطنة عمان، تقع في ولاية الحمراء، تستقر وادعة بين أحضان الهضاب الممتدة من سلاسل جبال الحجر، الطريق إليها معبدة، تم تخطيطها بشكل حلزوني متعرج لتخفيف العبء على المركبات الصاعدة إلى قلب القرية، حيث تصطف البيوت المبنية من الطين والصاروج العُماني متلاصقة، لتشرف على مزارع النخليل والليمون الممتدة إلى عمق الوادي.

يتخذ النظام الهندسي لبيوت القرية شكل المستويات، حيث تمتد البيوت على أكثر من مستوى، ترتبط ببعضها البعض بمسارات صاعدة في صورة أدراج محفورة بالصخور، يتنقل عبرها أهالي القرية بسهولة بالغة، على العكس من السياح الذين يقفون لالتقاط الأنفاس كلما قطعوا بضعة أمتار! ولهؤلاء يمكن استخدام الحمير التي يربيها أهالي القرية، فقد تمرست عبر السنين على تسلق وهبوط هذه المسارات بسرعة ومرونة تثيران الإعجاب.
من أشهر وأقدم البيوت الأثرية في المسفاة «بيت البيتين»، الذي يقدر تاريخ بنائه بأوائل القرن التاسع عشر، وهذا البيت الذي مازال يقاوم عوامل الزمن يرتفع لطابقين، استخدمت في بنائه الأحجار الطبيعية مع الطين والصاروج العماني، وهذا الأخير يتم صنعه عبر خلط الطين والقش بطريقة خاصة، تسمح له أن يتصلب ليقوم بعمل الأسمنت في العصر الحديث. يشتهر «بيت البيتين» بكونه نموذجاً للبيوت العمانية القديمة، ذات الأبواب الخشبية المتعددة، وعلى أحد أبوابه يمكن للزائرين قراءة بيت من الشعر يفتخر بالقرية، يقول: «إن شئت تنظر بهجة الجنات.. عرج هديت لبلدة المسفاة»
أما قرية «وكان» فتقع على ارتفاع يزيد على 2000 متر عن سطح البحر، في وادي المستل في ولاية نخل بمحافظة جنوب الباطنة، إلا أن الوصول إليها يتطلب حصراً استخدام سيارات الدفع الرباعي نظراً لوعورة الطريق الصاعدة إليها. أكسبها ارتفاعها عن سطح البحر مزية نسبية عن القرى الأخرى في الولاية، حيث تعتدل فيها الحرارة صيفاً لتجعل منها مصيفاً لسكان المنطقة، الذين يلجأون إليها عند اشتداد الحر أو ارتفاع نسبة الرطوبة. كما أن هذه الأجواء الفريدة سمحت للقرية بالتميز في مزروعاتها وأشجارها المثمرة، ومنها: العنب والمشمش والدراق والرمان.
تمتد القرية صعوداً لمسافة تزيد على كم، وقد أنشأت وزارة السياحة العمانية درجاً يخترق القرية حتى أعلى نقاطها، استُخدمت فيه الأحجار الطبيعية من المنطقة حفاظاً على هويتها، كذلك استُخدمت أعمدة الخشب والحبال في بناء سياج الدرج الصاعد، للهدف نفسه، وتمت إضافة استراحات مظللة على الطريق للاستمتاع بالمشاهد الرائعة التي تهديها «وكان» لزوراها.
ويمثل الفلج الذي يغذي القرية بالمياه مقصداً آخر للزوار، وهو الذي يخترق القرية من أطرافها العلوية وصولاً إلى الأسفل، ويتفرع بطريقة هندسية يتقنها العمانيون ليصل إلى جميع البيوت والمزارع.
قرية منال مكانها على الحد الفاصل بين محافظتي الداخلية وجنوب الباطنة، وتحدها غرباً سلاسل الجبال وشمالاً قرية سيجاء، وجنوباً وادي قري. يقول سكان القرية إن اسمها الأصلي كان «وبال»، اكتسبته من الكوارث الطبيعية التي تصيبها بسبب موقعها. واكتُشفت القرية أثناء تنفيذ مشروع الشارع العام في المنطقة، إذ ظهرت من تحت ركام الصخور الجبلية، ولا تزال القرية محافظة على آثارها وملامحها الأساسية، ويقدر عمرها بأكثر من 4000 عام وفقاً للدراسات التي أجريت على المقبرة التي تقع وسطها؛ إذ أكدت النتائج أنها كانت قرية عامرة بسكانها، 2000 - 1000 ق م.
تشتهر «منال» بالمزروعات المقاومة للجفاف، والقادرة على النمو في البيئات الصخرية القاسية، مثل: أشجار العتم والبوت ذي الطعم الرائع والعلعلان أو «العرعر»، وشجيرات الزعتر البري والسدر والطلح ذات الاستخدامات الدوائية. كما يمكن لزائريها مشاهدة قطعان الوعل العربي، التي اعتادت العيش على رؤوس الجبال.
من الآثار المهمة للقرية من الحقبة الإسلامية مسجد «القصر»، والذي اكتسب اسمه من التصميم البديع لمحرابه ذي الزخارف الإسلامية الفنية التي أبدعها العمانيون قديماً، وقد تم ترميم المسجد لإعداده مزاراً للزائرين الراغبين في الوقوف على تاريخ القرية الممتد عميقاً في الزمان.
تستقر قرية مسلمات في ولاية وادي المعاول في محافظة جنوب الباطنة، ولعبت دوراً محورياً في تاريخ هذه الولاية كحلقة وصل بينها وبين القرى الأخرى التابعة للولايات المجاورة، واستمر هذا لسنوات طوال.
اشتهر أهالي «مسلمات» بالعمل في الزراعة والتجارة وتربية الأغنام والإبل الأصيلة وصناعة الفخاريات والسعفيات والفضيات والنسيج والأسلحة التقليدية وغيرها، ما جعلها وجهة لكثير من التجار الذين يجوبون القرى، ويبيعون أهلها مختلف المنتجات التي يحصلون على معظمها من سوق مسلمات الذي يتوافد إليه سكان المنطقة لبيع منتجاتهم للتجار الجوالين.
أما قرية قانة فبنيت على الجروف الصخرية لخور «شم»، بولاية خصب في شبه جزيرة مسندم شمال سلطنة عمان، حيث تعانق بيوتها الجبل بطريقة فريدة من نوعها، فيصعب على الزائر تمييزها للوهلة الأولى، إذ تبدو كقطعة من الجبال حتى الاقتراب منها، ليكتشف الزائر أنها بيوت نشأ وترعرع فيها العشرات من رجال ونساء القرية.
وهذه البيوت يغلب عليها تصميم خاص يدعى في الثقافة العمانية «بيت القفل».