كلما تركت الدراما بصمة وأثراً واضحاً في حياة الناس أو حتى قلة منهم ازددنا رغبة في توجيه السؤال إلى كل من يعمل في هذا المجال ويحاول إقناعنا بأن الفن مجرد تسلية ولا يجب تحميل المسلسلات والأفلام عبء «الرسالة» وعمق تأثيرها على الجمهور، نود سؤالهم عن رأيهم حين يرون مثلنا أن هناك من حرّك بمسلسل أو فيلم قضية مهمة وتغيرت بفضله قوانين وتفاعلت معه الآراء وأعيد فتح ملف وتجرأت ضحية على التحدث بأعلى صوت لكشف الحقيقة؟ نود أن نقول لهم صراحة إن من يدافع عن التفاهة في الدراما وعن البلطجة والضياع فهو يجد لنفسه مبرراً لتفاهته ولبلطجته وضياعه، وكل من يدعي أن الدراما المشوَّهة غير مسؤولة عن تأثيرها السلبي على الجمهور أو فئة منه، فهو أيضاً يختبئ خلف أصبعه كي ينفض عن نفسه هذا العبء.
قضايا اجتماعية وإنسانية عدة تمت مناقشتها في دراما رمضان، منها أثر الطلاق على الأبناء، والرؤية وحقوق الآباء.. لكن الأثر الأكبر تركه مسلسل «حكاية نرجس»، تأليف عمار صبري، فكرة وإخراج سامح علاء، والذي لم نتوقع أن يكون له هذا التأثير المباشر والكبير على الناس، وأن تكون قضية خطف الأطفال التي قامت بها السيدة الحقيقية عزيزة الملقبة بـ«بنت إبليس»، والتي جسدتها ريهام عبد الغفور بشخصية نرجس، قضية حيّة وأثرها ما زال قائماً، وأن يحرك المسلسل المياه الراكدة، فيظهر الابن الحقيقي المخطوف إسلام ليرفع الصوت عالياً مناشداً بمساعدته في محاولاته المتكررة للوصول إلى أهله الحقيقيين، بعدما رفضت عزيزة البوح له باسم والدته أو من أين اختطفته.
كل الجهود التي بذلها هذا الرجل لأكثر من ثلاثين عاماً لم تفلح في إرسائه على بر الوالدين الحقيقيين، حتى جاءته الدراما بهدية لم يكن يحلم بها، خصوصاً أن المسلسل صُنع بحرفية عالية ونجح في التفوق على كل ما شاهدناه، وأثار تفاعل الجمهور والفنانين واتفق الجميع على الإشادة به، بل والانبهار بالعمل وبأداء الممثلين؛ من خلال «حكاية نرجس» ظهر إسلام ليكشف عن قصته ويواصل عملية البحث عن أسرته الحقيقية رغم أنه رجل متزوج الآن ولديه أبناء وأسرة.. وبفضل الظهور الإعلامي والبحث الأكثر عمقاً واحترافية، وصل صوته إلى ليبيا حيث تم العثور على أسرة الأم مصرية والأب ليبي ولديه عشرين من الأبناء والبنات ما بين البلدين، وبقي الشك معلّقاً ما بين تأكيد ونفي حول نسب إسلام لهم أم لا.
من لا يعترف برسالة الفن وتأثيره ودوره في المجتمع، يكون إما متهرباً من عبء المسؤولية التي يجب أن يتحلى بها طالما أنه اختار الفن مهنة، سواء كان مؤلفاً أو مخرجاً أو ممثلاً، وإما متجاهلاً لها عمداً؛ وحده الفنان الأصيل يصنع فناً حقيقياً ويعرف قدر وقيمة أثره في المجتمع.
