إعداد: محمد إبراهيم
لاشك أن إعلان القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، عن تخصيص عام 2018.. «عام زايد»، يجسد حياة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، المملوءة بالأعمال الجليلة، والإنجازات الكبرى والعظيمة، الحافلة بالعطاء الصادق، والعمل المخلص الدؤوب لما فيه خير دولة الإمارات وتقدمها وازدهارها، ورخاء شعبها وشعوب المنطقة، وجهود زايد وأدواره المهمة التي شكلت محطات نوعية تروي إنجازات أبهرت العالم.
لعل من أبرز المحطات التاريخية التي نتذكرها مع هذا الإعلان، الدور الكبير الذي قام به المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، في تشييد بيت الوحدة الخليجي، «مجلس التعاون»، وجهوده وحكمته البالغة، ومساعيه لوحدة الصف والهدف بين دول الخليج، كوسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار، وتلبية لآمال وطموحات شعوبها، من خلال تهيئة الظروف المناسبة لجعل حلم الوحدة حقيقة واقعة.
ويمثل «مجلس التعاون الخليجي»، الذي تأسس منذ 36 عاماً، في مايو/‏أيار 1981، وانطلق من العاصمة أبوظبي؛ حيث تم الإعلان عن إنشائه خلال اجتماع قادة دول الخليج الست (الإمارات، السعودية، الكويت، قطر، البحرين، سلطنة عُمان)، مظلة للوحدة وجمع الشمل في الخليج.
تحديات المستقبل
ويبلور السيناريو التاريخي لتشييد مجلس التعاون الخليجي، إيمان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بحتمية الوحدة بين دول الخليج العربية؛ لمجابهة تحديات المستقبل، وسجلت صفحات التاريخ للمغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد، والشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح أمير الكويت الراحل قصة تحويل مجلس التعاون لدول الخليج العربية من حلم إلى واقع، بداية من أول اجتماع ثنائي بينهما في أبوظبي عام 1976.
وكان لدى زايد قناعة كبرى بفوائد توحيد دول الخليج، انطلاقاً من إيمانه بما تحقق من اتحاد إمارات الدولة السبع عام 1971، الذي شكل فعلياً النواة لتكوين مجتمع خليجي عربي واحد، تتشارك دوله في العوامل التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
ورأى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، أن مجلس التعاون جاء في وقت كانت دول الخليج في أشد الحاجة إلى التنسيق والتعاون، وفق خطط مدروسة واستراتيجية متفق عليها؛ لمواجهة الأطماع والتحديات التي تحيط بالخليج، ولتجسيد آمال وطموحات شعوب المنطقة، معتبراً أن مجلس التعاون هو الدعامة الأساسية؛ لتأمين القوة الذاتية لدول المنطقة، بما يمكنها من القيام بدورها في خدمة الأمتين العربية والإسلامية، والإسهام في صون أمن وسلام العالم أجمع.
مفهوم عميق
وأكد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد عمق مفهوم الوحدة الخليجية بقوله: «نحن مشهور عنا أننا وحدويون؛ لأن إيماني بهذا المفهوم عميق الجذور، إننا نرى في الوحدة التي يجب أن تقوم بين دول وشعوب المنطقة، أن تكون وحدة بين شعوب المنطقة، لا بين حكامها، لأن الشعوب أخلد وأبقى، إننا نؤمن إيماناً مطلقاً بأهمية الوحدة بين دول المنطقة كأساس للوحدة العربية الشاملة».
إعلان أبوظبي1981، أكد الروح الأخوية القائمة بين دول المجلس وشعوبه، والسعي إلى تطوير التعاون وتنمية العلاقات وتحقيق التنسيق والتكامل والترابط، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات القائمة بين الشعوب في مختلف المجالات، وإنشاء المشاريع المشتركة، ووضع أنظمة متماثلة في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والتشريعية.
وركزت جهود ولي العهد الكويتي الراحل الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، عقب اجتماع أبوظبي 1976 على زيارة السعودية والبحرين وقطر وعُمان، مروراً باقتراح الاستراتيجية الخليجية المشتركة في مؤتمر القمة العربية ال11 في العاصمة الأردنية عمّان في نوفمبر/‏تشرين الثاني 1980.
أول لقاء خليجي
وعقد أول لقاء خليجي على مستوى القادة على هامش مؤتمر القمة الإسلامي في مدينة الطائف السعودية في يناير/‏كانون الثاني1981، الذي شهد اتفاقاً مبدئياً، وتبعته اجتماعات التحضير لوزراء خارجية دول المجلس والخبراء في كل من الرياض ومسقط في فبراير/‏‏‏ شباط، وانتهاء بالتوقيع على صيغة تأسيس مجلس التعاون في أول قمة انعقدت في أبوظبي في 25 و26 مايو/‏أيار 1981؛ بهدف تحقيق التنسيق والتكامل والترابط في جميع الميادين، وصولاً إلى الوحدة وفق ما نص عليه النظام الأساسي في مادته الرابعة، التي أكدت أيضاً تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس، انطلاقاً مما يربط بين الدول الست من علاقات خاصة، وسمات مشتركة، وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية، والإيمان بالمصير المشترك ووحدة الهدف.
وركزت المبادئ الواجب اتباعها لتحقيق الأهداف الأساسية لمجلس التعاون على المساواة في السيادة، وتسوية المنازعات بالطرق السلمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والانتماء الكامل للعروبة والتنظيمات العربية، والتمسك بسياسة عدم الانحياز، ونبذ الأحلاف والقواعد.
وشدد إعلان أبوظبي على أن المجلس إنما يعبر عن إرادة هذه الدول وحقها في الدفاع عن أمنها وصيانة استقلالها، مؤكداً التزام دول المجلس بميثاق جامعة الدول العربية والقرارات الصادرة عن مؤتمرات القمة، ودعم منظمة المؤتمر الإسلامي، والتمسك بميثاق الأمم المتحدة.
وحدة الصف قوة
وجاءت أقوال المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في«مجلس التعاون» لتؤكد أن في الاتحاد ووحدة الصف القوة التي لا يدركها الكثيرون، ومنها: أن نجاح المسيرة الاتحادية بدولة الإمارات كان حافزاً لبلورة فكرة قيام مجلس التعاون.. «لقد وضعنا في دولة الإمارات تجربتنا الاتحادية كنموذج حي لجميع الإخوة في منطقة الخليج، وتطلعنا بعد ذلك إلى الاتحاد الأكبر بين الأشقاء في المنطقة، فجاء تجاوب إخواننا بتوجهاتنا الاتحادية بمنزلة نور على نور لتحقيق آمال وطموحات شعوبنا بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية».
وقال: «انطلاقاً من إيمان الشعب العربي في الخليج بوحدة روابط الدين واللغة والعادات والتقاليد والآمال والمصير المشترك، وإدراكاً لأهمية الموقع الاستراتيجي للمنطقة، وللحفاظ على أمنها واستقرارها، سعى قادتها إلى تحقيق أماني هذا الشعب لزيادة التنسيق، وتوسيع آفاق التعاون في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، والتي توجت بقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية». وأفاد: «أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كما هو معروف عنها، عضو واحد وذات مصير واحد، فما علينا إلا أن نتماسك وأن نصون بناءنا هذا».
وقال: «بعد اتحاد الإمارات جاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية..والله يعلم ما بذلته من جهد لأجل قيام مجلس التعاون مع إخواني السعوديين والقطريين والكويتيين والبحرينيين والعُمانيين، وقد أطلعتهم على الأشياء التي وجدناها في الاتحاد والتي أردنا أن ينتفع بها إخواننا وجيراننا، سواء في السعودية أو البحرين أو الكويت أو قطر أو عُمان..والحمد لله وفقنا الله وقام المجلس واستمر، وهذا الاستمرار والبحث عما هو أفضل ليس مستنكراً؛ إذ إنه واجب على الإنسان أن يبحث عما هو أفضل».
ومن خلال إيمانه بأهمية التجانس قال: «بقدر ما أن الدول الست التي تنضوي تحت لواء هذا المجلس متجانسة ومتماثلة، سواء من حيث القرب الجغرافي أو التراث المشترك أو التركيب الاجتماعي والنظم السياسية، فإن هذا المجلس لا يشكل بأي حال من الأحوال منظمة إقليمية جديدة أو مستقلة، إنه على العكس من ذلك إضافة درع واقٍ جديد لجسم الأمة العربية، وتعزيز لجناح من أجنحة الوطن العربي المترامي الأطراف».
وأكد أن السياسة الثابتة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تقوم على رأي وموقف واحد، ولا توجد هناك تفرقة ولن تكون هناك مواقف غير لائقة؛ لأن كل شقيق يطرح بصراحة ما يؤمن به لنفسه ولشقيقه على حد سواء.
وبلورت لقاءات قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية صيانة هذا الصرح، حرصاً على أن يظل قوياً وشاهقاً؛ إذ أصبح بارزاً للمجتمعات في الخليج وللأمة العربية والإسلامية ودول العالم، ومواقف دول المجلس معروفة لدى الجميع بالبرهان والدليل، ودول الخليج لم تتردد يوماً عن تلبية أي طلب لدعم أشقائها العرب في مواقفهم، وليس هناك أي تنصل من أي التزام.
ونعى المجلس الأعلى لدول التعاون في قمته ال25 (قمة زايد) التي عقدت في المنامة في 21 ديسمبر/‏كانون الأول‏‏ 2004، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، معبراً عن عميق مشاعر الأسى والحزن، ومستذكراً رحلة حياته المملوءة بالأعمال الجليلة والإنجازات الكبرى، الحافلة بالعطاء الصادق والعمل المخلص الدؤوب لما فيه خير دولة الإمارات العربية المتحدة وتقدمها وازدهارها ورخاء شعبها، ودوره في تعزيز مسيرة المجلس، وإسهامه الكبير في تأسيسه، وما قدمه من جهد كبير لخدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية وسلام المنطقة والعالم.
كما رحب المجلس بصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، معرباً عن ثقته التامة بأن سموه سيُعزِّز بحكمته المشاركة الفاعلة لدولة الإمارات في دعم مسيرة مجلس التعاون المباركة.
تعاون متكامل
شهد المجلس العديد من مسارات التعاون بين الدول الأعضاء في مختلف المجالات، أهمها: التعاون في مجال الكهرباء والماء؛ حيث تم تنفيذ مشروع الربط الكهربائي والتزمت كل دولة مساهمة في المرحلة الأولى من مشروع الربط الكهربائي (السعودية، البحرين، قطر، الكويت) بدفع التزاماتها من باقي رأس مال هيئة الربط الكهربائي (30%) وحصتها من باقي التمويل (65%) بالطريقة التي تراها مناسبة ووفق التدفقات المالية والمواعيد التي تحددها الهيئة، ليتم تشغيل المشروع خلال الربع الأول من عام 2008.
وفي مجال التعاون الزراعي، أقرت دول المجلس السياسة الزراعية المشتركة عام 1996، وتهدف إلى تحقيق التكامل الزراعي بين دول المجلس وفق استراتيجية موحدة، تعتمد على الاستخدام الأمثل للموارد المائية المتاحة، وتوفير الأمن الغذائي من مصادر وطنية، وزيادة الإنتاج وتشجيع المشاريع المشتركة بمساهمة من القطاع الخاص.
أما في مجال التعاون الجمركي، اعتمد المجلس الأعلى في دورته الثانية والعشرين (ديسمبر 2001) النظام الموحد للجمارك لدول مجلس التعاون ولائحته التنفيذية ومذكرته الإيضاحية، وبدأ في تطبيقه اعتباراً من الأول من يناير 2002. كما قرر في دورته الثالثة والعشرين (ديسمبر 2002) بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول المجلس تجاه العالم الخارجي، اعتباراً من الأول من يناير 2003، والعمل بمتطلبات نقطة الدخول الواحدة؛ بحيث يقوم أول منفذ جمركي لدول المجلس تجاه العالم الخارجي بإجراء المعاينة والتفتيش على البضائع الواردة لأي من الدول الأعضاء بالمجلس، والتأكد من مطابقتها للمستندات المطلوبة وخلوها من الممنوعات واستيفاء الرسوم الجمركية المستحقة عليها، بحيث تنتقل السلعة فيما بعد بين الدول الأعضاء بحرية.
وتم تحديد تعرفة جمركية موحدة بواقع 5% على جميع السلع الأجنبية المستوردة من خارج الاتحاد الجمركي مع إعفاء (417) سلعة أجنبية من الرسوم الجمركية، كالسلع الضرورية الغذائية وبعض المنتجات الصحية ومستلزمات المستشفيات والمدارس، والإعفاءات الواردة في قانون الجمارك الموحد لدول المجلس كالإعفاءات الحكومية والإعفاءات الدبلوماسية.
سمات مشتركة
أقرت دول المجلس الاستراتيجية البترولية الموحدة في مجال الطاقة، انطلاقاً من السمات المشتركة لدول مجلس التعاون، واستناداً إلى الأسس التي قام عليها المجلس، التي اشتملت على تحقيق التنسيق والتكامل والترابط في جميع المجالات، كما روعي بأن تكون أهداف هذه الاستراتيجية مواكبة للأهداف الاستراتيجية لخطط التنمية المحلية في الدول الأعضاء، واستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول المجلس، التي ترتكز بشكل عام على تطوير القوى العاملة، وتحسين مستوى المعيشة وتنويع الاقتصادات الوطنية، وتوسعة دور القطاع الخاص في الدول الأعضاء، وتقليل الاعتماد على البترول كمصدر أساسي للدخل القومي فيها، وهناك العديد من مجالات التعاون الأخرى في مجال المواصلات والاتصالات والتخطيط والتنمية وتبادل المعلومات وغيرها.
وأعدت الأمانة العامة مشروع خطة عمل للشراكة الاستراتيجية بين دول المجلس وجمهورية فرنسا للفترة (2015-2018)، ويجري حالياً التواصل مع الدول الأعضاء والجانب الفرنسي للتوصل إلى الصيغة النهائية للخطة، التي تشمل التعاون في مجالات التكنولوجيا، والتدريب، والاستثمار المتبادل، والأمن والدفاع.
وفي إنجازات قطاع الشؤون التشريعية والقانونية، أولت دول مجلس التعاون، جل اهتمامها بالمجال التشريعي والقانوني؛ حيث تحققت الكثير من الإنجازات في هذا المجال من بينها جواز إعارة أعضاء النيابات العامة وهيئات التحقيق والادعاء العام للعمل لدى النيابات وهيئات التحقيق والادعاء العام بدول المجلس، وفقاً لأحكام القوانين والأنظمة الوطنية.
ومن خلال الحوار الاستراتيجي مع أستراليا، تم الاتفاق بين الجانبين على خطة العمل المشترك بين مجلس التعاون وأستراليا (2013-2016) في مايو 2013، وفي مطلع عام 2008، أعلن عن قيام السوق الخليجية المشتركة.
المواطنة الخليجية
منذ انطلاقته في عام 1981، غرس مجلس التعاون لدول الخليج العربية مفهوم المواطنة الخليجية والتنسيق في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية والثقافية والبيئية والرياضة والشباب وغيرها، ومن أهم إنجازاته خلال الفترة الماضية، اعتماد النظام الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول المجلس كقانون إلزامي في عام 2004، وقرر المجلس الأعلى في دورته الخامسة والعشرين المنعقدة بالمنامة 2004، اعتماد قانون نظام التنظيم الصناعي الموحد لدول مجلس التعاون كقانون نظام إلزامي.
خطة عمل
أقر الاجتماع الوزاري الرابع للحوار الاستراتيجي بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمملكة المتحدة في أكتوبر/ تشرين الأول‏2014، بدولة الكويت، خطة العمل المشترك بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة للفترة (2015-2018)، كخريطة طريق للتعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، التي تشمل التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارة والاستثمار، والطاقة والبيئة، والتعاون السياسي والأمني، والتعليم، والبحث العلمي، والثقافة والسياحة وتعزيز التواصل بين الشعوب.