الشارقة: غيث خوري
تكشف أعمال الفنان والباحث الإماراتي علي العبدان، عن شخصية متمردة على فكرة التخصص، شخصية تتسم بالبحث الدائم والخوض في غمار المعرفة الواسعة دون أن يحدّ نفسه في مجال معين، فهو باحث نشيط ودؤوب، متنوع الاهتمامات الثقافية والفنية، قدم العديد من الدراسات والإسهامات العميقة والمهمة على صعيد التشكيل والموسيقى والشعر، وأبدع تجربته الفنية الخاصة والمتميزة في مجالي الفن التشكيلي والشعر، فكان له حضوره البارز والمميز في الساحة الثقافية الإماراتية، تاركاً بصمته الخاصة بوصفه مثقفاً عصياً على التصنيف.
في حواره مع الخليج تحدث العبدان عن رحلته مع عالم المعرفة والفن وأهم المحطات التي شكلت مسيرته الإبداعية، وشواغله الفكرية والبحثية، حيث بزغت أولى ثمرات اهتمامه وتعلقه بالفن منذ طفولته التي وصفها بالطفولة البصرية، فكانت رسوم الكرتون في التلفزيون، والكاريكاتير في الجرائد وحصص التربية الفنية، متنفسا جماليا جعله يكتشف موهبته وميله الفطري نحو الرسم.
يقول العبدان: «توثقت علاقتي بالفن مع دخولي جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في عام 1988، وهناك بدأت باكتشاف الفن بالمعنى الأكاديمي، فكانت الجمعية مصدراً للمعارف والخبرات بالنسبة لي، حيث درست تاريخ الفن واطلعت على مدارسه المختلفة، وأصبح التجريب الفني أمراً لابد منه بالنسبة لي كفنان شاب، لأخذ القيم البصرية والجمالية من مختلف المدارس محاولاً اكتشاف وسبر ملامح تجربتي الخاصة، فاشتغلت على الرسم الانطباعي بعد دروس كثيرة في نقل الواقع والتلوين، واشتغلت فترة ضمن الاتجاهين السوريالي والتكعيبي، ثم كان لي تجربة في فن الكولاج، ثم قدمت أعمالاً مفاهيمية خارجة عن المفهوم التقليدي للوحة أو المنحوتة، وانتهت هذه الفترة بذهابي إلى الولايات المتحدة لدراسة الفن، ولكني لم أكمل لظروف معينة، وعدت بعدها لأتوقف عن الإنتاج الفني لمدة عشر سنوات نتيجة انشغالي ببحوث في اللغة والأدب والمنطق ودراسة الموسيقى والشعر.
وأضاف: بعد عودتي للرسم مجدداً، قدمت مجموعة كبيرة من اللوحات التي عمدت فيها إلى توظيف قصص خليجية، والتي فهمت خطأ من قبل البعض وصنفوها على أنها لوحات تراثية إماراتية، وأنا بينت مراراً أن هذه الأعمال ليست تراثية، وإنما الصحافة هي التي ألصقت صفة التراث بهذه الأعمال، وذلك عائد إلى التشابه بين الأقاليم الخليجية في العادات والتقاليد، كما أن هذه اللوحات هي أقرب إلى رواية قصص محددة من أن تكون توثيقاً للتراث، كما في عملي «مصاصر» وهو أحد الأعمال التي رسمت فيها رجلين يجلسان في المقهى ويهمسان لبعضهما، وقد رسمتهما بشكل تكعيبي بحيث يظهران وكأنهما اندمجا في شخص واحد، كما سعيت لتقديم أعمال تبين حال الإنسان في هذه المنطقة قديما وطبيعة الأعمال التي كان يقوم بها مثل لوحة «الفحام» وغيرها، وهذه المجموعة بأغلبها تم اقتنائها من مؤسسة بارجيل للفنون.
أما عن تجربته في فن الكولاج، فيؤكد العبدان أن هذا الفن له قيمة أساسية في إعادة إنتاج الشيء وطريقة النظر إليه، وإخراجه من سياقاته المعتاد عليها، الأمر الذي يترك أثرا عند المتلقي ويجعله يفكر ملياً فيما تمثله تلك الأشياء.
مضيفا: قدمت لوحات كولاج، عملت فيها بدقة كبيرة حيث تكاد ترى الوجه مرسوماً، ولكن في الحقيقة كل الوجه هو عبارة عن قطع صغيرة من المجلات موضوعة بدقة، وقدمت فيها بعض مشاهير الخليج، وحمل المعرض عنوان «أرواح من الماضي»، ومن الشخصيات التي رسمتها الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم، وهو من أقام أول دائرة معارف في دبي في الثلاثينات، وعمل أول خريطة لمغاصات اللؤلؤ في الخليج، وطبعها في الهند، فكان شخصية أدبية وثقافية مهمة في التاريخ الحديث، والشخصية الثانية هي محمد بن فارس، وهو رائد فن الصوت والطرب البحريني، وهو الأب الروحي لفن الصوت في الخليج، ولوحة ثالثة كانت لشاعر الكويت فهد العسكر، وفيها مجموعة من الكتابات بخط يده، وأردت لهذه الأعمال أن تكون بمثابة وثائق تُعرّف الأجيال الجديدة بهذه الشخصيات التي تركت أثراً ثقافياً واجتماعياً في حياة الخليج وكيف عاشت وأبدعت.
ويتابع بالقول: هذا كله توقفت عنه اليوم، ذلك أن تطورات الفن المعاصر أصبحت لا تحتمل هذه الأعمال التقليدية، كما يصفونها، وفي رأيي الشخصي أن الساحة الفنية في الإمارات تطورت بسرعة غير منطقية، فاليوم نجد فن «الإلستريشن» هو الطاغي، والأعمال التركيبية و«اللاند آرت»، وهذه الفنون المعاصرة ظهرت في الغرب بتدرج وتطور مفهوم ورافقها تنظير معرفي وعلمي، أما عندنا فحصل الأمر في ظرف عشرين عاماً تقريباً، وتم حرق مراحل كثيرة لابد من المرور بها، إلا أنه ولحسن الحظ، كان هناك بعض الجهات التي استطاعت أن تحتضن هذا التحول السريع وتعطيه منهجية واضحة مثل مؤسسة الشارقة للفنون من خلال بينالي الشارقة، ولقاء مارس وفعالياتها الأخرى، والتي حملت في طياتها جدلاً مفيداً في هذه النواحي، وأصبح ما يعرض يخضع للانتقاء والمتابعة، ومحل اتفاق على أهميته وأهمية الفنانين المشاركين فيه.
في تجربته الشعرية أصدر العبدان مجموعة تحت عنوان «هائم بالوصايا» وهو في صدد إصدار مجموعته الثانية بعنوان «ظلٌ في الكسوف»، وهو يقدم أشعاره ضمن القصيدة الموزونة العمودية، لأن الشعر الموزون على حد قوله فيه نوع من السحر غير موجود في غيره، إضافة إلى اهتمامه بالجانب السمعي، فالشعر عند العرب هو سماع وإنشاد، أما اليوم فالشعر عندهم هو شيء آخر، هو كتابة وقراءة، لهذا دائما يسألون هل تكتب الشعر؟، وهذا سؤال معاصر، أما عند القدماء فكانوا يقولون: هل تنشد الشعر أو هل تقول الشعر؟ بما يشير إلى رنين هذا الشعر والجرس الموسيقي الكامن في كلماته.
ويضيف العبدان: إن فلسفة رنين الشعر العربي مبنية على ما يعرف بالأوتاد والأسباب، والتي تتغير حسب البحر وبالتالي كل بحر له غرض معين، ففي بحر الطويل الأوتاد تسبق الأسباب، وهو ما يناسب موضوعات الاندفاع، وفي البسيط الأسباب تسبق الأوتاد، فنجد فيه ثقلاً في آخر كل تفعيلة، وهو ما يناسب موضوعات الشجن.
في «هائم بالوصايا» يوظف العبدان مجموعة من البحور التي تم نسيانها أو قل استخدامها، كبحر المديد التام، وهو من أجمل البحور الثقيلة القوية في الموقف، وهذا الوزن أعجب به «نيكلسون» صاحب كتاب «تاريخ الآداب عند العرب»، وغوته شاعر ألمانيا وفيلسوفها العظيم أعجب بقصيدة على هذا الوزن وهي (إنَّ بِالشِّعْبِ الَّذِي دُونَ سَلْعٍ) في رثاء تأبط شراً، وخاصة في منظر الضبع الذي يبتسم لمنظر القتلى، مستغربا من عظمة هذا المشهد، وهناك أيضاً قصائد على «مجزوء البسيط المذيل»، وفي هذا الوزن زوايا عجيبة تذهب بالنفس بعيداً، كما يسترجع في هذا الديوان بعض الكلمات الغائبة مثل كلمة «خسم» والتي تعني الزاوية في اللغة العربية الفصحى، وهي كانت تستخدم أيضاً في اللهجة الإماراتية.
ويؤكد العبدان أن أغلب القصائد في هذا الديوان كانت تتحدث عن الفترة التي عاشها دون عمل، فكانت هناك قسوة ومعاندة للحياة، ولذلك كانت أغلب البحور تناسب الحالة النفسية الفكرية، مشيراً إلى أن هذه النظرية تعود للدكتور الطيب عبد الله المجذوب في كتابه «المرشد إلى فهم أشعار العرب»، والذي اقترح فيه أن كل بحر يناسب غرضاً معيناً، وبعض البحور تشترك في أغراض معينة، وبعض البحور لا تصلح للحماسة، وبعضها تصلح للرقة واللين.
وحول بحوثه الموسيقية يقول العبدان بحثي الموسيقي لم أنشره حتى اليوم، وإنما قدمته من خلال محاضرات عن المقامات الموسيقية العربية بالشرح والإسماع، وغرضي الأساسي من هذا البحث أن أعرف الناس بموسيقانا الشرقية، ومن أين جاءت، فالموسيقى في العالم كله مأخوذة من السلم الفرعوني القديم على العود ذي الرقبة الطويلة والذي يوجد منه واحد في متحف برلين، ويعرف باسم السلم الداياتوني، وقد أخذ اليونانيون هذا السلم من مصر ونقلوه إلى باقي البلدان، مثل بلاد فارس الذين طوروا العود الفرعوني القديم إلى الطنبور الفارسي، ومن الطنبور طور العرب العود العربي، فقصروا الرقبة وبدلوا الوترين النحاسيين ووضعوا أربعة أوتار من أمعاء الحيوانات، وكبروا القالب وسموه بالعود «الشبوط»، لأنه يشبه سمكة «الشبوط» في نهر دجلة.
ويتابع: عملت على تبيان أحد أهم مميزات الموسيقى العربية وهي «ربع النوتة» فبدلاً من التخفيض بين العلامات إلى نصف درجة كما هو الحال في الموسيقى الغربية، خفضه العرب إلى ربع درجة فسلمت لنا ثلاثة أرباع الدرجة، وبالتالي الجنس الموسيقي العربي الصافي فيه درجة كاملة وثلاثة أرباع الدرجة، ولهذا هو انفعالي وفيه شجون، كما في الرست والبياتي والسيكاه، وهذا الانفعال يأتي من غياب النصف مدة، وفي هذا المجال أزعم أنني أول من توصلت إلى هذا الاستنتاج.