تعوّدنا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على المبادرات ذات الصدى العميق والواسع على المستوى الدولي، فلا ننسى مبادراته التي أسست لتطوير حكومة دولة الإمارات وتحولها من التقليدية إلى الذكية والابداعية والشبابية، وإن جهد سموه في تطوير العمل الحكومي ومأسسته جعل المختصين بالتطوير والإبداع والابتكار ينتظرون مبادرات سموه يوماً بعد يوم ويشاركون في الفعاليات المختلفة التي أعطت الفرصة للمشاركة والاحتكاك والاستفادة من التجارب في جميع المجالات، وهو ما جعل الإمارات الأولى عربياً في جذب الأفكار وخلق الفرص لتصبح دولة الحلم للشباب الطموحين في جميع المجالات.
وآخر ما أطلقه سموه هو تشكيل مجلس القوة الناعمة لترسيخ مكانة الدولة عالمياً، هذا المصطلح وبحسب اطّلاعي لم تقم أي دولة في العالم بتأسيس أو إنشاء أو تشكيل جهة مختصة فيها، ولا يخفى عليكم التساؤلات والمقالات التي تتحدث عن القوة الناعمة اصطلاحاً. ولعل كتاب جوزيف ناي أجاب على كل هذه التساؤلات نظرياً باعتباره المنظّر لهذا المصطلح والذي عرّفه بأن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتّباع مصادره.
ولعل ما قام به سموه خير دليل على الاستفادة من العلوم والنظريات ومأسستها وتطبيقها في حال توافقها مع متطلبات ومصلحة الدولة العليا، فبعد 46 سنة من تأسيس الدولة وترسيخ دعاماتها المادية وبناها التحتية، حان دور الدعامات المعنوية والروحانية وهي الضمان لبقاء هذه المنجزات على ارض الواقع بل وتدعم وجودها وتطورها لتحقيق سمعة مستدامة تكسب قلوب الناس وعقولهم معاً.
يرتكز مجلس القوة الناعمة على عدة أسس تحدد عمله وأهدافه تعزز سمعة ومكانة الإمارات إقليمياً وعالمياً وترسيخ احترامها بين الشعوب، وأن تأثير مجلس القوة الناعمة سيتناول جميع المجالات، ففي السياسة تؤمن الإمارات بأن تواصل الأمم والشعوب مبدأ سامٍ، وشرط أساسي لضمان استقرار العالم ورخائه وازدهاره ولعل ما يقوم به فارس الدبلوماسية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، خير شاهد على الجهود المبذولة لجعل الدولة أكثر قبولاً على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي والشعبي.
إن القوة الناعمة بمفهومها المطروح في الإمارات سترسخ سمعة عالمية تخدم مصالح شعب الإمارات على المدى الطويل، لأنه خلال السنوات الماضية وفي خضم المتغيرات الإقليمية والدولية أثبتت بما لديها من القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والإنسانية، بأنها مؤهلة ومستعدة لبناء منظومة للقوة الناعمة لتكون محور تحول في مأسسة النظريات والأخذ بجرأة تطبيقها على أرض الواقع.
أخيراً، فإن الأصل في التأثير والتأثر هو مدى قوة التواصل الإنساني وتوضيح مدى رحابة صدرك وتقبلك للآخر مهما كانت ثقافته، بشكل يجعلك قِبْلةً يتجه إليها كل شعوب العالم ويجعل من نموذجك الناجح مثالاً يُدرّس في المناهج العلمية كظاهرة فريدة ومميزة أمام منظّري العلوم الإنسانية والاجتماعية.
عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة