شخصنة الحروب

00:37 صباحا
قراءة دقيقتين

عبدالله السويجي

لا يذكر التاريخ حرباً إلا وارتبطت باسم شخص ما، وتتعقّد المسألة إلى درجة يصعب فيها التفريق بين أهداف هذا الشخص والسياسة العليا لدولته. وإذا تعمّقنا أكثر نجد أن هذا الشخص قد شخصن الحرب واعتبرها حربه الذاتية، فلا يهمه إن خسر نصف جنده أو نصف أرضه أمام أعدائه.

وفي الحروب الأهلية التي وقعت على مدى الخمسين سنة الفائتة، إن كانت في لبنان أو سوريا أو العراق أو السودان أو ليبيا أو اليمن أو الجزائر، ودول أخرى، نجد أن النزعة الشخصية طغت على الصراع، وأن تمسك رجل بالسلطة يقود كل البلاد إلى الجحيم. ويتخفّى هذا الرجل خلف شعارات دينية أو اجتماعية أو سياسية أو قومية، بينما هو أبعد ما يكون عن الدين والقومية والمبادئ الإصلاحية.

وحدث أيضاً في الصراع العسكري بين الطوائف، وهو في حقيقته صراع بين أشخاص يرتدون الجلباب الطائفي. وفي نهاية الصراع أو الحروب، تكون النتيجة المصالحة القومية، لا غالب ولا مغلوب، ويستمر هؤلاء، أعداء الأمس، في حكم البلاد، ويتخفّون وراء الديمقراطية والليبرالية، بينما تركيبتهم القيادية تتناقض مع أي قيمة ذات صلة بالحكم، فهم على الأقل يرفضون مبدأ الشفافية والمحاسبة، فيتحولون إلى استبداديين بثياب وطنية. على مدى الخمسين عاماً الماضية فُقد عشرات الآلاف وقُتل مئات الآلاف ودُمّرت بلدان عديدة ولم يتم إعادة إعمارها حتى الآن، والشعب (الغفور) يعيد انتخاب المتسببين بكل ذلك الخراب.

وبعد هذا الزمن، نصف قرن من الخراب، وحين تسأل عن التنمية، يجيبك أحدهم بأن البلاد تعرّضت لحروب أهلية، وبالتالي فإن غياب البنى التحتية المتطورة يصبح أمراً مبرراً، والأكثر رعونة هو استمرار تخريب تلك البنى التحتية بحجة أن الحروب الأهلية أثّرت في طبائع الناس، وتلك الحروب هي المسؤولة عن غياب القيم وخلط المبادئ.

نعود إلى أول السطر، ونعتقد أنه لو كانت تلك الحروب بعيدة عن الشخصنة لكانت نتائجها إيجابية جداً، وهؤلاء كانوا يحاربون من أجل وطن أجمل، وسيبدأون في إعادة الإعمار فوراً، لا سيّما إعمار الإنسان، وتعزيز قيم الخير والحق والجمال. وينطبق هذا على حركات التحرير وتوعية الشعوب وتنويرها بقضاياها المصيرية.

كل عمل يتم شخصنته يعود على الشخص ذاته بسبب ضيق الأفق والمصلحة، عكس الأعمال التي يقودها قادة يفكرون بأوطانهم على مدار الساعة.م ثالث وعالم متقدم.. والله من وراء القصد..

[email protected]

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات
http://tinyurl.com/4x98b3dc

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"