الشارقة: محمد ولد محمد سالم

تتدفق قصيدة «أنا العبد» للإمام الصرصري بإيقاع عذب سلس، ولغة شعورية حارة نابعة من قلب مؤمن أحس بتماديه في الغفلة وانكوى بالخوف من عقاب ربه، فانتبه لنفسه وبدأ يناجي ربه معترفاً بذنبه، مستحضراً موقف الحساب، ومستحثاً نفسه على العمل الصالح، ويشكل التنويع الأسلوبي في القصيدة عاملاً مؤثراً يتواشج مع المعاني الروحية والابتهالات التوسلية المبثوثة داخلها ما يجعلها قصيدة مؤثرة في سامعها.
الإمام الصرصري هو جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف الأنصاري البغدادي الصرَّصري الحنبلي الصوفي، عرف بالصرصري نسبة إلى صرصر، مدينة بالقرب من بغداد، على نهر سمي باسمها، ولد سنة 588ه، ونشأ على طلب العلم منذ صغره، حيث سمع الحديث، وتعلم الفقه، ثم درس العربية وبرع فيها، حتى قيل إنه حفظ صحاح الجوهري كاملة، ونبغ في نظم الشعر حتى أصبح من أعلامه الكبار، قتله التتار حين دخلوا بغداد 656ه، وحمل إلى صرصر فدفن فيها، ويعد من أكثر الشعراء المجيدين في المديح النبوي.
تتحرك قصيدة «أنا العبد» على أربعة مقاطع كبرى هي الاعتراف بالذنب والحسرة عليه، ثم الخوف من موقف الحساب وعقاب الله، ثم حث النفس على الإحسان في العمل، ثم الطمع في مغفرة الله، ويبدأ قصيدته بتكرار متدفق لعبارة «أنا العبد»، تأكيداً على إحساسه الراسخ بعبوديته لله، وإحساسه بأنه اقترف ذنباً كبيراً عندما خالف أوامر الله، لأنه ما دام عبداً فلا يجوز أن يخالف أمر ربه، وتأتي الاعترافات متوالية عبر تلك التكرارات، فهو قد كسب الذنوب واقترف المعاصي، وحالت الأماني بينه وبين التوبة، فحري به أن يحزن على فعلته، وأن يصاب بالكآبة، فقد ملئت صحائفه بالذنوب الكثيرة التي لم يراع فيها أن عليه من الله رقيباً يدون كل ما يفعله، يحصي عليه حركاته، وسكناته،، وهو الذي لم يرع الشباب ولا المشيب فأضاع عمره سادراً في غيه، وأنفق أثمن شيء منحه الله إياه في معصية الله، فأصبح غريقاً في بحر من المعاصي التي تطوق عنقه، ولا يجد منها مناصاً، وأصبح مريضاً ضعيفاً بما تلبست به روحه من المعاصي، ويبحث عن الطبيب الذي
يداويه، وبسبب كل ذلك تخلف بعيداً، وأقصي من زمرة أهل الإيمان الصلحاء الذين أخذوا من كل معروف بنصيب، ورفعوا لواء الإيمان عالياً، بما بذلوه من طاعات لله تبارك وتعالى، وها هو اليوم شريد ضال، لكنه مع ذلك قد وافى باب ربه، وهو الرجاء والأمل، معترفاً تائباً راجياً مغفرته، يقول الشاعر:
أنا العبد الذي كسب الذنوبا
وصدته الأماني أن يتوبا
أنا العبد الذي أضحى حزينا
على زلاّته قلقاً كئيبا
أنا العبد الذي سُطِرت عليه
صحائف لم يخف فيها الرقيبا
أنا العبد المُسيء عصيت سرا
فما لي الآن لا أُبدي النحيبا
أنا العبد المُفرّط ضاع عمري
فلم أرع الشبيبة والمشيبا
أنا العبد الغريق بلُجّ بحر
أصيح لربما ألقى مجيبا
أنا العبد السقيم من الخطايا
وقد أقبلت التمس الطبيبا
في تلك الحالة من الإحساس بثقل الحمل تتوارد على الشاعر خواطر الحسرة والندم على ما اقترفته يداه من ذنوب، ويتأسف على العمر الذي ضاع منه هدراً، ولم يجمع فيه من شيء سوى الذنوب، ويحزن على آخرته عندما يموت فتبدو له صحفه بعرض الأرض والسماء، والنار قد أشبّت، وزفرت غيظاً، ولم يبق إلا أن يقذف به فيها، يقول:
فوا أسفي على عمر تقضّى
ولم أكسب به إلا الذنوبا
وأحذرُ أن يعاجلني ممات
يُحِير لهول مصرعه اللبيبا
ويا حزناه من حشري ونشري
بيوم يجعل الولدان شيبا
تفطرت السماء به ومارت
وأصبحت الجبال به كثيبا
إذا ما قمت حيرانا ظميئا
حسير الطرف عُرياناً سليبا
ويا خجلاه من قبح اكتسابي
إذا ما أبدت الصحف العيوبا
وذِلة موقف وحساب عدلٍ
أكون به على نفسي حسيبا
ويا حذراه من نار تلظّى
إذا زفرت فأقلقت القلوبا
ويخرج الشاعر من ذلك موقف الحسرة ذلك منادياً نفسه، وقد جرد منها مخاطباً، ومحذراً لها أن يتوب، ويقلع عن المعاصي ويجتهد، وأن يقبل صادقاً على الله، ويبتغي عفو الكريم الذي يقبل التوبة ويغفر الزلة، وأن يتخذ من الصالحين خلاناً يدلونه على الخير، ويعينونه على الطاعة، ويسترسل الصرصري في تلك النصائح مستحثاً نفسه إتيان الطاعات، مستعيداً من جديد نبرته الإيقاعية السلسلة، مع تكرار أفعال الأمر «أقلع، وأقبل، كن، كن، لاحظ»، لينتهي إلى استجداء عفو الله الكريم، وطلب مغفرته، مستيقناً أنه سوف يستجيب له، لأنه كريم لا يسد بابه دون راجيه، يقول الصرصري:
فيا من مد في كسب الخطايا
خطاه أما لك أن تتوبا
ألا فاقلع وتب واجهد فإن
رأينا كل مجتهد مصيبا
وأقبل صادقاً في العزم واقصد
جناباً للمنيب له رحيبا
وكن للصالحين أخاً وخلا
وكن في هذه الدنيا غريبا
وكن عن كل فاحشة جبانا
وكن في الخير مقداماً نجيبا
ولاحظ زينة الدنيا ببغضٍ
تكن عبداً إلى المولى حبيبا