حين أرى عشرة أشخاص في استوديو في قناة فضائية عربية، يتحدثون عن الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، أُدرك أن لا جديد في الأحداث الميدانية، وهؤلاء يتحدثون بشكل تنظيري ويضعون سيناريوهات، منها ما هو قابل للتحقق ومنها ما هو خيالي. وهذا المشهد هو صورة مصغّرة عن النقاشات المحتدمة في الشارع العربي، والأجنبي بشكل أقل.
وفي ظل الجمود في المفاوضات والعمليات العسكرية، وجدت الأطراف نفسها أمام وضع محرج، لا هي تتفاوض بشكل جدي، ولا هي تتحارب بشكل جدي، ومُلئت الساحة تصريحات من الطرفين، بعضها فارغ وبعضها دسم، وبعضها يمكن البناء عليه. ويبدو أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب خبير في ملء الفراغات، ويستطيع أن يلعب باحتراف في هذا الميدان، ويطلق في النهار الواحد ثلاثة أو أربعة تصريحات، غالباً ما تكون قليلة الدسم، وهي توصيف سياسي أكثر منها مواقف رسمية.
لهذا قد يضحك المتابع الخبير من تصريحات ترامب أو المرشد الأعلى الإيراني، أو أي مسؤول في أحد الطرفين، فهي تصريحات إنشائية غير مدروسة، وحين تنقل من اللغة الإنجليزية أو الفارسية إلى العربية تبدو فارغة من المضامين، وهذا ما يضع المتابع العادي على حافة العبث والشعور بالسخرية، لأن العالم يغلي، أو شعوب المنطقة تغلي وقلقة من القادم، بينما المتحاربون يلوكون اللغة فتظهر تصريحات لا معنى لها.
الأمر ذاته يحدث في الساحة اللبنانية، فمع انسداد الأفق، والانتظار غير المجدي، يصدر المسؤولون اللبنانيون تصريحات تدور حول محور واحد هو وقف إطلاق النار، والاستعداد للمفاوضات، والطرف الآخر يرفض المفاوضات ويتهم الحكومة بالخيانة ويطالب بأن تكون المفاوضات غير مباشرة. وهو أمر مثير للجدل إن لم يكن الضحك، لأن جوهر المسألة واحد، إن كانت المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة عبر وسطاء، لأن الهدف هو الوصول إلى اتفاقية مع إسرائيل، والفرق الوحيد بين نوعي المفاوضات هو أن المفاوضات غير المباشرة تكون أقل إلزامية من المفاوضات المباشرة.
على كل حال، وعلى الرغم من أن إسرائيل ماضية في تدمير القرى اللبنانية الحدودية، ويقال إن بعضها سُوّي بالأرض، فإن الرئيس اللبناني يشترط وقف العمليات العسكرية قبل الذهاب إلى مفاوضات مباشرة، وهو موقف جديد نسبياً، وإسرائيل لا تزال ترفض وتصرّ على تحقيق هدفها وهو القضاء على حزب الله، وهو هدف يناقشه المحللون الإسرائيليون في القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، ويقول البعض باستحالة تحقيق الهدف خاصة عندما يربطونه بتدمير البيئة الحاضنة، وهدم بيوتها، ويبدو أن الرئيس ترامب، حين أعلن وقف إطلاق النار في لبنان، فقد سمح للجانب الإسرائيلي بمواصلة العمل ضد حزب الله، رغم أن البيان نصّ على حق الدفاع عن النفس، وليس مواصلة تدمير القرى.
الرئيس ترامب من جهته يواصل، كما قلنا، اللعب في أجواء اللاحرب واللاسلم، فأعلن الجمعة الماضي أمام الكونغرس أنه أنهى العداوات مع إيران، بينما قواته لا تزال تحاصر الموانئ الإيرانية، وأسطوله البحري يتجول في الخليج والبحر المتوسط، وفي الواقع هو قرار لا علاقة له بالواقع الميداني، وهو قرار سياسي قانوني حتى لا يضطر الكونغرس إلى تجديد العمليات القتالية، وبذلك، لعب الورقة بشكل صحيح، فهو قلّل الاحتقان الداخلي من جهة، والتف على الكونغرس من جهة ثانية، وأبقى على قواته مستنفرة في مضيق هرمز، ما يعني أن الوضع باق على حاله في انتظار قيام إيران بتقديم مقترحات جديدة للحل يوافق عليها الجانب الأمريكي.
ويبدو أن هذه الحالة التي لا لون لها ولا طعم، ستستمر وقد تدوم لفترة طويلة، لكن تداعيات الواقع الإقليمي ستنعكس على الفريقين، لأن دولاً متضررة بشكل كبير جراء إقفال مضيق هرمز، والارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة، النفط والغاز، إضافة إلى السلع الأخرى، إلى جانب وقف مشاريع تنموية، وقد تأثرت قطاعات العقارات والمصارف والاستثمارات بشكل متباين، ولاسيّما القطاع الخاص. وفي الواقع الكل يعاني من الأزمة الحالية، بما فيها الدول التي لم تشارك في القتال، والدول التي شاركت بشكل نسبي، فالحرب لا ترحم أحداً.
يبقى الجانب النفسي الفردي والمجتمعي الذي لن يظهر ربما قبل انتهاء الحرب، لكنه قائم وموجود، فهناك إرهاق عقلي ونفسي، وهناك حالات اكتئاب، وحالات خوف ورعب. وهذا الجانب يخص الأطفال في المقام الأول، فمن السهل هذه الأيام سماع طفلٍ يتحدث في السياسة، وفي الحرب والصواريخ بشكل ببغائي، وبعضهم يحاول أن يفهم، والبعض يعبر عن غضبه فيلعن الجهة التي قادته إلى هذا الواقع (غير الطفولي) وقد يدعو عليها بالموت والدمار.
وأعتقد أن الجهات المعنية ستقوم بتوفير المحتوى والإمكانيات العلاجية والوقائية لتحسين أمزجة الأطفال، وطمأنتهم، وإعادة الفرح إلى قلوبهم، مع علمنا، نحن في دولة الإمارات، أن الدولة لم تُشعر المواطنين ولا المقيمين بأنهم في حالة حرب، وفي معظم الأيام، الحياة عادية وأكثر.
[email protected]
تطرقنا في مقالة الأسبوع الماضي إلى تحديات يواجهها وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، فنحن لا يمكننا الجزم بأن وقف إطلاق النار سيستمر، أو سيفسد، لأن الأطراف المتحاربة لا تكشف مخططاتها ونواياها، وهذا يشمل الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، أما لبنان، ككيان رسمي، فهو واضح، لأن لا أوراق لديه سوى مطالب تتعلق بوقف إطلاق النار، وتوقيع اتفاقية مع إسرائيل تؤدي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى الجنوبية، التي احتلها أو يحتلها، وعودة النازحين، على الرغم من أن نموذج غزة تم تطبيقه في بعض القرى، التي شهدت تدميراً منهجياً وتغييراً في ملامح الجغرافيا والبلدات، ولا نعلم كيف ستتعامل الحكومة اللبنانية مع الوضع الجديد. أما «حزب الله»، فيرفض المفاوضات المباشرة، كما يرفض تقديم تنازلات لإسرائيل، ويضع شرط الانسحاب من الأراضي اللبنانية كشرط للموافقة في الدخول في العملية السلمية.
إن المتابع للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لن يندهش إذا ما هدّدت أمريكا ومارست الضغوط على إيران، لكنه سيندهش لا محالة من الموقف الإيراني الذي يهدد ويصول ويجول ويطالب (العدو) بتنفيذ شروطه أولاً، (وإذا لم ينفذها بالوسائل السلمية فإن الكلمة ستكون للميدان)، وهي لغة، كما نرى، انتحارية، فيها الكثير من المغامرة، وأحياناً الرعونة، هكذا سيفهمها المحلل التقليدي، لكن لو تعمّقنا أكثر في هذا (الصمود) وهذه اللغة التي تحمل معنويات عالية، لا بدّ أن نعيدها إلى معتقد ديني في المقام الأول، وأزعم أنه لا تفسير للعناد سوى ما سأشير إليه، بخاصة البعد الديني، وبدقة أكثر ظهور المهدي، أو الخطاب المهدوي، وهو خطاب تعبوي في الفكر السياسي الإيراني له علاقة بمفهوم الانتظار وظهور المهدي، لتبرير الصمود أمام الضغوط الدولية، حيث ينظر الخطاب المهدوي إلى المقاومة كجزء من مسار تاريخي مقدّس.
ومن ناحية أخرى، يوظّف النظام الإيراني هذا البعد الديني فيقول إن أيّ تنازل في المفاوضات يُعدّ خيانة لمسار المقاومة المرتبط بالوعد الإلهي، وهذا الخطاب يجعل القيادة الإيرانية أكثر تصلباً في المفاوضات، بحيث تنظر إلى وقف إطلاق النار ليس كخطوة نحو السلام إنما كأداء تكتيكي، والأخطر من ذلك، فإن إيران، قد ترى أن القبول بالشروط، الأمريكية أو الإسرائيلية، يناقض فكرة التمهيد لظهور المهدي، وتعتقد أن الصمود هو الطريق المثالي لتحقيق النصر النهائي.
وفي هذا السياق، نخشى أن يكون استخدام الخطاب المهدوي لتبرير تأجيل أيّ تسوية سياسية، باعتبار أن الصراع جزء من معركة كبرى لا تُحسم إلا بالظهور الموعود.
وقد يكون هذا المفهوم/ الخطاب/ العقيدة المهدوية هو التحدي الأكبر للهدنة، فهل نفهم من هذا الطرح، لو صدق، أن إيران ليست معنية بالتوصل إلى معاهدة سلام؟ وهل نفهم أن مرور أكثر من ثلاثين عاماً من المفاوضات من دون تحقيق نتيجة تُذكر، له علاقة بالخطاب المهدوي؟ والسؤال الأكبر من كل ذلك، هل تدرك الولايات المتحدة خطورة هذا الخطاب، وبدأت تحتويه، وتغيّر من لهجتها؟ ألهذا تخطّط للانكفاء، أو التراجع عن أهدافها؟
في الواقع، نطرح هكذا أسئلة لأن وكالة «تاس» الروسية، نقلت عن وزارة الدفاع الأمريكية بتاريخ 22 إبريل (نيسان)، أن الولايات المتحدة تتجه إلى إعادة صياغة دورها الأمني العالمي، بحيث يتحمل الحلفاء مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات داخل مناطقهم. جاء ذلك في وثائق أساسية مرفقة بمسودة ميزانية وزارة الدفاع للسنة المالية 2027، حيث أوضحت الوزارة أن واشنطن ستعمل على «نموذج جديد للمسؤولية المشتركة» مع حلفائها، يقوم على مبدأ أن تتصدر الدول الحليفة جهود الدفاع الإقليمي، بدعم أمريكي أقل من السابق.
وبحسب الوثائق، فإن هذا التحول ينسجم مع نهج «أمريكا أولاً»، إذ تعطي الولايات المتحدة الأولوية للدفاع عن أراضيها وردع التهديدات المتصاعدة من الصين، خصوصاً ما يتعلق بالقدرات العسكرية في المحيطين، الهندي والهادئ. بحيث تهدف الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة إلى تقليص الانخراط في النزاعات الخارجية. ولا ندري إن كان ما نقله تلفزيون «آر تي»، بشأن توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رسالة إلى القادة الإيرانيين يطالب فيها بالإفراج عن ثماني نساء محتجزات في إيران، له علاقة بالليونة التي تحدّثنا عنها، أم هي حركة من الحركات الترامبية المعروفة التي قد تتلوها أحداث عظيمة.
إن ما كشفت عنه وزارة الدفاع الأمريكية له صلة وطيدة بتحديات الهدنة، خاصة بالنسبة لإسرائيل، التي لا نعلم إن كانت مشمولة بالسياسة الجديدة (أمريكا أولاً)، وقد تأخذها إسرائيل على محمل الجد، وتنتهز الوقت المتبقي، فتشن حرباً على إيران ولبنان، لتحقيق مكاسب تستخدمها على طاولة المفاوضات.
ولا ندري حقاً، إن كانت القيادة الإيرانية السياسية تفكر وفق القناعة المهدوية، لأن ما نعرفه، فإن التفكير السياسي يختلف عن الديني، لكن هذا، كما يبدو، لن يحدث في إيران، وكذلك الأمر لدى حزب الله في لبنان، الذي قد لا تعنيه مساعي الحكومة ويستمر في الحرب، ربما تمهيداً لظهور المهدي.
[email protected]
الأحداث الفجائية هي المقلقة، هي المدهشة الحاملة للصدمة المثيرة للأسئلة، وكونها تفعل ذلك، لا تعني أنها أقرب إلى المؤامرة أو الكذبة أو عدم التصديق.
نحن نفهم اندلاع الحروب فجأة، لأن لها ما يسبقها من توترات في العلاقات تنعكس في التصريحات الإعلامية والمواقف، على سبيل المثال، كان من المتوقع أن تشن إسرائيل حرباً على إيران، أو توجّه ضربة عسكرية كبيرة لتعطيل المفاعلات النووية أو تعوق عملها، أو إضعاف ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي اشتكت منها إسرائيل ووضعتها بنداً رئيسياً في المفاوضات مع أمريكا. ونستطيع أن نفهم أيضاً أن تقوم إسرائيل، بعد نشوب الحرب مع إيران، بتوجيه ضربة استباقية لحزب الله أو الحوثيين، لكننا لم نتوقّع صبر إسرائيل حتى قام حزب الله بإطلاق صواريخ على المستوطنات الشمالية.
وفي الحقيقة، لم تكن إسرائيل صامتة كلياً، إذ على مدى عام ونصف العام، على إثر وقف إطلاق النار في عام 2024، كانت إسرائيل تنفذ ضربات ضد قيادات وعناصر من حزب الله وحركة حماس في لبنان، حتى يقال إنه سقط نحو 600 ضحية خلال الفترة التي تلت وقف إطلاق النار، وآلاف الجرحى. في النهاية اندلعت المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، وكانت مواجهة شرسة للغاية.
قلنا، نتوقع اندلاع الحروب للأسباب المذكورة، والمنطق يقول إن علينا أن نتوقع وقف إطلاق النار بالطريقة ذاتها، لكن ما حدث هذه المرة، على الجبهة الأمريكية -الإسرائيلية- الإيرانية، والجبهة الإسرائيلية -اللبنانية، فاق كل التوقعات، وترك المحللين والمتابعين والناس العاديين في حالة اندهاش.
صحيح أن المدافع كانت تعمل والقنوات الدبلوماسية كانت تعمل بالتوازي، إلا أن الأمر حدث بسرعة كبيرة، كأن تدلق برميل ماء بارد فجأة على نار مشتعلة، وفجأة تتحول هذه النار إلى رماد قد ينبت منها العشب. فجأة تم الإعلان عن وقف إطلاق نار بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة، ثم حدث وقف إطلاق نار مفاجئ بين إسرائيل من جهة وحزب الله في لبنان من جهة ثانية،
مفاجأة تجعلنا نشعر أحياناً بالغباء السياسي، أو بسذاجة التفكير الاستراتيجي، أو تجعلنا نضحك كثيراً على الأخبار وحرارة وسائل الإعلام وحماسة المراسلين، المشهد يشبه تماماً رجلاً كان يصرخ لمدة طويلة ويطلق الشتائم وعبارات التهديد والوعيد ثم يصمت فجأة. هنالك أمر غير طبيعي.. وما يجعله كذلك هو طبيعة الأهداف الموضوعة لكل حرب، فإذا الحرب تنتهي من دون تحقيق الأهداف مع الإعلان أن المفاوضات ستحقّق الأهداف كافّة.. ولن نكرر مجموعة الأهداف التي كان يطلقها كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكيف أنها تحوّلت في طبيعتها وشكلها وحدّتها وربما تبدّلت.
نتمنى، قبل كل شيء، أن يدوم وقف إطلاق النار على الجبهتين ويؤدي إلى اتفاقية سلام دائمة، لكن الأمنيات شيء والواقع شيء آخر، وهذا يعني وجود تحديات، ولن أقول عراقيل، ليس لوقف إطلاق النار، لكن للعملية السلمية برمتها، وهذه التحديات تشبه قريناتها في العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين، لأن المعاهدات ركّزت على القشور وتجاهلت الجوهر، والجوهر في نظري هو العقلية وما تقوم عليه من مبادئ وقناعات وعقائد. والأمر ذاته يحدث في العملية السلمية، إن كان بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أو بين إسرائيل وحزب الله.
إن ما يتسرّب في وسائل الإعلام عن قرب التوصل إلى اتفاقية بين الولايات المتحدة وإيران، يركز على فتح مضيق هرمز والمفاعلات النووية الإيرانية، وقد تؤكد إسرائيل على أمريكا ضمان عدم دعم إيران لأذرعها العسكرية في اليمن ولبنان والعراق، وحسب رأيي المتواضع، فإن هذه البنود شكلية أكثر منها جوهرية ولا تضع حداً لسلام دائم.
فعقيدة إيران الإثني عشرية وموقفها من إسرائيل، وطموحها التاريخي في الخليج والمنطقة، والمبادئ الخمينية في تصدير الثورة، كل ذلك يجتمع في النظام، وطالما أن النظام موجود، فإن السلام سيكون هشاً لأن البعد الروحاني يتغلّب على البعد السياسي، أما في الجانب السياسي، فإن إيران خرجت من الحرب بدعم روسي صيني، ما يجعلها حليفة لهما، وعليها سداد الدين بطريقة أو بأخرى، وهذه البنود لم تتطرق إليها المفاوضات.
وفيما يتعلق بالمحور اللبناني الإسرائيلي، فما ينطبق على إيران ينطبق على حزب الله، لأن الأخير تابع للأول، وهناك من يعتقد أن حزب الله تلقى أوامر من إيران لفتح جبهة الجنوب اللبناني. وبغض النظر عن هذا الأمر، هناك تحديات أمام رئيس الجمهورية نفسه، يتعلق بالدستور، حيث يجرّم الدستور اللبناني التطبيع مع إسرائيل، لذلك، يحتاج الأمر إلى تشريع جديد، يمر بمجلس النواب، وهنا: سيحتدم الصراع الحقيقي بين مع وضد، بين الوطنية والتخوين. والتحدّي الثاني يقع على الحكومة نفسها حين تُقدم على تجريد حزب الله من سلاحه، والجميع يعرف تواضع قوة الجيش اللبناني.
ما سَيَلي، عبارة عن تأمّلات وتداعيات وعصف أفكار، وقد يكون لعبة ذهنية، وأعني ما يتعلّق بالحرب التي شهدناها، فأنا، لست على ثقة من أن وقف إطلاق النار سيدوم، أو أن الحرب قادمة لا محالة، ولن أخاطر أبداً في رسم صورة مشرقة للمنطقة أو للمشهد، كما أنني لن أرسم صورة تشاؤمية، فمن جعل الحرب تتوقف خلال لحظات، يجعلها تشتعل خلال ثوان. وقولي هذا يأخذ في الاعتبار، إدراك أن الحرب لم تتوقف من تلقاء نفسها، وإنما نتيجة وساطات كبيرة بين الأطراف المتحاربة، وأن الحرب ذاتها، لن تندلع فجأة، ولكن ستمر بمخاض سهل أو عسير، وفي النهاية ستندلع.
إن ما يجعلني أفكّر بهذه الطريقة نقطتان، الأولى أن الإعلام كان ينقل ما يقوله العسكريون، وقولهم لم يكن صادقاً أو حقيقياً، والثاني، أن السياسيين لم يكونوا صادقين في تصريحاتهم، وهم قبل غيرهم، أن ما حدث لا يمكن أن يحدث إلاّ في الأفلام الهوليودية أو البوليودية. صحيح أن البعض كان يشعر، فقط، أن الرئيس الأمريكي لن ينفذ تهديده بإزالة الحضارة الإيرانية من الوجود، لكن البعض الآخر كان أكثر واقعية، وكان يظن أنه، أي الرئيس دونالد ترامب، قد يأمر بتوجيه ضربة قاسية، ولكنها لن تمحو الحضارة الفارسية.
على كل حال، اندلعت الحرب أو توقفت المفاوضات، مع صدور هذا العدد، لن يكون ضمن أهدافنا، كي نبرهنها أو ننفيها، إلا أنني أستطيع القول إن الحرب الإيرانية لن تتوقّف، نظراً لتصادم الحضارتين، وبدقة أكثر، لتصادم العقليتين، وإذا أردنا التوضيح والمباشرة نقول: إن نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي، والذي يؤمن بالحرية الشخصية، ومنها حرية العقيدة، وحرية التديّن، وحرية المرأة، والذي يعتقد أنه أقوى دولة في العالم، لا يستطيع الانسجام والتأقلم مع نظام ديني، يؤمن بالأئمة، والثورة، وربما يؤمن باستعادة الماضي السحيق، أي يحلم بالإمبراطورية، وقد ورد هذا على لسان أحد المؤيدين للنظام الإيراني حين قال، إن دولة عمرها 270 سنة لا تستطيع أن تهزم دولة عمرها ستة آلاف سنة.
هو صراع حضاري تاريخي عقائدي كما يبدو من التصريحات والسرديات والخطابات الإعلامية، لأنه في المقابل، قال أحد المحسوبين على النظام الأمريكي إن الحرب هي بين المؤمنين والكفّار. وهكذا، أصبح المشهد معقّداً للرائي الذي يركز على القشور، لأن هناك رأياً ثالثاً يقول إن العقليتين، الليبرالية والخمينية، يمكنهما التعايش إذا تحدّثا بلغة المصالح، وإذا قدّما تنازلات في سبيل الهدف العام. فهناك من يعتقد أن نظام الملالي في إيران، قصد أو لم يقصد، فإنه يعمل من أجل المصلحة الأمريكية، وذلك لأنه السبب في زيادة أرباح الولايات المتحدة من تجارة السلاح، كما يعتقد أن النظام الأمريكي يعمل على تقوية النظام الإيراني، ويريده قوياً، في المشهد العام، لأنه يخدم المصالح الأمريكية، مباشرة أو غير مباشرة. ويبالغون في الاستنتاج بأن الولايات المتحدة تفضّل التعامل مع دولة قوية.
وفي كل الأحوال، سيبقى التنافس قائماً بين البلدين، أو سيبقى الصراع وعدم الاطمئنان سيد الموقف، من الآن فصاعداً، لأن الولايات المتحدة أدركت مدى الدعم الذي قدمته روسيا والصين لإيران، وبذلك، تكون إيران قد انضمت إلى (العدو) الأزلي للولايات المتحدة.
هناك طرح آخر غير مريح للمحلّل ويتعلق بالعلاقة الصدامية بين إيران وإسرائيل، إذ سيبقى المشهد ساخناً، طالما أن هناك حالة لا سلم ولا حرب بين الطرفين، ورسم المشهد يعتمد على ما ستفرزه الأيام القادمة، هل ستجمع طاولة المفاوضات كلا الطرفين، ويمكننا وضع جملة اعتراضية (ماذا ستفعل بيوم القدس العالمي، وتأييدها للحق الفلسطيني..وغيره).
وسنعود إلى سياقنا، بل ماذا سيفعل حزب الله في لبنان الذي يرفض المصالحة مع إسرائيل (حتى الآن). رغم أن البعض يقول إن حزب الله تفاوض أكثر من مرة مع إسرائيل، وإن بشكل غير مباشر، خاصة عندما تم تقسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. والبعض الآخر يذهب أبعد من ذلك فيقول إن حزب الله، لا مشكلة لديه مع إسرائيل، إذا انسحبت من الأراضي اللبنانية التي تحتلها مثل مزارع شبعا في الجنوب، وهناك اتجاه آخر يقول إن إسرائيل لديها أطماع في مياه نهر الليطاني، لأنها تعاني أزمة مياه خانقة على المدى الطويل، ما يجعل الصراع مستداماً، إلاّ في ضوء ترتيبات أخرى.
ورغم كل الآراء المتفائلة أو المتشائمة، ستبقى دول الخليج تعيش قلقاً أمنياً إذا ما واصلت إيران مشروعها وخطابها التوسّعي، وهذا يعتمد على حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، فمثلما اشترطت إيران أن يكون حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين ضمن الاتفاق، على الولايات المتحدة أن تشترط أن يكون أمن دول الخليج، والتعهّد بعدم الاعتداء عليها، ضمن أي اتفاق مقترح. لكن الخشية أن تتفاوض أمريكا حول اليورانيوم الإيراني وتترك باقي القضايا عالقة، لغرض في نفس يعقوب.
[email protected]
لا شك أن القلق يسيطر على كل الناس في كل أنحاء العالم نتيجة تداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية -الإيرانية، هو ذلك القلق الفردي الذي يتركز على توفير الحاجات اليومية الضرورية التي يعتبرها البعض بسيطة، إلا أنها ليست كذلك، بل تصل إلى مرتبة الحاجات المصيرية، إذ لم تعد الكهرباء والبنزين والغاز، وتكنولوجيا الاتصال أيضاً، حاجات بسيطة، لأنها أصبحت حاجة ضرورية، لكن، وضمن الأولويات التي تُبقي الإنسان على قيد الحياة، يأتي الماء والطعام، وفي هذه الحالة، تهدد الحرب الإنسان في أماكن كثيرة بحرمانه من الماء والطعام. وفي هذه الحالة تتراجع أمور أخرى مثل التعليم والصحة والبيئة النظيفة والتطور والتنمية، مقابل توفير ما يبقي الإنسان على قيد الحياة.
هذه أحاسيس الإنسان العادي وهواجسه، وأزعم أنها ليست هواجس قادة الحروب الذين لا يفكرون إلا في انتصاراتهم وصورتهم أمام الشعب والتاريخ، ويمكن مقارنة المشهد بأمهات يذهب أبناؤهن إلى المعركة، حيث القلق والبكاء والتفكير المستمر، وبين القائد العسكري الذي ينظر إلى الجنود كأرقام يحققون له سمعته ومكانته، حتى أن القائد يستولي على لحظة الانتصار بينما الجنود الذين حققوا الانتصار يبقون في الظل. إنها لغة الحرب. وتنطبق على كل الحروب السابقة والمعاصرة.
ينبع القلق، وهو قلق حديث، لم يكن في العصور البدائية، من إقفال الممرات المائية العالمية، كمضيق هرمز على سبيل المثال، فيبدأ الإنسان بالتفكير في الطاقة، وتقول الأرقام إن 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات تمر يومياً عبر مضيق هرمز، أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي. كما أن المضيق ممر لنحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وتُقدّر القيمة السنوية لتجارة الطاقة عبر المضيق بنحو 600 مليار دولار.
أما بالنسبة للمواد الغذائية والأسمدة، فتشير التقديرات إلى أن نحو 30 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية تعبر سنوياً عبر المضيق، إضافة إلى ثلث تجارة الأسمدة العالمية، ما يهدد الأمن الغذائي، ويؤدي إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، ويشمل المعدات الطبية والأدوية، ويؤثر على المخزون، وأكدت بعض النقابات الطبية في المنطقة، مثل لبنان، أن المخزون يكفي لثلاثة أشهر فقط في ظل الأزمة.
ولو واصلنا ذكر الأرقام لشعرنا بالأزمة تقترب من نحورنا كبشر ومستهلكين. وأنا هنا، لا أثير الرعب بين الناس. وحتى أتحدث عن بلدي الإمارات وأطمئن الناس، أقول إن الإمارات أصدرت قانوناً اتحادياً لسنة 2020 لتنظيم المخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية، ويلزم القانون الجهات المختصة بمتابعة وتخزين المواد الأساسية مثل الحبوب والأرز والسكر والزيوت، بهدف ضمان توافر الغذاء حتى في حالات الأزمات أو الحروب. وأنشأت دولة الإمارات مخزوناً استراتيجياً من الأدوية بجميع أنواعها، بما يشمل الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ويُعتبر هذا المخزون خط الدفاع الأول ضد أي نقص محتمل في السوق.
وقد أثبتت المنظومة فاعليتها خلال الأزمات الأخيرة في المنطقة، حيث استمرت الإمدادات دون انقطاع. ووفقاً للأرقام الحديثة حتى شهر إبريل/ نيسان 2026، حيث أكد المسؤولون أن المخزون الاستراتيجي من الحبوب والأدوية في وضع آمن وكاف، وقام المراقبون ب568 جولة تفتيشية منذ بداية العام، لضمان تغطية السوق لفترات طويلة، وخلال شهر مارس/ آذار 2026 وحده تمت 86 جولة تفتيشية، مرتبطة بأنظمة رقمية لتحليل المخاطر وضمان الاستقرار، ويدرك المواطنون والمقيمون حقيقة هذه المعلومات، ولهذا لا يشعرون بأي أزمة، ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، لكنني أتحدث عن مناطق أخرى اعتادت على تدفق البضائع والنفط والغاز والمواد الغذائية ولم تحسب يوماً أن مضيق هرمز سيتعرّض للإقفال.
وفي الواقع إن إيران، حين تقدم على إقفاله فإنها تعارض القوانين العالمية، فوفق القانون الدولي، لا يجوز لأي دولة إغلاق مضيق هرمز أو أي مضيق دولي بشكل كامل، إذ تضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 حق «المرور العابر» لجميع السفن والطائرات، حتى في أوقات النزاعات المسلحة. وأي محاولة لإغلاق المضيق تُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للأمن والسلم العالمي، وتنص الاتفاقية على أنه لا يجوز تعطيله أو تقييده حتى في أوقات التوتر أو النزاعات، وإغلاق المضيق يُعتبر عملاً عدائياً قد يرقى إلى مستوى «إعلان حرب اقتصادية» ضد المجتمع الدولي، والإغلاق يُعرّض الدولة المسؤولة لعقوبات دولية وربما تدخل عسكري لحماية حرية الملاحة.
العالم كلّه متضرّر من إقفال مضيق هرمز حتى إيران يمكن أن تتضرّر، إذ لن تتمكن من تصدير جزء من نفطها، وسترتفع أسعار التأمين والنقل الداخلي، وستتراجع الاستثمارات الأجنبية، وستدفع الدول للبحث عن بديل للنفط الإيراني، إضافة إلى إمكانية تعرضها لحرب قاسية من تحالف دولي متضرر، سيقدم على فتح هذا الشريان العالمي بالقوة العسكرية.
نعتقد أن إيران تعلم هذا، لكنها تراهن على ردة فعل الدول المتضررة لتضغط باتجاه إنهاء الحرب وتحسين شروط التفاوض، لأن إيران في النهاية ستجلس إلى طاولة المفاوضات وإن طالت الحرب، والمتضرر الوحيد هم الناس العاديون.
[email protected]
عبدالله السويجي
في أثناء الحروب، تكثر الشائعات والأخبار المضلّلة والأكاذيب، وتنكشف النفوس الضعيفة والحاقدة والكارهة، ويجدها البعض فرصة للتشفّي والشماتة، حتى في حالة الأداء الرائع للدولة في مواجهة الحرب، هناك فئة من الناس تكشف عن وجهها البشع، هذا الكلام عام ولا يخص أي مجتمع.
وفي حالة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تمارس الآن حقّها في الدفاع عن النفس في مواجهة العدوان الإيراني، فإن مجتمعها، ولله الحمد، حافظ على تماسكه وتآزره، والتف حول قيادته، ونحن هنا نتحدث عن المواطنين والمقيمين، حيث أظهر الجميع حساً عالياً بالمسؤولية وحب الإمارات.
وفي الحروب، يتّسم دور المثقف بالأهمّية القصوى، فهو صمّام أمان الجبهة الداخلية، تقع على عاتقه كشف الحقيقة والوقوف في وجه التضليل، فيفرّق بين الخبر والدعاية المغرضة، وينتظر ليستوعب الخطاب الرسمي ويتماهى معه تعزيزاً للوعي المجتمعي الداخلي، ويكتب خطاباً يساعد الآخرين على اتخاذ مواقف واعية، عن طريق إنتاج معرفة تساعد على فهم ما يجري، إذ ليس من المفترض أن يكون لكل الناس قدرة على التحليل، أو الاهتمام بالسياسة.
وعلى المثقّف ألا يكون حيادياً ويترك كل شيء للدولة، إذ عليه رصد وتوثيق التجارب الإنسانية، وإذا كان مبدعاً، شاعراً أو قاصاً أو كاتب خواطر أو فنّاناً تشكيلياً، عليه أن يكتب أو يرسم ذلك في يوميات ترصد الوجه المشرق للسلوكيات والأحداث في الجبهة الداخلية، وهو في ذلك يعزز ملامح الهوية الوطنية، ويسهم في كتابة التاريخ، بطريقة أو بأخرى. أما إذا كان إعلامياً، وهذه الشريحة تُصنّف ضمن المثقفين، فتكون مسؤوليته أكبر وأدقّ وأكثر حساسية، فهو المسموع والمقروء والمُشاهد، وهو الذي يكتسب كلامه، عند أناس كثيرين، مصداقية عالية، وهنا تكمن خطورة الإعلامي.
نقول هذا الكلام في زمن ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصال، ولو دخلنا إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي، سنجد هناك حرباً أخرى تدور بين الجهات المتحاربة على الأرض، وبين الآراء المختلفة، وبين أصحاب الشأن والمغرضين، والبعض يفتعل مشاكل وأخباراً وشائعات ويحاول تسويقها على أنها حقيقية. فكيف إذا كنا نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يكتب التحليلات ويصمم الصور وفق الأوامر، ويعطيك مادة دسمة توافق توجهاتك، من هنا يجب الحرص الزائد والانتباه والحذر، بحيث لا تنطلي على الجبهة الداخلية الأكاذيب.
ما أود قوله لا يختلف كثيراً عمّا سبق، وهو في السياق ذاته ولكن من منظور مختلف، وهذه المرة سأوجه كلامي للمثقفين في الإمارات، ومنهم الشعراء والكتاب والأكاديميون، وهذه الفئة، كما أسلفت، هي المسؤولة عن الجبهة الداخلية، لذلك، عليها أن تكون حكيمة في حواراتها في وسائل التواصل الاجتماعي، وعليها أن تكون جادة ودقيقة في منشوراتها، وتدرسها بعناية، من حيث اللغة والمحتوى والتوجّه، وتبتعد عن التعميم وهي تخاطب الآخر، فلا يجوز أن يستخدم أحدهم كلمة (العرب) وهو يوجه تهمة أو يفنّد قولاً أو يدافع عن فكرة، ويبتعد عن كلمة (الجهل)، وهو يصف الآخرين غير العارفين، وألا يستخدم رمزاً واضحاً جداً بحيث يُعرف المقصود، أي الابتعاد عن استخدام لهجة معينة وهو يتهكّم على الآخرين، والابتعاد عن الاستهزاء بشعب بأكمله.
لقد لاحظت في الأيام الماضية وقرأت منشورات لم تكن في المستوى المطلوب، ما جلب الاستهزاء لصاحبها أو صاحبتها، ولا تتفق مع القيمة العلمية والأكاديمية والأدبية التي يحملها صاحبها، لأن هذه المنشورات تتحدث في القشور وليس الجوهر، وبلغة سطحية.
إننا في دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربي، ننتمي إلى العروبة، ولا يصح أن يتنطّح أحد فيقول إننا يجب أن نراجع انتماءنا، وباختصار، وفي هذا المقام، لا أدري كيف لمثقف يريد مراجعة انتمائه بسبب أفراد أو شريحة اختلفت معه في الموقف أو الرأي أو حتى ناصبته العداء، كأن يغادر أحدهم الإسلام لأنه اصطدم بآخر مسلم لم يتقيّد بالأخلاقيات، فالمبدأ أكبر من الأفراد، والانتماء العام هو الذي يبقى.
إن كنت في حرب، أو تتعرّض لعدوان، لا تطالب الآخرين بالوقوف إلى جانبك، دعهم يقرّرون بأنفسهم، ويتّخذون الموقف الذي يريدون، فإن أيّدوك، سيفعلون ذلك بقناعة ومحبة، وإن خالفوك فلا تدخل معهم في حوار لن يجدي نفعاً. أما إذا طالبت الآخرين في الوقوف مع قضيّتك، عليك أن تختار اللغة المناسبة، ولا تستخدم اللغة التي تمنّ فيها عليه لأنك وقفت إلى جانبه في الموقف الفلاني أو العلاني، ولا تذكر له مساعدتك له، لأن الإنسان الأصيل سيتخذ الموقف الذي ينمّ عن أخلاق عالية، أما الآخر، فلا تحتاج إليه، وقد قال الشاعر: وإن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّداً.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة، وصلت إلى مرحلة حققت فيها اكتفاءً ذاتياً في ميادين كثيرة، وهذا لا يعني أنها لم تعد في حاجة للآخرين، لا يوجد دولة إلا وتبحث عن الكفاءات وأصحاب الخبرة، فتفيد وتستفيد.
لقد اعتاد العالم كرم الإنسان الإماراتي، فلنستمر بكرم أخلاقنا وعطائنا قبل كل شيء.
[email protected]