يوسف أبولوز

أكثر من ظاهرة يمكن معاينتها عند الحديث عن صورة الشعر العربي المعاصر أو الحديث، وتحديداً منذ ريادة قصيدة التفعيلة في النصف الأول من القرن العشرين وحتى اليوم، وبالطبع، في مثل هذه المعاينة للشعر العربي بشكل عام يضع من يتولى مثل هذه الكتابة في باله ثلاثة محاور ينطلق منها وهي: محور قصيدة العمود، ومحور قصيدة التفعيلة، ومحور قصيدة النثر، ولا يغفل أيضاً قضايا تابعة لهذه المحاور مثل توقف نموّ نقد الشعر عند تجارب بعينها، أو عند ظواهر شعرية بعينها، إلى جانب قضايا أخرى تظهر تلقائياً وتباعاً، ذلك أن الشعر تجاوز، منذ زمن بعيد، كونه مادة جمالية لغوية إيقاعية موسيقية إلى كونه ثقافة قائمة بذاتها، والشعر أيضاً حقل واسع للتأمل وتدخل الفلسفة في نسيجه العام، كما يدخل التاريخ، وتدخل الأسطورة، لكن هذه المقاربات الأخيرة أي الفلسفة والتاريخ والأسطورة لها مكان آخر عند قراءة صورة الشعر العربي المعاصر، وأعتقد أن الناقد الأدبي المتخصص هو أو ينبغي أن يكون هو أوّل من ينشغل بهذه المقاربات.
نبدأ أولاً من قصيدة العمود الخليلي.. عمود الصدر والعجز منذ ما قبل الجاهلية، لكن حملة هذا العمود اليوم ماتوا أو غابوا، وأقصد بهم الأعمدة الرئيسية المعاصرة، وقبل التوسع في هذه النقطة أشير إلى أن الموت أو الغياب هو أبرز ظاهرة يمكن قراءتها عند العودة إلى التجارب الشعرية العربية الحديثة.. هذا الغياب لم يستثنِ تجربة في حدّ ذاتها، فقد غاب عدد من أعمدة قصيدة الصدر والعجز، وغاب عدد من شعراء قصيدة التفعيلة، وغاب عدد من شعراء قصيدة النثر، والملاحظ هنا، وهي ظاهرة أيضاً، أن لا أحد يعوّض أو يملأ الفراغات التي يتركها هؤلاء الغائبون، وعلى سبيل المثال، لم يظهر في العقدين الماضيين شاعر يشغل الناس كما يقولون عادة عن الشعراء الكبار المؤثرين في الشعرية العربية لكن هذا لا يعني أن ضرع الشعر العربي قد جَفّ، بل هناك أسماء شابّة تومض وتلمع في سماء القصيدة العربية، ولكن تظل هذه الأسماء في حدود الومض واللمع أو اللمعان، لكنها بالإجمال ليست «مجرّات» شعرية مثل «مجرّة» درويش على سبيل المثال لا الحصر.
أعود إلى غيابات قصيدة العمود أو قصيدة الصدر والعجز، فقد غاب محمد مهدي الجواهري 1899 - 1997 آخر من يُسمّون عمالقة العمود، لكن تجربته الشعرية لا تغيب، والجواهري سواءً اختلفنا مع بعض مواقفه أو مع بعض مدائحه ومبالغاته يبقى ظاهرة شعرية عربية هي امتداد للمجد التاريخي لقصيدة العمود، وكذلك، عبدالله البرودني 1929-1999، هو واحد من أعمدة قصيدة الصدر والعجز، وكذلك عمر أبو ريشة 1910- 1990، وغيرهم من تلك القامات التي ظلّت محافظة على الإرث الفني لقصيدة العمود، ولا ننسى أيضاً سعيد عقل 1911-2014، أكثر من عمّر في الحياة بين هؤلاء الشعراء الكلاسيكيين الذين غاب أغلبهم في التسعينات من القرن الماضي، أي قبل نحو ثلاثة عقود لم يظهر خلالها ما يمكن أن يوازي حضور الجواهري، أو البردوني، أو عقل، أو أبو ريشة.
إن أعمدة قصيدة الصدر والعجز هؤلاء كانوا في قلب المشهد الشعري العربي في النصف الأول من القرن العشرين عندما انقلبت قصيدة التفعيلة على قصيدة العمود، ولكن هؤلاء الشعراء الكلاسيكيين لم يقتربوا مطلقاً من قصيدة التفعيلة، وتالياً، لم يقتربوا مطلقاً من قصيدة النثر.
اليوم، قصيدة العمود، في قراءتها الفنية عند الكثير الكثير من شعرائها هي قصيدة نظم، وليست قصيدة شعر، هناك الآلاف من شعراء العمود، ولكن حوالي 95% من هؤلاء نظّامون. والنظم ليس شعراً. صحيح أن النظّام بارع في حبكات الوزن والعروض والقافية والبحور كما هو معروف ومتداول في قصيدة الصدر والعجز، ولكن هذه البراعة الوزنية أو العروضية لا تصنع شعراً أو لا تصنع شعرية عمودية عرفناها جيداً من خلال النماذج التي جاء بها أدونيس في مختاراته (من ثلاثة أجزاء)، فعند الكثير من شعراء الجاهلية، مثلاً، وما قبلها، شعرية عمودية إن جازت العبارة حيّة إلى اليوم.. إلى وقتنا هذا، ذلك أن الشاعر الجاهلي كان لا ينظم ولا يصنع ولا يتذهّن، بل كان يصدر في شعره عن إنسان مسكون بالحنين إلى الطلل أحياناً، وأحياناً كان صوفياً، وجودياً، إنسانياً، حلمياً، تأملياً، في ذاته ومن ذاته، وهذه التوصيفات تتناقض تماماً مع النظم الخالي من الروح.. الروح الشعرية، وليست «الشاعرية».


انقلاب


مثلما أن «النظم» هو علّة قصيدة العمود، هو أيضاً علّة قصيدة التفعيلة، فهذه القصيدة التي انقلبت على شكل العمود، وهدمت الصدر والعجز، واعتمدت السطر الشعري بعدد من الكلمات، هذه القصيدة التفعيلية ذاتها وفي حقيقتها لم تنقلب على الوزن الشعري أو على العروض الشعري، التفعيلات في قصيدة التفعيلة هي نفسها التفعيلات في قصيدة العمود، ولذلك، فإن «النظم» متوقع، بل موجود في قصيدة التفعيلة منذ بداياتها في النصف الأول من القرن العشرين، ومن يعيد قراءة بدر شاكر السياب الآن، أو يعيد قراءة نازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتي في تجاربهم الريادية المبكرة، يكتشف أن شعرهم ذاك الموزون المقفّى هو في روحه شعر عمود، وإن كان اعتمد السطر الشعري بدلاً من الصدر والقافية.
هذه قضية طويلة، لكنها ليست معقدة، وتحتاج إلى بحث منفردة، ولكن اليوم ترهّلت الكثير من قصائد التفعيلة، ووقع الكثير من شعراء التفعيلة في التكرار والنمطية و«النظمية»، بل إن بعضهم عاش إلى اليوم على مجد قصيدة بعينها وبعد ذلك نام نومة أهل الكهف، مثل الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي الذي صمت تماماً، ولم يكتب قصيدة واحدة في مثل شعرية قصيدته المعروفة «طردية» ومنها:
هو الربيعُ كانَ
واليوم أحدْ
وليس في المدينةِ التي خَلَتْ
وفاح عطرها سواي
قلتُ: اصطاد القطا..
إلى أن يقول في نهاية القصيدة:
عَدَوْتُ بين الماءِ والغيمةِ،
بين الحلم واليقظة،
مسلوب الرَّشَدْ
ومذْ خرجتُ من بلادي.. لم أعُدْ»
ليس عبدالمعطي حجازي وحده من صمت، وعاش على صيت قصيدة أو قصيدتين أو مجموعة أو مجموعتين، فهذه ظاهرة أخرى، فقبله صمت محمد الفيتوري صاحب «ابتسمي حتى تمرّ الخيل»، واليوم صمت حسب الشيخ جعفر صاحب «زيارة السيدة السومرية»، وإلى ظاهرة الصمت، هناك كما قلنا ظاهرة الرحيل أو ظاهرة الموت، التي هزّت قصيدة التفعيلة هزّة عنيفة، وذلك بغياب: محمود درويش، بلند الحيدري، عبدالوهاب البياتي، صلاح عبدالصبور، أمل دنقل، ممدوح عدوان، علي الجندي، حبيب الصايغ، حبيب الزيودي، جوزيف حرب، محمد القيسي، محمد الثبيتي، محمد الطّوبي، سميح القاسم، عبداللطيف عقل، غازي القصيبي.
تخلّصت قصيدة التفعيلة من كلاسيكية الشعر العمودي، عملياً، في السبعينات و الثمانينات من القرن العشرين، وفي رأيي الخاص أن هذين العقدين هما عقدان ذهبيان لقصيدة التفعيلة. إن شعراء السبعينات والثمانينات وبخاصة في العراق، وسورية، ولبنان، والأردن وفلسطين، ومصر، ودول الخليج العربي كانوا قد تخلصوا من ذلك «التابو» السلطوي الذي كان يمثله شعراء الريادة في الأربعينات والخمسينات، كما أن شعراء الستينات في هذه البلدان كانوا أشبه بحلقة وصل بين شعراء الريادة وشعراء حداثة السبعينات والثمانينات، وفي ضوء ذلك، أرى أن الظاهرة الشعرية العربية السبعينية والثمانينية لم تقرأ جيداً، بل لم تقرأ إلا في حدود الأقل من القليل، وهذا يعود إلى ظاهرة (توقف نموّ النقد الأدبي) وبخاصة نقد الشعر عند أسماء بعينها: أدونيس، درويش، البياتي، عند هؤلاء الشعراء وعند هذه الظواهر مثل شعراء الجنوب، وشعراء المقاومة الفلسطينية توقف نموّ النقد الأدبي للشعر، وأسوأ من ذلك، دخلت السياسة على خط الشعر، إذ جرى تسييس بعض الشعراء و«استخدامهم» كمطايا لبعض الأحزاب والمؤسسات السياسية التي كانت توظف نقاداً بأعينهم، وتوجههم إلى تلميع شاعر بعينه حتى لو كان من الدرجة الثالثة لمجرّد أنه ينتمي إلى حزب سياسي معيّن، وإلى جوار ذلك، بالطبع كانت السلطات الرسميّة توظف هي الأخرى شعراءها، وتلمّعهم لمصلحة البلاطات أو لمصلحة الأحزاب الأحادية التي تمسك بزمام الدولة.
هذا جانب كئيب من صورة الشعر العربي في اللحظة التي يكون فيها الشاعر قد باع نفسه أو «بيع» إلى حزب أو إلى أيديولوجية بعينها أو إلى سياسة بعينها، فيفقد بذلك حرّيته وكينونته، ويتحول إلى تابع أو ذيل، وبالطبع، بعيداً عن كل ذلك، هناك شعراء عرب مستقلّون، نأوا بأنفسهم عن كل هذا الاستغلال، وهؤلاء وجدوا التكريم والاحترام من جانب عدد من الجوائز الأدبية المحترمة النزيهة التي كرّمت الإبداع - لعين الإبداع وليس لأي غرض آخر.


خواطر ميتة


لأن قصيدة النثر متحرّرة كلياً من الوزن والعروض وبحور الخليل بن أحمد الفراهيدي ظن الكثير من كتّابها أنها سهلة الكتابة، ولذلك هبّ ودبّ في هذه القصيدة الآلاف من «الشعراء».. ونضطر هنا أن نضع كلمة شعراء بين قوسين.. لكن رموزها المقروءة هي رموز محدودة، وعندما غابت تركت تراثاً محدوداً لهذا من النوع من الشعر الذي يمتلك عالمه الموسيقى الداخلي مثل: أنسي الحاج، وسركون بولص، وأحمد راشد ثاني (الذي كتب القليل من شعر التفعيلة وتوجّه نهائياً إلى قصيدة النثر)، وأمجد ناصر. بعض شعراء قصيدة النثر صمتوا هم الآخرون، أما قضية «النظم» إذا أخذناها بمعنى مجازي، سنجد أن النظم أيضاً تسلل إلى قصيدة النثر، ونقصد ب «النظم» هنا الميوعة اللغوية، والإنشائيات المبتذلة، والخواطر الميّتة.. وهذا كله دخل إلى مدينة قصيدة النثر التي ليس لها أبواب إذا اعتبرنا الأبواب هنا هي الوزن والعروض والبحور.