فيصل عابدون
أشارت تقارير الأسبوع الماضي إلى مساعٍ تقوم بها مجموعة من الدبلوماسيين ورجال الدولة السابقين ومسؤولين في الأمم المتحدة من أجل الحصول على دعم سياسي لمشروع يتضمن معايير جديدة لحل النزاعات، وصيانة الأمن والسلام الدوليين، بشكل يواكب التطورات وحجم التهديدات التي قادت إلى استفحال النزاعات، وبما يضمن تجنب أخطاء الماضي في تسويتها.
وبالضرورة، فإن هذه المساعي السياسية والدبلوماسية تتطلع إلى تجاوز الطرق التقليدية المعتمدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في وقف الحروب وتسوية النزاعات الأهلية داخل الدولة الواحدة، وبين الدول بعضها ببعض وتكريس السلام والأمن.
والمعروف أن الأمم المتحدة تأسست في عام 1945، في أعقاب الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، وتركزت المهمة المحورية للمنظمة الجديدة على صون الأمن والسلام الدوليين، عبر وسائل وآليات تضمن وقف الصراعات ومساعدة الأطراف المتصارعة على صنع السلام. ويشمل ذلك نشر قوات حفظ السلام وتهيئة الظروف للسماح باستدامة السلام.
وتوضح مسودات الأمم المتحدة أن مجلس الأمن الدولي يتحمل المسؤولية الرئيسية عن صيانة السلام، وهو المكلف حصراً بتحديد وجود تهديد للسلام أو عمل عدواني. والمجلس المكوّن من خمسة أعضاء دائمين لديهم حق النقض، وعشرة أعضاء غير دائمين، هو المكلف بمخاطبة أطراف الصراع بإنهائه وتسويته بالطرق والوسائل السلمية، ويقدّم توصيات واستشارات تتعلق بطرق التكيف وشروط التسويات.
كما أنه يلجأ في بعض الحالات إلى فرض عقوبات أو السماح باستخدام القوة ضد بعض الأطراف، لضمان حفظ الأمن والسلام الدوليين أو استعادتهما.
ولكن هل نجحت هذه الوسائل بعد أكثر من 75 عاماً من عمر هذه المنظمة الدولية؟ وهل اختفت الحروب؟ وهل تراجعت التهديدات؟ وهل أصبح العالم مكاناً أكثر أمناً وسلاماً؟. ليس تماماً. وواقع اليوم يقول إن السلام ينهار في كل مكان. فهناك خارطة صراعات تضم أكثر من 50 منطقة على الأقل في العالم، وهي تلقي بتأثيراتها السلبية على نحو ملياري شخص في العالم.
ويقول قادة المبادرة لإطار عمل جديد لحفظ السلام، إن فكرة وسطاء السلام أو المبعوثين الدوليين إلى بؤر النزاع في العالم، لم تحقق نجاحاً في وقف الحروب وتسوية الخلافات السياسية؛ لأن الوسطاء يتبعون استراتيجية خطأ، فهم يطبّقون أفكار استقرار مضللة، ثم ينسحبون بسرعة، بينما يستمر النزاع من دون حل.
والفكرة البديلة التي تقدّمها المبادرة التي أطلق عليها «مبادرة مبادئ السلام»، تدعو إلى تحول عمليات السلام من الخضوع لقيادة أطراف دولية إلى عمليات «ذات جذور محلية». وعلى الرغم من أن هذه الفكرة شديدة العمومية كثيراً، وقد تبدو غامضة وتفتقر إلى الوضوح، فإنها تستحق فرصة للمناقشة في ظل فشل الحلول القائمة والعاجزة عن إقرار السلام والمحافظة عليه.
ويوضح قادة المبادرة أن ابتكارهم الجديد يرتكز على عاملين رئيسيين هما «تعزيز الشرعية» من جهة، و«الأمن الخاضع للمساءلة» من جهة أخرى. وهم يعترفون بأن المشروع ما يزال في مرحلة مبكرة، ويحتاج إلى مزيد من النقاشات لبلورة الأفكار في واقع قابل للتطبيق.
[email protected]
فيصل عابدون
تشهد الأزمة اللبنانية تعقيدات لا سابق لها وتعد الأشد غرابة من نوعها من بين أزمات المنطقة المزمنة، وتشابكات المشهد اللبناني والانقسامات العميقة في صفوف طبقته السياسية، وميراث التكوين الطائفي بعد نهاية الحرب الأهلية، إضافة إلى عوامل الموقع الجيوسياسي الذي يستقطب مصالح دولية وإقليمية متنافرة، وفي غالب الأحيان متصارعة. كل هذه العوامل تجعل أزمة الحكم والسياسة فريدة من نوعها.
وما يبدو واضحاً في مسارات الأزمة التي لا تلوح لها نهاية قريبة، هو أنها تؤسس لصدامات لا تنتهي بين مكونات السلطة نفسها والتي تحاول الخروج من مستنقع الجمود عبر مزيد من التمسك العنيد بالمواقف، والنهج الهجومي المستمر.
وبينما تدور المعارك العنيفة بين القادة والزعماء يقبع الإنسان اللبناني المنكوب ـ الذي من المفترض أن تعمل السلطة على رفاهيته، وتكون محور حركته ـ على هامش كل شيء، وهو يتابع مراحل الانهيار التدريجي لدولته، وسبل معيشته، ويعاني مشاعر اليأس وقلة الحيلة.
هناك اليوم قضيّتان تستحوذان على اهتمام الطبقة السياسية، وتشكّلان محور الأزمة. وهي مشكلة العجز عن اختيار رئيس جديد للجمهورية خلفاً للعماد ميشال عون، والقضية الأخرى هي التحقيقات المتأرجحة حول انفجار مرفأ بيروت. وتنتظر الأزمة الاقتصادية التي تطحن اللبنانيين حدوث توافق يبدو شبه مستحيل في المرحلة الحالية، بين الفرقاء المتصارعين.
ويشير المراقبون خصوصاً إلى مخاوف من تفكك الدولة بسبب الأزمة المالية المستمرة منذ ثلاث سنوات، وما تفتأ تتفاقم كل يوم. لقد فقدت العملة أكثر من 97% من قيمتها منذ عام 2019، وقد تسارع انهيارها في الأيام الماضية، ما أدى إلى إفقار مزيد من اللبنانيين.
وتحذر دراسة للأمم المتحدة من أن نحو 2.3 مليون لبناني؛ أي نحو 42% من السكان، سيواجهون انعدام أمن غذائي حاد في الربع الأول من هذا العام. كما أن أجهزة الدولة نفسها باتت عاجزة عن الصرف على منسوبيها، وتزايد اعتمادها على المساعدات الخارجية لتوفير الغذاء للمواطنين، ولقوات الأمن في الشوارع.
إن الوضع اللبناني المتشابك لا يشبه إلا نفسه، ولا تمكن مقارنته بالأوضاع في الدول الجمهورية الأخرى في المنطقة. وأوضاع الأزمات في العديد من دول المنطقة تتخذ مساراً تقليدياً. فعند احتدام الأزمة ووصولها إلى طريق مسدود وتزايد معاناة المواطنين وظهور بوادر الفوضى، فإن المؤسسة العسكرية تتولى مقاليد السلطة لتعيد ترتيب الأمور من جديد، وتطلق مسارات مختلفة للحل.
لكن الوضع اللبناني شديد الاختلاف، فالنخبة السياسية قوية ومتجذرة. ولا مجال للحسم العسكري وتدخّل الجيش لتولي زمام السلطة، من دون المخاطرة بنشوب حرب أهلية طاحنة. وقد شهد لبنان فعلاً حرباً أهلية هي الأعنف من نوعها في أعوام بين عامي 1975 و1990، ولا تزال آثارها حية في الذاكرة اللبنانية.
وهذا مصير لا يرغب أحد في تكراره، لكن التصادم المستمر بين مؤسسات السلطة وغياب التوافق، والعجز عن تقديم التنازلات، قد يقود إلى أوضاع يصعب التحكم فيها، وتجعل السلطة ونخبتها ـ وليس الشعب اللبناني فقط ـ في قائمة الخاسرين.
[email protected]
احتفلت كل من ألمانيا وفرنسا مطلع هذا الأسبوع بمرور ستين عاماً على معاهدة الاليزيه، التي مثلت نقطة تحوّل في تحقيق المصالحة بين البلدين في أعقاب هزيمة النظام النازي في الحرب العالمية الثانية وفتحت الباب أمام عهود جديدة من التعاون والصداقة بين الدولتين.
وخلال فعاليات المناسبة، ردد الرئيسان إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس تصريحات قوية عن دور للبلدين حان أوانه، في إعادة تأسيس القارة الأوروبية، واختيار مستقبلها. وتحدث ماكرون عن «روحين في جسد واحد»، بينما أثنى شولتس على «الثنائي الشقيق». واعتبر الزعيمان في مقال مشترك أن على أوروبا استثمار المزيد في قواتها المسلحة وصناعاتها الدفاعية.
واكتسبت ذكرى معاهدة الاليزيه زخماً إضافياً هذا العام بسبب تزامن المناسبة مع تفاقم نهج العسكرة الذي بات يخيم على العالم بشكل متزايد جراء استمرار الحرب الأوكرانية متعددة الأطراف، والتي تتصدر فيها الدولتان الفرنسية والألمانية مواقع متقدمة إلى جانب دول حلف شمال الأطلسي.
وعلى الرغم من أن فرنسا وألمانيا تنتميان إلى كتلة الاتحاد الأوروبي، وتمثلان مركز القيادة في هذا التكتل، إلا أن الاتحاد يضم 27 دولة أخرى، ومن المهم بالنسبة لألمانيا أن تكون لها علاقة مميزة مع ثاني أقوى دولة في الاتحاد. حتى تمضي قدماً في توسيع نفوذها بشكل أقوى وضمان تنفيذ سياساتها على المستويين الإقليمي والدولي.
وبينما يبدو واضحاً أن تقارب الدولتين القويتين يمثل صرخة احتجاج وتحدٍ غير معلن لنظام القطبية الأحادية الذي تقوده الولايات المتحدة، إلا أن الأوضاع التي يعيشها العالم تجعل الولايات المتحدة تغض الطرف عن هذا التحدي.
فقد وفرت تداعيات الحرب الأوكرانية والمخاوف المرتبطة بها وضغوط الدعم ووحدة التحالف الغربي، فرصة ذهبية لألمانيا تمكنها من الذهاب مباشرة نحو المستقبل الذي تتخلص بموجبه من بقايا القيود المفروضة عليها منذ نهاية الحرب الثانية وفي مقدمتها حدود الإنفاق العسكري وعديد الجيش والتسلح، إضافة إلى حرمانها من مقعد دائم بمجلس الأمن الدولي.
صحيح أن ألمانيا اليوم أقوى دولة أوروبية سياسياً واقتصادياً لكنها ليست الأقوى عسكرياً. لذلك فقد قررت في يونيو (حزيران) الماضي وفي خطوة تشكل منعطفاً تاريخياً في سياستها الدفاعية، تخصيص استثمارات بقيمة مائة مليار يورو من أجل تحديث الجيش والصناعات العسكرية.
وفي خضم الجدل الدائر حول تسليم دبابات «ليوبارد» الألمانية إلى أوكرانيا، شددت وزيرة الدفاع السابقة كريستينه لامبرشت، على مطالبة بلادها بدور قيادي في أوروبا، بما في ذلك الدور العسكري. وقالت إن هذا الدور يقع بشكل تلقائي على كاهل ألمانيا ببساطة بسبب حجمها، وحتى ضد إرادتها. وأكدت لامبرشت أن ألمانيا لا تطالب بهذا الدور القيادي بدافع الرغبة في القوة، ولكن من أجل «إعطاء دفعة للسلام». وأضافت أن ألمانيا تشارك في تحالفات، ولديها «نظرة رصينة للسلطة والجيش ومؤسسات قوية وثقافة سلمية. لذلك، لا ينبغي لأحد أن يخاف من هذا الدور القيادي». وتحمل هذه العبارات المختارة بعناية تطمينات للآخرين بقدر ما تنطوي على تحذيرات واضحة وصريحة.
[email protected]
فيصل عابدون
كشفت نتائج الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة في جمهورية التشيك عن تأهل مرشحين اثنين لخوض الجولة الثانية من السباق والمقررة يومي 27 و28 من يناير/ كانون الثاني الجاري، لتحديد الفائز بالمقعد الرئاسي. والمرشحان الفائزان بالجولة الأولى هما اندريه بابيش، رئيس الوزراء السابق وخامس أكثر الرجال ثراء في تشيكيا، وبيتر بافيل، الجنرال المتقاعد ذو السجل الحافل في مهمات حلف الأطلسي وخلال رئاسته للجنة العسكرية للحلف.
والسباق بين الرجلين سيكون سجالاً، مع فرص متقاربة أوضحتها نتائج الجولة الأولى التي حقق فيها الجنرال تقدماً ضئيلاً ضد الملياردير ورجل السلطة التنفيذية السابق. والمهم في الأمر أن فوز أياً من المرشحين لن يتسبب في اهتزازات كبيرة في السياسة الدولية، فجمهورية التشيك هي واحدة من الديمقراطيات الأوروبية الهادئة التي لا تشهد انقسامات داخلية عميقة لافتة للنظر، ولا تكاد تسمع لها حساً في قضايا السياسة والنزاعات الدولية. على عكس بعض الدول الغربية الأخرى التي تعيش غلياناً داخلياً يتدفق على محيطها وفي داخله وعادة ما تكون طرفاً في النزاعات والحروب الجارية أو تشارك فيها بنشاط وتؤجج نيرانها.
كانت تشيكوسلوفاكيا في قلب السياسة الدولية في ستينات القرن الماضي عندما اجتاحتها الدبابات السوفييتية لتجهض الحركة الإصلاحية للرئيس ألكسندر دوبتشيك، فيما عُرف حينها ب«ربيع براغ». لكن هذا البلد اختفى من شاشات السياسة الدولية بعيد تفكك جمهورية تشيكوسلوفاكيا إلى دولتي سلوفاكيا وتشيكيا. وبرزت جمهورية التشيك بعدها على شكل الدولة التي تركز اهتماماتها على مجالات الفنون والثقافة والسياحة، ودولة الرفاهية التي تتمتع باقتصاد سوق اجتماعي متقدم وعالي الدخل.
الجديد في هذه الانتخابات هو تباين وجهات النظر والمواقف بين المرشحين لمنصب الرئيس التشيكي، فبينما يقف الجنرال السابق إلى جانب أوكرانيا والسياسة المؤيدة للغرب، فإن رئيس الوزراء السابق بابيش مع تقديم المساعدة للشعب التشيكي أولاً؛ وذلك لأنه لا يحمل مشاعر ودية تجاه الاتحاد الأوروبي، ويتبنى أجندة مناهضة للهجرة.
ومع ذلك، فإن هذه التباينات لا تكتسب أهمية كبيرة، فعلى الرغم من أن الرئيس يشارك في اختبار مجلس الوزراء، وتعيين محافظي البنك المركزي وقضاة المحكمة، فإن صلاحياته تظل محدودة ومنصبه شرفي، مع سلطة تنفيذية رئيسية تحتفظ بها الحكومة حسب النظام البرلماني.
وأجرى بابيش بعد أيام من انتهاء الجولة الأولى، محاولة لإطاحة الحكومة القائمة عبر اقتراح تصويت على سحب الثقة في البرلمان، لكن الاقتراح سقط بأغلبية 102 صوت مقابل 81 من نواب البرلمان البالغ عددهم 200 نائب. ووصف مجلس الوزراء اقتراح حجب الثقة بأنه حيلة دعائية مرتبطة بالانتخابات الرئاسية.
وأعلنت المرشحة الرئاسية السابقة دانوش نيرودوفا التي حلت في المركز الثالث في انتخابات الجولة الأولى، أنها ستدعم الجنرال بافيل في سباق المرحلة الثانية، وتضع كافة مساحاتها الإعلانية لمصلحته، فيما وصفت رئيس الوزراء السابق بأنه «عنوان الشر، وأنه لا يجب أن يصل إلى السلطة».
[email protected]