هناك تعريفات عديدة ومختلفة للنضال «اللاعنفي»، تتعدد بحسب المنطقة والهدف المراد تحقيقه، ونوعية المشاركين في العملية، وحجم انتشارهم.
ويمكننا بشكل عام اختيار بعض التعريفات التي يمكن تطبيقها على أغلبية الحالات التي جرت فيها أو يحتمل أن تجري فيها عمليات تغيير سياسي أو اجتماعي تستند إلى استراتيجية «اللاعنف».
وتقول بعض هذه التعريفات، إن مبدأ «اللاعنف» هو وسيلة من وسائل العمل الاجتماعي السياسي، تقوم على استخدام العديد من وسائل العمل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من دون استخدام العنف الجسدي. وهو في الوقت ذاته نوع من الوعي الاجتماعي والثقافي الذي يجعل الفرد يعترف بحقه وحقوق الآخرين عليه، وإن تطور هذا الوعي يُطلق شرارة العمل لإنهاء الاستغلال والاحتكار والنزاع والحرب، عبر أدوات سلمية لا تلجأ إلى العنف والإيذاء الجسدي.
ويقول مؤيدو هذا التعريف إن «اللاعنف» ليس وسيلة الضعيف والخجول، لكنه سلاح الطرف القوي، وعمل جاد وصبور ينطوي على الرغبة في التضحية وعدم الزهو بالانتصار، وهو سلاح يضفي معاني النبل والفروسية على الطرف الذي يستخدمه.
وفي تعريف آخر، يشكل النضال «اللاعنفي» بديلاً لموقفين آخرين هما الرضوخ والانصياع السلبي من جهة، أو النضال والصدام المسلح من جهة أخرى؛ لذلك فإن «اللاعنف» يدعو إلى وسائل أخرى للكفاح الشعبي، منها العصيان المدني أو «المقاومة اللاعنفية»، أو عدم الطاعة وعدم التعاون. وقد استخدم المصطلح بشكل متكرر كمرادف للمسالمة، لكنه منذ منتصف القرن العشرين أخذ يعكس كثيراً من التكتيكات التي تهدف إلى التغيير الاجتماعي من دون استخدام القوة. إن «اللاعنف» يختلف عن المسالمة؛ لأنه يواجه القمع والطغيان بشكل مباشر.
ومن الناحية التاريخية، فإن حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي لاستقلال الهند، تقف في صدارة الصراعات التي اعتمدت منهجاً «لا عنفياً» ونجحت في تحقيق أهدافها. وتقف حركة الكفاح من أجل الحقوق المدنية للأفروأمريكيين بقيادة مارتن لوثر كينج، دليلاً آخر على نجاعة هذا الأسلوب في مواجهة قوى أعتى بكثير، وتحقيق الانتصار على الرغم من ذلك.
كما يمكن العثور على نماذج من العمل «اللاعنفي» في كثير من البلدان والثقافات خلال التاريخ. وتظهر الأفكار الأساسية لمنهج «اللاعنف» بجلاء في كل من الأديان الإبراهيمية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية)، وكذلك في تقاليد الأديان الكبرى الأخرى (الهندوسية والبوذية والسيخية)، وكذلك في العديد من الأديان الوثنية الأخرى. وقد أضافت المبادئ الدينية زخماً كبيراً، ودعمت كفاح حركات التغيير السلمي من أجل التغيير في كثير من الدول والمناطق، عبر مراحل تاريخية مختلفة.
ويقول الباحثون في تفسير فاعلية استراتيجية «اللاعنف»، إنه ينطوي في جوهره على فكرة مشتركة هي أن سلطة الحاكم تعتمد على موافقة الرعية. فالحاكم يصبح عاجزاً بدون النظام الإداري للدولة، وبدون الجيش أو الشرطة، وبدون انصياع قطاعات مفتاحية من الشعب. السلطة إذن تعتمد في معظمها على تعاون الآخرين.
مبدأ النضال «اللاعنفي»
31 يناير 2019 02:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 يناير 2019 02:42 صباحًا
شارك
فيصل عابدون
