الخوف تجربة أدبية

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

الخوف هو ما يجعل الإنسان أكثر وعياً بذاته ففي لحظة الخوف، يسقط القناع، وتتعرى النفس من تبريراتها، لأنه يكشف ولا يخفي. لذلك، فإن الأدب الذي ينجح في تصوير الخوف، لا يقدم مجرد تجربة مرعبة، بل تجربة معرفية.
والخوف في الأدب ليس عدواً، بل دليل يشير دائماً إلى حقيقة لم تواجه بعد وإلى إنسان لم يكتمل.
لم يكتب الأدباء العظام عن الخوف ليرعبوا القارئ، بل ليضعوه أمام ذاته. وجعلوا من الخوف مادة جمالية، حولوه من ارتعاش داخلي إلى بناء فني، من تجربة فردية إلى لغة مشتركة. لقد أخذوا أكثر مشاعر الإنسان هشاشة، وصاغوها في أكثر الأشكال صلابة وهو النص.
ومنذ الأساطير الأولى، حيث كانت الطبيعة نفسها مصدر رعب لا يفسر، بدأ الإنسان يكتب خوفه. لم يكتبه ليحكي عنه فحسب، بل ليروضه، ويضعه خارج ذاته ولو للحظة. وهنا تحديداً تبدأ العلاقة الفلسفية بين الأدب والخوف، فالأدب لا يلغي الخوف، بل يمنحه لغة.
وبذلك لم يعد الخوف مجرد انفعال عابر يمر بالقلب كغيمة صيفية، بل هو أحد أعمق الطبقات التي تتكون منها النفس البشرية. إنه ذلك الصوت الخافت الذي يسبق الكلمات، والارتعاشة التي تسكن ما بين الفكرة وتحققها.
وارتبط الخوف في الأدب الكلاسيكي بالمصير، فالإنسان في مآسي سوفوكليس، لم يكن يخاف الوحش، بل يخاف الحقيقة حين تنكشف ومأساة «أوديب» لم تكن في أفعاله، بل في معرفته التي كانت مصدراً للرعب، وكأن الحقيقة، حين ترى كاملة، لا تحتمل.
وبلغ التحول من الخوف الخارجي إلى الخوف الداخلي ذروته لاحقاً في أعمال ويليام شكسبير في مسرحية «ماكبث» التي تخبرنا بأن الرعب لا يأتي من الأشباح وحدها، بل من الضمير الذي لا يصمت.
ومع دخول الأدب إلى العصر الحديث، بدأ الخوف يأخذ شكلاً أكثر تعقيداً، وأكثر التصاقاً بالوجود ذاته ونقل «فرانز كافكا» الخوف إلى مستوى أكثر غرابة ففي «المسخ» لم يكن الخوف من حدث بعينه، بل من فقدان المعنى، أن تستيقظ يوماً فتجد نفسك غريباً عن ذاتك، عن جسدك، عن العالم. هذا هو الرعب الذي يبقى بلا تفسير، وبلا مخرج.
ولم يغب عن الأدب العربي، بل اتخذ أشكالاً متعددة، فهو يظهر كجزء من الحياة اليومية، أو كقلق اجتماعي وسياسي.إن الأدب العظيم لا يخيفك بما يحدث، بل بما قد يحدث، وما يظل معلقاً فالخوف الحقيقي ليس في الصدمة، بل في انتظار ما سيحدث.

[email protected]

عن الكاتب

​كاتبة ومستشارة في تنمية المعرفة. حاصلة على الدكتوراه في القيادة في مجال إدارة وتنمية المواهب وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ورابطة أديبات الإمارات. أصدرت عدة مجموعات في مجالات القصة القصيرة والرواية والمسرح والبرامج الثقافية والأفلام القصيرة وحصلت على عدة جوائز ثقافية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"