تاريخ المكتبات الإسلامية هو في الواقع تأريخ للفكر الإسلامي في مسيره ومصيره، ذلك لأن الدور الذي لعبته المكتبات في تاريخ الحضارة الإسلامية خطر، ولا يوجد مصنف خاص يؤرخ للمكتبات في الأندلس يمكن الاعتماد عليه في إعادة كتابة تاريخ تلك المؤسسات، ولذا فقد اعتمد د. رضا سعيد مقبل في كتابه الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «تاريخ المكتبات في الأندلس» على المصادر التي تعالج تاريخ الأندلس، وكذا كتب الطبقات والتراجم والمعاجم الجغرافية، إضافة إلى المراجع الحديثة التي تتناول تاريخ وحضارة الأندلس، علاوة على المؤلفات في مجال المكتبات من كتب عامة ومقالات، وذلك كله للتعرف إلى جوانب النهضة المكتبية في الأندلس، بقدر ما تسمح به المصادر والمراجع المتاحة، وما يمكن التوصل إليه من الاستنتاجات مع مراعاة عدم تحميل النصوص أكثر مما تحتمل.
أوضحت الدراسة أن المسلمين في الأندلس قد أولوا تلك المؤسسات الثقافية ما تستحقه من العناية والاهتمام، وكان ذلك ثمرة من ثمرات الإسلام وحضه على العلم ونشر المعرفة، وانتشرت المكتبات بأنواعها المختلفة، وحرص الأندلسيون على تزويدها بالكتب القيمة وتوفير المخصصات المالية لذلك، كما اعتنوا بتنظيم تلك المكتبات تنظيماً دقيقاً ليسهل الاستفادة من مجموعاتها، ولعل في ذلك باعثاً في العصر الحالي لتقصي آثار السلف في العناية بالمكتبات والاهتمام بها.
من أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن الأندلس عرفت أنواعاً متعددة من المكتبات، فقد وجدت بها المكتبات الخلافية والخاصة والعامة، والملحقة بالمساجد والمدارس، وتأصلت هواية جمع الكتب في نفس الشعب الأندلسي كله حكاماً ومحكومين، كما أن المكتبات الخاصة كانت أول أنواع المكتبات في الأندلس ظهوراً وأكثرها انتشاراً، بحيث لم يشتهر إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية بما فيه من مكتبات خاصة، بقدر ما اشتهرت به الأندلس، وخرجت منها المكتبات العامة ومكتبات المساجد من خلال نظام الوقف الإسلامي.
توضح الدراسة أن الأندلسيين كانوا يهتمون بمباني المكتبات وتجهيزاتها المناسبة، وقد زودوها بالكتب القيمة، ووفروا لها الميزانيات الملائمة، كما فطنوا إلى أن الإشراف على المكتبة ليس عملاً إدارياً فحسب، وإنما هو عمل علمي في المقام الأول، ولذا فقد كان يختار المشرف على المكتبة من مشاهير العلماء والأدباء، وكانت مهنة العمل في المكتبات من الوظائف الكبرى في الأندلس.