تعتبر رابعة العدوية من أشهر المتصوفة في تاريخ الإسلام، وفي العصر العباسي تحديداً؛ ذلك أنها أفنت معظم حياتها في حضرة الحب الإلهي، وقد أحيت رابعة ليلها بالتهجد والمناجاة، ونهارها بالذكر، فكانت تحضر حلقات المساجد والأذكار والوعظ، واستعملت كل ذلك في مجاهدة النفس والسمو بها إلى أعالي الإحساس بملكوت الله -جل جلاله- وأطلقت تعبيراتها لتصور تلك الحالة الخاصة المتفردة التي استغرقت من خلالها في عبادتها لربها، ومحاولة الوصول إلى مراقي العرفان والعبودية الحقة، وكان مما يؤثر عنها في مناجاتها لربها، وزهدها في كل من سواه، وانقطاعها للعبادة، أنها كانت تقول حين يأتي الليل: «إلهي هدأت الأصوات وسكنت الحركات، وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك أيها المحبوب، فاجعل خلوتي منك في هذه الليلة عتقي من النار».
ومن كلامها المأثور عنها، والمعبر عن حالة الحب الإلهي التي عاشتها ودعت إليها نثراً وشعراً قولها: «محب الله لا يسكن أنينه وحنينه حتى يسكن مع محبوبه»، وهذه الحالة الشخصية التي تفيض بالصدق عكستها رابعة أيضاً في شعرها الذي جسد بامتياز ووضوح علاقتها الخاصة بربها وتبتلها إليه، ودعواتها له وحبها له، في أشعار عديدة تنسب لها ومن بينها، بل ربما من أشهرها قصيدتها التي مطلعها: «عَرفتُ الهَوَى مُذْ عَرَفْتُ هَوَاكَ/ وأغْلقْتُ قَلْبِيَ عَمَّنْ سِوَاكَ»، وتعتبر تلك القصيدة من أشهر قصائد العشق الصوفي، وأكثرها انتشاراً وتداولاً، وهي فيها تناجي ربها، وتجسد ما يضطرم في قلبها من حالة صوفية خاصة ومتفردة.
وفي هذا البيت الشعري تناجي ربها، باعتباره حبيباً ورباً في ثنائية منسجمة لا ترى فيها رابعة تناقضاً، ذلك أن حالة الوله الصوفي، والابتعاد عن عالم الحسيات والتمثيل المحدود تأخذها بعيداً لتجريد معاني الحب، وإلباسه صفة تليق بالله العظيم المحبوب.
وهي توضح بأنها قد أغلقت قلبها عن الخلق، وأشرعت أبوابه ليسلك طريق معرفة الله المؤدية بحسب المتصوفة إلى الوصول لحالة العشق، ذلك العشق المتفرد لله وبالله، وتحاول الشاعرة رابعة العدوية هنا أن تصنع مفهوماً يبين مدى وفائها وتعلقها، من خلال ذلك البيت الشعري بعشقها الإلهي.
وقد لا يستبين القارئ للقصيدة للوهلة الأولى أنها موجهة لأعظم محبوب وهو ربنا جل جلاله؛ لأن الكلمات لا تؤشر مباشرة إلى ذلك، وكأن العدوية تريد لقارئها أن يدخل رويداً رويداً إلى أكناف عالم عظيم لا مثيل له، فهي تقوده إلى مدارج تلك الدهشة تدريجياً، ثم تبدأ الإفصاح عن ذلك الحب الرباني المختلف تماماً عن الحب العادي في بيتها الثاني حين تقول:
وكنتُ أناجيكَ يا مَنْ تَرَى
خفايا القلوبِ ولسْنا نَرَاكَ
فصفات المناجاة الخاصة بالله تختلف بشكل بين، كما هو وارد في ذلك البيت، وتفصح عن طبيعة ذلك الحب الإلهي المتميز، ذلك الحب للمحبوب الذي ليس كمثله شيء، وهو الذي يرانا ولا نراه، ويرى ما يعتلج في قلوبنا مما لا يمكن أن يطلع عليه غيره.
وتمضي رابعة في تحليقها في عالم المحبة الفريدة؛ إذ تحاول تجسيد تلك الخصوصية الموجودة في محبتها للإله حين تقول:
أحبّكَ حُبَّينِ حُبَّ الهَوَى
وحُبّاً لأنكَ أهْلٌ لِذَاكَ
فَأمَّا الذِي هُوَ حُبّ الهَوى
فشُغْلِي بذكرِكَ عمَّنْ سِوَاكَ
وأمَّا الذِي أنْتَ أهْلٌ لَهُ
فكَشْفُكَ لِي الحُجْبَ حتَّى أرَاكَ
والحب في هذا المقطع الشعري ذو طبيعة مزدوجة، فهو حب الهوى لكنه ليس ذاك الهوى المحيل للنزوات أو الرغبات، بل هو هوى يحيل صاحبه إلى الاشتغال بذكر المحبوب عمن سواه، أما النوع الثاني من الحب فهو حب أسمى من كل ذلك؛ لأنه حب يحاول أن يكون أهلاً للمحبوب الله، إنه حب بعد معرفة ووصول إلى أسمى مقامات شهود الله في كونه وخلقه وحكمته، وهو لذلك تخطى كل الحجب، وبات في مرتبة الإحسان التي هي من أرفع مراتب العبادة لله، والتي قيل عنها: أن تعبد الله كأنك تراه.
ولا تترك رابعة قارئها في تلك الحالة التي يمكن أن يتيه فيها أمام عظمة ذلك الحب ولا نهائيته، فهي تقرر أن تهبط به بسلام، وبأمن وحمد تامين لله حين تنسب الفضل في كل ذلك الحب وبأنواعه لله -تبارك وتعالى- في بلوغ لمرتبة الحمد والرضا بما يقدره الإله، وما يلقيه في قلوب عباده من محبة له وطمأنينة بتلك المحبة حين تقول:
فلا الحَمْدُ في ذَا وَلا ذَاكَ لِي
ولَكنْ لَكَ الحَْمدُ فِي ذَا وَذَاكَ
ويلاحظ أن الشاعرة استخدمت بعض الصور المجردة غير الحسية لتقوية المعنى الذي تريد توصيله للقارئ، وذلك رغم استخدامها أفعالاً وتعبيرات تنتمي إلى مجال الرؤية والإدراك الحسيين في لفظ (أراك)، وفي جملة (كشفكَ لِي الحُجْبَ)، وهي في ذلك التوصيف تدخل في إطار إجادة التماهي بين عالمي الواقع والشهود التصوفي الخاص، وتوظيف خاص للرمز بطريقة يختص بها تقريباً كل الشعر الصوفي، سواء كان لرابعة أو غيرها.
ويمكن القول إجمالاً، إن قصيدة رابعة العدوية تلك تعتبر حالة تصويرية فريدة في مجال أشعار الحب الإلهي؛ ذلك أنها استمدت كل خصائصها الفنية المشار إليها من صدق إحساس صحبتها مع الله، ومن إخلاصها له، ومن تواضعها وتذللها له، انطلاقاً من فهمها لمعنى العبودية لله، وكذلك من سعيها الحثيث للوصول إلى أعلى مرتقى في المعرفة الربانية.