صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالله السويجي
إعلامي
أحدث مقالات عبدالله السويجي
22 يونيو 2026
إسرائيل.. عقدة الانسحاب

بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية والبدء في مفاوضات ستستمر ستين يوماً، إذا لم تحدث انتكاسات ومفاجآت سلبية، بعد التوقيع تتجه الأنظار إلى لبنان، وفي الواقع هو تركيز على اختبار قناعة إيران وتمسكها بشمولية الاتفاق لا سيّما إنهاء الحرب على كل الجبهات. ويتفاءل البعض فيتحدث عن الانسحاب الفوري إلى الحدود الدولية أو على الأقل، إلى الخط الأصفر. أما المتفائل الأكبر فهو إيران التي تشترط الانسحاب الشامل من لبنان للمضي في الاتفاق مع الولايات المتحدة.

وتذهب الحكومة اللبنانية إلى أبعد مدى، فيما يشبه الطرح السريالي، والحديث عن الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، والإفراج عن الأسرى وعودة النازحين والبدء في إعادة الإعمار، وتطرح هذا في المفاوضات التي ستستمر قريباً في واشنطن. ويتماهى حزب الله مع موقف الحكومة اللبنانية فيشترط الانسحاب من الجنوب اللبناني، لأن -كما يعتقد- أي احتلال للأراضي اللبناني سيشرعن المقاومة.

إسرائيل في الجانب الآخر، وعلى لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، لن تكون معنيّة بإنهاء الحرب على كل الجبهات، وبالتالي لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها، وستطلب إقامة منطقة منزوعة السلاح كي توفر الأمن لمستوطني الشمال، وطلبت من جيشها البقاء في الجنوب اللبناني.

الانسحاب مفردة تشكل عقدة لإسرائيل، مفردة مكروهة، فهي، وإن قبلتها على مضض فإنها ستلغيها حين تتوفر الظروف المناسبة، أو تخلق الظروف التي تؤدي إلى العودة إلى المناطق التي انسحبت منها.

لقد انسحبت إسرائيل من الضفة الغربية وعادت إليها وتسيطر على 80% من المساحة المفترض أن تكون تحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية. وانسحبت من قطاع غزة، ثم عادت فحاصرته لسنوات طويلة، ثم انقضت عليه واستعادت معظم الأراضي التي انسحبت منها، بحجة محاربة (الإرهابيين) وتوفير الأمن لسكان مستوطنات الجنوب. أما بالنسبة للأراضي الأخرى مثل مرتفعات الجولان فقد ضمتها إليها، وكذلك صحراء سيناء، التي انسحبت منها بشروط.

فكرة الانسحاب لدى القيادة الإسرائيلية هي فكرة تشكل عقدة سياسية ومعنوية وإستراتيجية، فهي توحي بالهزيمة والتراجع والرضوخ للأمر الواقع ورغبات الغير، وقد ندمت كثيراً على قرارات الانسحاب التي نفذتها سابقاً لا سيّما في عام 2000 بعد احتلال دام أكثر من عشرين سنة، حين اتخذ إيهود باراك قراراً من جانب واحدة بالانسحاب لأسباب عديدة منها أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد يتقبّل الخسائر البشرية التي كان يتكبّدها الجيش في لبنان.

قرار الانسحاب الآن يرتبط بعوامل عسكرية وسياسية معقّدة، يرتبط بالسياسة الداخلية والخارجية، وهناك عوامل تؤثر على قرار الانسحاب منها ما يتعلق بالوضع الميداني، فالانسحاب في ظل العمليات العسكرية لحزب الله سيبدو وكأنه هزيمة شنيعة، لهذا تحاول إسرائيل أن تتجنّبه. إضافة إلى ذلك، هنالك الخلافات الداخلية والانقسام السياسي، وهذا يضعف قدرة الحكومة على اتخاذ قرار إستراتيجي واحد. ونشير أيضاً إلى ضغط الولايات المتحدة وأوروبا لمنع توسيع الحرب. وأخيراً، هناك ذاكرة مؤلمة بشأن الانسحاب، خاصة في عام 2000، البعض لا يزال ينظر إليه كقرار مؤلم، وتكراره قد يكون أشد إيلاماً لا سيما أنه سيأتي على وقع ضربات حزب الله، إلا إذا توصّل الطرفان إلى صيغة سياسية وأمنية ضمنت (كبرياء) الطرفين.

إن بقاء إسرائيل في لبنان لن يكون إلى ما لا نهاية، وبالتالي لا بد من وضع مسألة الانسحاب في الحسبان، في شكله المؤلم أم السلس، وأصبح هذا الواقع ملحاً بعد توقيع الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، لكن إسرائيل لن تنسحب بهذه السهولة وستتردّد كثيراً قبل الإقدام على هذه الخطوة، وقد تلجأ إلى إعادة تموضع جزئي أو انسحاب محدود في الفترة المقبلة، ولن يحدث انسحاب شامل كما حدث في عام 2000، على أقرب تقدير. وكل ما ستفعله هو الاستجابة للضغوط الدولية، وقد تطرح حل البقاء المؤقت، وهو ما يناسبها معنوياً وأمنياً.

كل ذلك كان مقاربات موضوعية نتيجة لقراءة التاريخ والوضع السياسي الحالي والمزاج العالمي، أما إذا اقتربنا أكثر من الواقع، ودخلنا إلى العقلية الإسرائيلية الأمنية، فإننا سنتوصّل إلى فرضية أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان في المدى المنظور، وستبقى تماطل وتؤخر إلى حين ظهور واقع آخر يتعلق بقدرات حزب الله أو تحوّله إلى حزب سياسي أو الاندماج في الجيش اللبناني.

أما على الصعيد الداخلي، فهناك استحقاقات أخرى، فلو انسحب نتنياهو الآن من جنوب لبنان، سيُتّهم بالخيانة العظمى والهزيمة الشنيعة، وأنه فرّط في أرواح جنوده من أجل سياسة غير واضحة وأهداف لم تتحقّق، وسيثور في وجهه سكان المستوطنات الذين يزعم نتنياهو أنه يحارب من أجل أمنهم وسلامتهم. وستجدها المعارضة الداخلية فرصة للانقضاض عليه وربما محاكمته، ونتيجة لذلك، لن يكون الانسحاب قريباً، لكنه لن يكون مستحيلاً، وستشجع الولايات المتحدة حليفتها إسرائيل على اقتناص فرصة تحقيق السلام مع دولة عربية جديدة.

[email protected]

15 يونيو 2026
الذكاء الاصطناعي و«شات جي بي تي»

لا شك في أن حياتنا أصبحت أسهل وإنجازاتنا لمعاملاتنا صارت أسرع بفضل التطور التكنولوجي والتقني، ليس هذا فقط، فقد لعبت ثورة الاتصال والتواصل في تقريب ثقافات الشعوب من بعضها، حتى أصبحنا نعيش في ما يطلق عليه (القرية الصغيرة).

ورغم هذا التقارب لا تزال وسائل التواصل الاجتماعي، وهي من مخرجات التكنولوجيا الحديثة، وخاصة تكنولوجيا الاتصال والشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت)، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استخدامها، تدافع عن نفسها أمام الاتهامات التي تُوجه إليها بالجملة من المحافظين والمتطرفين وغيرهم، بل ويحملونها مسؤولية الفساد وانتشار الرذيلة، وأنواع السلوكيات القبيحة كافة، بينما هي لم تُصنع من أجل ذلك لأن شريحة من البشر هي التي حوّلتها إلى واحات للفساد. وعلى سبيل المثال فإن مارك زوكربيرغ، صاحب منصة «فيسبوك»، كان قد اختارها ليجمع خريجي الجامعات والمدارس، لكن الناس حوّلوها إلى مكان للتعارف والتجارة ونشر الصور العارية والابتزاز. ويمكننا القول باختصار إن وسائل التواصل بريئة من كل الاتهامات، والمتهم الأول والأخير هو الإنسان المستخدم لها.

ولم يكد الجدل يستقر ويبرد بشأن وسائل التواصل الاجتماعي حتى ظهرت لنا منصات دردشة أكثر تقدّماً، بل هي فائقة السرعة، وحلّت محل كل محركات البحث بجودة أعلى ومنطق متقدّم ألا وهي الذكاء الاصطناعي وchat gpt. وعلينا أن نتدارك أمراً قبل الوقوع في الخطأ، ونقول إن الذكاء الاصطناعي هو تقدّم آخر وفتح جديد للعصر التقني والتكنولوجي، وحين نتحدث عنه فإننا لا نعني تلك التقنيات والبرامج الحديثة جداً التي تستخدمها الحكومات والمؤسسات، ما أدى إلى تسريع إنجاز الخدمات، وهذا الذكاء الاصطناعي يُستخدم على نطاق واسع هذه الأيام، ابتداء من قيادة الطائرات وصولاً إلى تأليف القصائد، ولكننا نتحدث عن محركات البحث والدردشة مثل chat gpt التي حلّت محل غوغل، واستطاعت ببرمجتها الخارقة أن تحل محل المهندس والفنان وطالب الجامعة والشاعر والباحث والمصمّم وغيرهم.

إن الاتهامات التي تُوجّه لهذه المحركات تبدأ من الصداقة وتنتهي بالمؤامرة، أي أن (تشات جي بي تي) يراقبك ويتجسس عليك وينقل أخبارك (للأعداء)، ويسعى إلى التحكّم فيك والسيطرة عليك. ويقدّم البعض أدلة وبراهين على ذلك. وقد كان سبباً في خلق المشاكل بين أفراد الأسرة، ناهيك عن المشاكل في النظام التعليمي والبحثي والفني. لهذا تطالب جهات أوروبية بوقف تطوير هذا الذكاء الاصطناعي.

ومرة أخرى، إن الإنسان يُقبل على هذه البرامج بإرادته وكامل وعيه، ويخطط لاستغلالها أبشع استغلال، إلى درجة يسمح لنفسه بالغش التعليمي والبحثي والوظيفي والإبداعي، فهذا الذكاء يستطيع أن ينجز لك بحثاً أو مقالة اجتماعية أو سياسية أو حتى علمية خلال زمن قياسي. أي أنه لم يعتدِ عليك ولم يتجسس، لأنك أنت من تزوده بمعلوماتك الخاصة.

ولا يخفى على أحد أن كتّاباً كثيرين وإعلاميين باتوا يستخدمون هذه المنصات بغزارة، ولا أستبعد منهم المحللين السياسيين أيضاً وربما كتاب المقالات السياسية، وقد قرأت أن أحدهم كتب ثلاثين رواية خلال عامين ونشرها، ولاقت إقبالاً كبيراً من القراء، لكنه اعترف بعد ذلك بالمؤلف الحقيقي لتلك الروايات.

إن السيطرة وتقنين استخدام هذه المنصات أو ترشيدها في غاية الصعوبة، وقد حاولت حكومات كثيرة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي وفشلت. نعم تستطيع مراقبتها، ولكنها لا تتمكن من السيطرة عليها، لأنها تصطدم بقوانين حرية التعبير والآراء الشخصية، والمساحات الافتراضية الخاصة أو الشخصية، وبالتالي، يبقى الوضع كما هو عليه، بل ولجأت الحكومات إلى استخدامات منصات التواصل الاجتماعي من خلال الجيوش الإلكترونية للتأثير في قضية معيّنة أو الدفاع عنها، بل يقال إن جهة سياسية تقوم بتدريب وتأهيل أشخاص في مجال الدين، ليفتعلوا الحوارات ويثيروا الضغائن والحساسيات الطائفية، وزرع التفرقة في المجتمع.

تبقى المسألة منوطة بالأخلاقيات والالتزامات والإخلاص والصدق مع الذات، في استخدام منصات الذكاء الاصطناعي، فمن يريد الغش، سيرتكبه في حياته كلها، وليس في بحث مدرسي أو جامعي. أما في ما يتعلق بتأثيره في العلاقات الأسرية سلباً، فهذا تتم معالجته كما تُعالج أي قضية أخرى، عن طريق الحوار الهادئ والنقاش البنّاء للوصول إلى أرضية مشتركة. ولو جاز لي أن أعطي رأيي في المحصلة، أنا لا أجد حرجاً من الحديث مع الذكاء الاصطناعي ومناقشته والدخول في جدال معه، لأنني أعلم، ولو بشكل مبسّط، كيف تمت برمجته وتغذيته بالمعلومات، وكيف يستطيع معالجة آلاف البيانات خلال لحظات. لهذا أرى أنني أمام مجموعة من الشخصيات وليس شخصاً واحداً، وقد أطرح عليه قضية سياسية وأطلع على رأيه، وبالمناسبة هو يقدم آراء عديدة وليس رأياً واحداً.

الذكاء الاصطناعي شأنه شأن أي تقنية أخرى، يجب استخدامه بذكاء وموضوعية، وهناك متعة حقيقية في مناقشته، إلى درجة تشعر أنك أمام إنسان حقيقي، له مشاعر، والجميل أنه يذكّرك دائماً أنه لا عواطف له.

[email protected]

1 يونيو 2026
التعافي والوطن

تسنى لي خلال عطلة عيد الأضحى المبارك زيارة أكثر من مدينة في دولتنا الحبيبة، وكان من الطبيعي زيارة مراكز التسوّق التي لم تعد مكاناً للتبضّع وشراء المستلزمات، بل مكاناً ثقافياً وترفيهياً، وواحة لإظهار المشاعر الاجتماعية والوطنية النبيلة. وسرّني أن أرى تلك الأمكنة مزدحمة بأبناء وطني على وجه الخصوص وأبناء الجاليات المقيمة في دولتنا الحبيبة الإمارات العربية المتحدة، وحين نفاضل فإن المعنى الذي نقصده لن يكون إلا إيجابياً، إذ سررت لوجود الأعداد الغفيرة من الإماراتيين، ولهم ما يميزهم رجالاً ونساءً، وهو مشهد بالنسبة لكاتب له معانٍ كبيرة، خاصة ونحن ما زلنا نمر في مرحلة التعافي والعودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية. وهذا الإحساس أول ما انتابني وأنا أشاهد المجموعات الكبيرة تقصد أماكن التسوّق، وهذا دليل واضح على أننا قطعنا مشواراً كبيراً في مرحلة التعافي.

ولو قارنّا الشعب بالفرد العادي الطبيعي الذي تعافى بسرعة من وعكة ألمّت به، لقلنا إن هذا الفرد يتميز ببنية قوية ومناعة جبارة مكّنته من التعافي السريع، وكذلك الشعب، لديه هذه البنية وتلك المناعة القويّة التي جعلته يتعافى بسرعة. لكن بنية ومناعة الشعب تختلف عن مناعة وبنية الأفراد، خاصة في (الوعكات) السياسية، فالمناعة الجماعية هي ممارسة قصوى للولاء والانتماء، والإيمان بحكمة القيادة في إدارة الأزمات، وترجمة كبرى للأفكار الكبرى أيضاً، ومنها فكرة الاتحاد التي تترسخ يوماً بعد يوم، وتظهر قوتها ونضارتها في الأزمات، وقد حدث التعافي السريع نتيجة القناعة الكبيرة بالمبادئ الأصيلة التي قامت عليها فكرة الاتحاد، وكانت الأزمة اختباراً دقيقاً لها.

ماذا يعني وجود آلاف من الأسر في مراكز التسوق، ومثلها في المنتجعات ومراكز الترفيه المحلية؟ إنها تعني بكل بساطة أن الناس اختاروا البقاء في البلاد على السفر إلى الخارج، ليس لأي سبب سلبي، وإنما للتأكيد على عمق الترابط وقوة الوشائج التي تصل بين الشعب والوطن. واختيار البقاء هذا، قناعةُ كبار وصغار، نساء ورجال، ما يدل على إجماع وطني شامل، وإن لم يكن مخططاً له مسبقاً، وإنما الفطرة تسبق الفكرة أحياناً، والتعلّق الفطري يسبق التعلّق الأيديولوجي والشعارات، فكان المشهد ترجمة حقيقية، ونتيجة امتحان مذهلة للمبدأ والفكرة والشعار.

صحيح أن الإدارة العبقرية للأزمة جعلت كل من يقيم في الإمارات آمناً مطمئناً، لكن المشهد ما بعد التعافي أكّد سلامة التوجّه والإدارة، وكأن الناس انتهزوا عطلة العيد ليثبتوا أن الإمارات العربية المتحدة قوية، واقتصادها متين، وتآزرها الاجتماعي أقوى مما كان، وسيزداد قوة في الأيام القادمة.

ولو وسّعنا المشهد أكثر فسنجد أن الأسطول الجوي الإماراتي بكل شركاته، عاد للعمل في كل الوجهات، وفي كل الاتجاهات، وعاد (الضجيج) إلى المطارات أجمل مما كان، وهذا يعني أن الإمارات فتحت أذرعها من جديد لتحتضن العالم، وتستقبله على أرضها، ونقلت سفراءها من جديد إلى العالم، ولا نعني هنا الدبلوماسيين، ولكن، كما اعتاد الإماراتي أن يكون دائماً، سفيراً لبلاده، في حلّه وترحاله، وهو مشهد يزيد الوهج توهّجاً، والنضارة إشراقاً، والصفاء ألوان أقواس قزح، وعادت الإمارات كما كانت وجهة فضلى عالمية، للعمل والسكن والاستثمار.

أما الفرحة العاطفية والأمنية والاجتماعية فقد لمستها على وجوه الناس من كل الأجناس، وهي فرحة العودة إلى الأمن والأمان. إن ما نذكره ليس عبارات بلاغية أو إنشائية، إنها ترجمة لمشاهد أكبر من العاطفة والسياسة وصولاً إلى الانتماء الحقيقي الأصيل، والإيمان بالطاقة الإيجابية والقدرة على التعافي.

لقد دمعت عيناي حين سمعت قصة أحد الأصدقاء العرب، وهي قصة حديثة جداً، قال لي إنه سافر وعائلته إلى أوروبا خلال عطلة العيد، وكانت رحلة عمل واستجمام، وشاهد جمال الطبيعية في الخارج، من غيوم تعلو الجبال وشلالات وأنهار وغابات، وكان سعيداً جداً، لكنه في اللحظة التي دخل ردهة الإمارات (اللونج) في أحد المطارات الأوروبية، وشم رائحة البخور وشاهد ملامح الطبيعة على الديكور، شعر بطمأنينة عجيبة وراحة نفسية داهمته وكادت أن تدمع عينيه، كأنه عثر على ضالته وواحته بعد طول مسير، وقال إن المشاهد الطبيعية الخلابة التي شاهدها، لم يكن أثرها كأثر دخوله عالم الإمارات، حتى وهو في مطار آخر، أما حين وصل إلى أرض الدولة، فكان إحساسه أنه عاد، وأخيراً، إلى البيت/ بما تعنيه كلمة بيت من أمن وأمان وسكينة وطمأنينة وهدوء وراحة بال. قال لي بالحرف الواحد، إن شئنا أن نقدّم تعريفاً للوطن، فإن ما شعر به لحظة دخوله الردهة، ولحظة وصوله إلى البلاد، هو تعريف الوطن، من دون بلاغة ولا لغة جمالية. ذلك الشعور الذي يصعب التعبير عنه هو الوطن. فحمدت الله على نعمه.

وبدوري، وعودة إلى أول الحديث، فإن رؤية تلك الحشود وهي سعيدة ومطمئنة وبصحة وعافية اجتماعية ووطنية، تلك الرؤية تحمل معنى الوطن، وأبعاده، من دون تنظير أو تفلسف، إنه التمسك بالمكان كأنه آخر قطعة على الكرة الأرضية، كأنه المكان الوحيد الناجي.

..وكل عام والإمارات بخير.

[email protected]

25 مايو 2026
مؤامرة خلف الجمود

أصبح الكاتب يشعر بالملل السياسي، أو بالضجر الفكري، وهو يكتب عن الحرب الإيرانية، أو يحاول تحليل ما يحدث، وسبب ذلك ليس مراوحة الأحداث في مكانها، أو تكرار التصريحات السياسية، وبعضها استفزازي، ولكن سبب ذلك يعود إلى الغموض الاستراتيجي لكلا الطرفين، فهما يدقّان طبول الحرب وفي الوقت نفسه يلهثان وراء عقد صفقة تنهي الحرب.

وتسعى بعض الماكينات الإعلامية إلى إدخال عنصر التشويق إلى المشهد، فتصف المكالمة التي دارت بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بغير المريحة، وأن نتنياهو أنهى المكالمة وهو غاضب، بل إن الدائرة المحيطة به كانت متوترة وغاضبة. بينما الموضوع كله لا يزيد عن كونه مكالمة هاتفية أحاط كل طرف الآخر بما يمكن أن يحدث في الأيام المقبلة، لأن خطط الحرب وقراراتها لا تُناقش في مكالمة هاتفية.

نشرات الأخبار أضحت مملّة، وتجتر محتواها، والمحلّلون أصبحوا ضجرين، أو مضجرين لأنهم أدلوا بما في حوزتهم من أفكار، ولا شيء جديد، بل يكاد الطرفان، الأمريكي والإيراني، يتفقان على اللعب بأعصاب الأسواق المالية، وأسعار الذهب، والنفط الخام. لأن الخلاف الرئيسي واضح، ومحاوره واضحة، وهذه المراسلات، والمفاوضات عبر الرسائل التي تستغرق أياماً طويلة، التي تذكرنا بالحمام الزاجل، ما هي سوى تكتيكات لأفعال أكبر، ليس بالضرورة أن تكون عسكرية، فما يحدث حالياً هو جني لأرباح الصراع العسكري اقتصادياً، ويواصل الأطراف اللعبة غير عابئين بالخسائر التي تكبّدتها الدول، ولا تزال مهدّدة بها.

ويبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي هي التي تدفع ثمن هذه الحرب، خلال المعارك وفي أوقات الهدنة، وقد تدفع ثمن التوصّل إلى صيغة لإنهاء الحرب.

على الأرجح، أن يتوصل الطرفان إلى صيغة لوقف الأعمال العسكرية، وليس لإنهاء الحرب، كي تبقى أجواء التوتر تسود المنطقة، وتبقى دولها في حاجة إلى التزوّد بالسلاح، وبناء قدراتها العسكرية، بينما المستفيد الأكبر هو مصانع الأسلحة، ومديرو الموانئ والخلجان، وشركات الأمن.

هل يمكننا القول إن دول مجلس التعاون تتعرّض لمؤامرة مزدوجة في الحرب وفي السلم؟ بعض المحللين يعتقد ذلك، ويقول إن محاولات حثيثة تمت لتوريط دول الخليج في حرب مباشرة مع إيران، ويستشهد بالمسيرات المجهولة المصدر، والتي عُرف مصدر بعضها لاحقاً، ولا يمكن وصف تلك المحاولات سوى بالشيطانية، لأنها لا تمت إلى العروبة والإسلام والوطنية بصِلة، هدفها التخريب فقط، وهناك أهداف غير معروفة حتى الآن. أما المؤامرة الاقتصادية فليست في حاجة إلى دليل، فهدفها واضح جداً، وهو ابتزاز دول المنطقة التي، حسب منطقهم، تعوم على بحيرة من الذهب الأسود. ونعتقد أن هذه الدول على علم ودراية بما يحاك ضدّها في الخفاء، ولهذا واصلت الحياة كأن شيئاً لم يكن.

ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي أكثر الدول استهدافاً لأسباب كثيرة، ومحاولات جرّها إلى الحرب باءت بالفشل، مع التزامها بالدفاع عن أراضيها وإنجازاتها، بكل ما تملك من وسائل، لكنها تغلّبت على كل تلك المحاولات، وتصرفت، ولا تزال، بروح المسؤولية الوطنية، ولم تُشعر مواطنيها، أو المقيمين على أرضها، بوجود أزمة، أو حرب، وهذا يعود إلى الإدارة الذكية للأزمة، واحتواء الصدمة بأسلوب متقدّم جداً، ولكنها أيضاً، كانت واضحة أمام شعبها، فتبلّغهم أولاً بأول ما يحدث، وتصف لهم مستوى الخطر.

ولا شك، بل إنه من الأمور الطبيعية، أن تتأثر بعض المجالات بالحرب، ومنها المجال الاقتصادي، لكنه لم يصل حدّ الأزمة الحقيقية، لمتانة الاقتصاد، ووضع خطط التعافي الفورية، وتطبيقها بمعايير واقعية، فاستمرت عجلة التجارة في دورانها الطبيعي، واستمرت الدولة في تقديم خدماتها كالمعتاد، بل استحدثت خدمات لمواكبة الظروف، وتسهيل حيات الشعب، من مواطنين ووافدين.

هل يشعر الإنسان العادي في هذه الظروف بالملل؟ لقد ألصقنا هذا الوصف بالمحلّلين السياسين، لكنه يمتد إلى الإنسان، فينعكس الملل السياسي على الضجر الاجتماعي، لكن النتائج تختلف، فنتيجة للمراوحة السياسية، عاد الإنسان إلى حياته الطبيعية أسرع مما توقّع، إذ لا مجال للملل الاقتصادي، ولا الضجر الاجتماعي، فعجلة الحياة لا بد أن تستمر، وربما بوتيرة أسرع بهدف التعويض، ويجب أن تتحلّى بالنوعية والمعايير العالية للوصول إلى مخرجات متفوقة.

وتبقى حالة الترقب تسود المحلل السياسي والاقتصادي والإنسان العادي، وهو فعل طبيعي جداً، أن يعمل الإنسان وعينه على الأحداث، وأن يكتب المحلّل وعينه علىى التطورات. والترقّب لا يعني التوتّر، ولا تعطيل الحياة العامة. الترقب مطلوب حتى في الأيام العادية التي تخلو من حروب. لأن الترقب يحمل التوقعات، أي السيناريوهات، وهذا الترقب ينشّط العقل الذي يدير الأزمة، فيتوهّج أكثر عن طريق الملاحقة والمتابعة. وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لديها فِرق جاهزة قبل الحرب، مهمتها التعامل مع الأحداث الطارئة والأزمات، ولديها الحلول أيضاً، وتقوم بالتدريبات الدورية للحفاظ على الجهوزية. وهذا يفسّر الأمن والأمان في أوقات الأزمات، كما يفسر القدرة على إحباط المؤامرات، عن طريق رصدها قبل وقوعها.

[email protected]

18 مايو 2026
لا خلاف على المبدأ

اكتشفت الحكومة اللبنانية أن أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار وجلب السلام للبنان واستعادة الأراضي المحتلة هو التفاوض مع إسرائيل. وتكاد تجمع الأحزاب كلها و75% من الشعب اللبناني على هذا التوجّه. طبعاً هذه النسبة ليست رسمية وإنما استنتاجية، لأن المعارضين للتفاوض هم الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) ومعظم أبناء البيئة الحاضنة، وبعض أعضاء الأحزاب الصغيرة المدعومة من الثنائي. بينما الأحزاب الأخرى مثل الكتائب والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، فهي تدعم التفاوض بطريقة أو بأخرى، وضمن شروط ليست تعجيزية.

ولو دقّقنا النظر في تصريحات الثنائي الشيعي، نجد أنه لا يعارض التفاوض في المبدأ، ويقترح المفاوضات غير المباشرة، أو الوقف الكامل لإطلاق النار شرطاً أولياً للتفاوض. وتلتقي الحكومة اللبنانية مع الثنائي الشيعي في هذا المطلب، وتؤكد على ضرورة وقف إطلاق النار بالكامل للدخول في المرحلة الثانية الرامية إلى توقيع اتفاقية سلام مع لبنان تفضي إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية وعودة النازحين وضمان إعادة الإعمار والتوقّف عن الاعتداءات.

وفي المجمل، فإن لبنان كله، بأحزابه وشرائحه الشعبية مع إجراء المفاوضات مع إسرائيل، مباشرة أو غير مباشرة. بقي أن نقول إن الحكومة اللبنانية لا تنوي توقيع اتفاقية سلام تؤدي إلى التمثيل الدبلوماسي والتطبيع مع إسرائيل، وتترك ذلك للإجماع العربي. ونعتقد أنها تتفق مع الرؤية السعودية التي طرحت في قمة بيروت على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام. والحكومة اللبنانية حريصة على التماهي مع المملكة في موضوع اتفاقية السلام، ولبنان لن يخاطر ويذهب وحده.

إن رؤية موضوعية ومحايدة للمشهد السياسي تقول إن معظم الدول العربية لا تمانع في إبرام اتفاقيات مع إسرائيل، والمشكلة تكمن في اللغة فقط لا غير، فهناك من يتذرّع بحقوق الشعب الفلسطيني وحل الدولتين، وهناك من يتحجّج بالإجماع العربي، وأسباب أخرى، بينما يمكن القول إن الموقف النهائي هو الاعتراف بدولة اسمها إسرائيل في المنطقة، ولا بد من التعامل معها. وأرجو ألاّ يُفهم أنني أروّج لعقد اتفاقيات ومعاهدات صلح مع إسرائيل وأشجّع على التطبيع، فهذا ليس من مهامي، ودوري يقتصر على التوصيف مع شيء من التحليل.

في المقابل، فإن إيران لديها الموقف ذاتها الشبيه بالموقف اللبناني، فهي تريد ربط المسار اللبناني بها، كي لا يُقال إنها باعت «المقاومة»، وتطالب بوقف إطلاق نار شامل في إيران ولبنان معاً، تمهيداً للدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهي تدرك أنها حين تفاوض الولايات المتحدة فإنها تفاوض إسرائيل، لأن بعض البنود وضعتها إسرائيل، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتشاور مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن أي اتفاق. وحين تشترط إيران عدم الاعتداء عليها مستقبلاً، فإنها تؤسس لحالة سلام مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ من سيهاجمها غير الولايات المتحدة أو إسرائيل!

من جهة أخرى، فإن إيران موافقة على تصريحات الثنائي الشيعي في لبنان، حين يتحدثان عن المفاوضات غير المباشرة وغيرها، ما يعني أنها موافقة على التمهيد لاتفاقية مع إسرائيل، وربما تشجّع على ذلك، لأن المسارين اللبناني الإسرائيلي والإيراني الأمريكي يتقاطعان في المحاور الجوهرية، أما المحاور الأخرى فهي مجرد تكتيكات.

ونعود إلى الحكومة اللبنانية الملتزمة بالمسار التفاوضي، وسنفترض أنها تمكنت من التوصّل إلى اتفاق يقضي بوقف تام للعمليات العسكرية، والانسحاب من القرى التي احتلتها، وترسيم الحدود البرية، وعودة النازحين، وهي المطالب ذاتها التي يتبناها الثنائي الشيعي، وهذا ما سيبطل الاعتراض على التفاوض وبالتالي على اتفاقية السلام.

ترى، ماذا سيكون الموقف الإيراني؟ هل سيبارك أم يشجع على قلب الطاولة؟ لا شك أنه سيشجّع، لأنه ماض في العملية ذاتها، مباشرة أو غير مباشرة.

يحق لنا أن نتساءل إن كانت المعارضة من أجل المعارضة، لأن ما يُطلق من تصريحات لا يدل على اختلاف في التوجهات، وإنما في الوسائل، ولا تتعارض في المبادئ، وإنما في التكتيك، فلماذا إذاً هذا الجدل البيزنطي الدائر، والأهداف واحدة؟

لن نتورّط في البحث عن إجابات، لكن، وكما يبدو، هناك خوف من الحاضنة الشعبية ذاتها، التي قدّمت الضحايا والجرحى والبيوت، وتعاني من النزوح والتهجير وصعوبة العيش، ويقوم أفرادها بإطلاق تصريحات عن الصمود ومواصلة القتال حتى النهاية، هذه الحاضة أو البيئة هي التي دفعت الثمن، وليس غريباً أن تطالب بأثمان. وهذه الحاضنة ليست في لبنان وحده، إنما في إيران، فهناك تشابه مصيري بين الحالتين، لكن من يدري، فحين تتخذ القيادة قرارها سيكون مصحوباً بعبارات النصر.

المساران اللبناني والإيراني مرتبطان، وإن ادعت الجهات الرسمية في لبنان أنها ستتصرف من منطلق سيادي، وستذهب وحدها للمفاوضات، لإنقاذ البلاد، وإعادة لبنان عظيماً، كما قالت سفيرة لبنان لدى أمريكا في اجتماع الوفد اللبناني المفاوض مع الرئيس الأمريكي، وهي شروط خارجية أكثر منها خيارات داخلية، فالاستقلالية في اللغة الرسمية اللبنانية تعني التحرّر من سيطرة حزب الله وهيمنته، وهي رسالة للآخر المعني بالمفاوضات، وربما رسالة لصندوق النقد الدولي، الذي تتفاوض معه الحكومة اللبنانية في إطار التعافي الاقتصادي..

[email protected]

11 مايو 2026
قلق مشروع

فرضت الحرب نفسها كالضيف الثقيل، على الحكومات والمجتمعات والأفراد، ونحن نعني الحرب الإيرانية، ويجب ألا يستنكر أحد وصفي للحرب بالملعونة، لأن كل الحروب ملعونة، بصفتها تحمل الدمار والقلق والموت وتعطّل الحياة، خاصة حين تكون الحرب، لا هي تحريرية ولا هي وطنية ولا هي ثورية ولا هي مصيرية.

وسأجازف بوصف الحرب القائمة حالياً في منطقة الخليج بين أمريكا وإيران بهذا الوصف، لأسباب عديدة وهي أن الحرب، بصورتها الحالية، لن تؤدي إلى نتيجة يُعتدّ بها، وإذا كانت كذلك في قمة دمويتها ووهجها، فإنها ليست كذلك بعد وقفها والدخول في مفاوضات، فالمفاوضات تُظهر يوماً بعد يوم عبثية الحرب، كما تظهر أن أهدافها التي بدأت بها هي ليست الأهداف التي وصلت إليها وتعلنها وسائل الإعلام، ويلاحظ أنها تتراجع شيئاً فشيئاً حتى أن البعض بات مقتنعاً بأن الولايات المتحدة، قد تنسحب بين ليلة وضحاها من المعركة من دون التوصّل إلى اتفاقية أو معاهدة ما.

ولديّ قناعة بأن القصف الجهنّمي أو «إبادة» إيران، أو حصار موانئها، لن يحقق أي هدف من أهداف الحرب، خاصة إذا اعتبرنا أن الهدف الرئيسي هو التخلص من تخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية (وهذه الأخيرة لم يعد يتحدث بها أحد). أما الأهداف الأخرى والمتمثلة بإسقاط النظام والقضاء على التطرف، والتعهّد بعدم مضايقة الجيران والتدخل في شؤونهم فهي أهداف لن تتحقّق، وقد تحدثنا سابقاً عن الفكر المهدوي، وعودة إمام الزمان ليخلص البشرية من الظلم والطغيان، وهي الأسس التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية في إيران، فكيف ستستطيع الآلة العسكرية التغلّب على هذا. ومحور حديثنا ليس هذا الكلام، وإنما ما يدور حالياً في السر والجهر عن مفاوضات، والتي قد تنتهي بطريقة هزيلة لا تتناسب وأثمانها.

فهل يعقل أن يدور الحديث عن فتح مضيق هرمز كموضوع مصيري؟ رغم أنه كان مفتوحاً وكانت تمر السفن منه بحرية، على ما أعتقد. أما الشرط الثاني فهو، رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن أموال إيرانية في أمريكا. شرطان مستجدان خلقتهما الحرب، فأصبحا هدفين رئيسيين يمكن التفاوض حولهما. أما بقية النقاط فتراجعت.

ماذا يعني أن تطلب الولايات المتحدة من الدول التوجه إلى الولايات المتحدة لشراء النفط، وكما قال الرئيس ترامب «لدينا نفط كثير». هل هذا هو الحل المنطقي لإقفال مضيق هرمز؟ وهل هذا هدف أمريكي كانت تخطّط له قبل الحرب، (لبيع النفط الأمريكي!!). لن نغامر بالإجابة، ولكننا نعتقد أن هنالك أهدافاً أخرى غير المعلنة من وراء الحرب.

الإمارات العربية المتحدة، ورغم وقف إطلاق النار، تعرضت للعدوان بالصواريخ والمسيّرات، واستطاعت التعامل مع هذا العدوان بكفاءة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا الإمارات وحدها من يتعرّض للهجوم؟ وما معنى أن تتنصّل إيران من الهجوم، وتعلن عن سياستها التي تحترم الجيران. هل هذا هدف غير معلن للحرب أم أنه نتيجة صراع، وأعني بها إشعال حرب في المنطقة. وبما أن دول مجلس التعاون قد أبدت وقوفها إلى جانب الإمارات في بيان أكد أن المجلس يؤيد الإمارات في القرارات التي ستتخذها لمواجهة العدوان، ما يعني أن دول الخليج أو بعضها ستنخرط في الحرب مع إيران.

إن دول مجلس التعاون الخليجي، وإن كانت قادرة على التصدي أو المواجهة، إلا أنها لن تغامر بالدخول في صراع عسكري مع إيران، أو أي جهة أخرى، لأنها تعلم، وحكامها وحكماؤها يعلمون أن تغيير الثوابت الإيرانية لن يتم بالقوة العسكرية، فهي مسألة تعود للشعب الإيراني، لأنه المسؤول عن تقرير مصيره، فإما أن يعيش في دولة دينية أو يعيش في دولة مدنية، وإذا كان من عمل يمكن القيام به للشعب الإيراني فهو مساعدته على ذلك. فالنظام الديني الذي تجاوز عمره 45 عاماً لن يستسلم بسهولة، ولن يتغيّر بمجرّد حمل السلاح أو الدخول في حرب أهلية، لأن شظاياها ستصل إلى دول الجوار، وهذا ما لن تقبله الدول، ولن يصب في مصلحة أحد، فأقلّه، أنه سيزعزع الاستقرار في المنطقة.

إن دول مجلس التعاون أمام تحديات كبيرة حالياً، وعليها الاستعداد للسيناريوهات المحتملة، الأول توقيع اتفاقية بين إيران والولايات المتحدة، والثاني تجدد الحرب، وفي الحالتين، يُفضّل أن تكون حكيمة كعادتها، وأن تزيد من تعزيز التعاون فيما بينها، وأن تكون الحرب دافعاً لتحقيق الأمن الذاتي، سياسياً وعسكرياً. على دول المجلس التعامل بحذر مع نتائج الحرب أي مع بنود أي اتفاقية، فمن الواضح أن الولايات المتحد تغلّب مصالحها الشخصية على أي مصلحة أخرى، والأيام حُبلى..