ما من نهر يعود أو يُعاد إلى المنبع، حتى لو اعترضت مجراه السدود، لكنه في النهاية لابد أن يجد بحراً يصب فيه، وكذلك الحرية، فهي ليست مطلقة، لأنها تنتهي عندما تلامس حرية الآخرين، لكن بعض المجتمعات التي عانت فائض الكبت ولزمن طويل تمر بحالة تخلط حابل الحرية بنابل الفوضى وكأنها تسدد مديونية تراكمت، وأضاف إليها التاريخ نسبة من الرِّبا.
والحرية رأسمال روحي لابد أن يجد المجال الحيوي الذي يتمدد فيه، فهي لا تطلب لذاتها فقط وبمعزل عن أساليب استخدامها. أما المجتمعات التي ترقبت فجر الحرية بعد ليل طويل فهي حتماً ستمر بنوبة تفقدها التوازن، بحيث يسيء بعض الأفراد منهم هذا المطلب الإنساني النبيل، ويريدون للحرية أن تصبح سوفسطائية وبلا حدود، بحيث يكون الفرد مقياس الخطأ والصواب والحق والباطل.
ومن قال إن النهر لا يمكن قطعه مرّتين، كان يعني ما هو أبعد من هذه العبارة التي تتكرر في أيامنا بمعزل عن سياقها، ذلك لأن ماء النهر الجاري يتغير بسرعة البرق، وهذا ما يحول دون تكرار عبوره.
لقد كانت الحرية منذ بواكير الفلسفة أحد أهم الأقانيم، لا يعادلها غير الحياة ذاتها، وإن كانت أحياناً تتفوق على الحياة لأن هناك من يموتون في سبيلها، وحين تقترن الحرية بالمسؤولية فذلك من جوهرها وليس طارئاً عليها، لأنها إذا تجاوزت الحدود تتحول إلى فوضى من طراز تلك التي بشر بها «باكونين» وأتباعه، وعندئذ تسود العدمية وتسقط منظومة القيم كلها.
ومن أقسى ما كتب عن الحرية، ما قاله الفلاسفة الوجوديون، وهو أن الحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يريد، بل أن يفعل ما لا يريد، إذا تطلب ذلك الموقفان التاريخي والأخلاقي لأن الحيوان فقط هو الذي يفعل ما يريد بلا أية كوابح.
ولعله من طبيعة هذا الكون ونواميسه الأبدية أن كل إفراط يؤدي بالضرورة إلى تفريط، فالإفراط في الملذات ينتهي إلى تفريط بالعافية، والإفراط في الأنانية يؤدي إلى تفريط بكل أشكال الانتماء، وإذا كان النهر لا يعود إلى المنبع فإنه يبحث عن مصب وكذلك الحرية.

خيري منصور