الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عبدالرحمن المعيني.. الوجه خريطة الروح

12 مايو 2026 15:03 مساء | آخر تحديث: 12 مايو 16:31 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عبدالرحمن المعيني.. الوجه خريطة الروح
عبدالرحمن المعيني.. الوجه خريطة الروح
icon الخلاصة icon
عبدالرحمن المعيني يمزج الحداثة والتراث بتفكيك الوجوه وإعادة تركيبها رمزياً عبر خطوط متداخلة وزخارف إماراتية تحاكي الروح والذاكرة
الفنان عبدالرحمن المعيني واحد من الفنانين أصحاب الأسلوب الفني الخاص الذي يمزج بين الحداثة والجماليات المحلية التراثية، ويُوظف الأدوات التجريدية والهندسية التي تميز أسلوبه العام ليخلق رؤية بصرية تعتمد على «التفكيك وإعادة التركيب»، مما يمنح البورتريه ديناميكية تعبيرية تجعله يبدو حياً ومتجدداً في وعي المتلقي.
من أبرز لوحات المعيني تلك التي تحمل اسم «وجوه»، وهي عبارة عن رؤوس نسائية متداخلة بطريقة تعبر عن الأسرار الداخلية والخارجية للعقل والجسد، وتركز على غموض وجمال المرأة. وذلك يشير إلى ذروة أسلوب المعيني «التفكيكي»؛ إذ لا يتعامل مع الوجه ككيان منفرد، بل كجزء من نسيج بصري معقد ورؤية فلسفية للفنان. تداخل الرؤوس في اللوحة يعكس فكرة «الوجوه المتعددة» للإنسان الواحد، أو تداخل الأرواح والذكريات؛ فالفنان لا يرسم ملامح خارجية بقدر ما يرصد الصراعات أو الحالات الذهنية التي تتشابك داخل الشخصية. ولأن الوجوه الظاهرة في العمل جميعها نسائية، فهي تشير إلى فكرة الجمال الذي لا ينبع من الوجه فقط.

*انسيابية


يستخدم المعيني في اللوحة خطوطاً انسيابية تربط رأساً بآخر، ما يخلق نوعاً من الوحدة العضوية. هذا التداخل يجعل اللوحة تبدو وكأنها تتحرك؛ حيث تنتهي ملامح وجه لتبدأ ملامح وجه آخر في المساحة اللونية نفسها، وهذا الأسلوب مستلهم من فكرة التكرار واللانهاية؛ إذ تتحول الرؤوس المتداخلة إلى وحدات زخرفية تملأ الفراغ، ما يحول البورتريه من مجرد صورة شخصية إلى نقش فني. كما يهدف المعيني من خلال هذا التداخل إلى إشراك المشاهد؛ ففي كل مرة ينظر فيها المتلقي إلى اللوحة، قد يكتشف وجهاً جديداً لم يلاحظه من قبل نتيجة تداخل الخطوط، وهو ما يطلق عليه «لعبة التكوين»؛ وهذا النمط هو ما يمنح العمل طابعاً حداثياً.
عبدالرحمن المعيني
عبدالرحمن المعيني

ولعل فكرة تداخل الرؤوس التي لجأ إليها المعيني تمثل رغبةً منه في الابتعاد عن التصوير التقليدي، بطريقة يحشد معها اللوحة بالأفكار؛ فهذه الوجوه تظهر وكأنها تنبثق بعضها من بعض، مما يوحي بتعدد طبقات الشخصية الإنسانية، أو حالة من الحوار الداخلي الصامت بين الذات وأقنعتها المختلفة. تتركز تفاصيل الوجوه وتداخلاتها في قلب اللوحة بكثافة لونية عالية، ثم تميل الخطوط إلى الانتشار نحو الأطراف، مما يعطي إحساساً بأن هذه الرؤوس في حالة نشوء مستمر وتجدد.

*تفاصيل


اللوحة تعبر كذلك عن التراث الإماراتي، وتحتشد بالرموز والتفاصيل التي يمكن للناظر أن يلتقطها من خلال التأمل العميق؛ فنجد مثلاً أن فكرة تكرار رسم «العين» داخل ثنايا الوجه والزخارف تحمل العديد من الدلالات التراثية والفكرية؛ فهي في العمل ترمز إلى المراقبة والبصيرة، وليست مجرد عين عضوية بقدر ما هي عين الروح التي ترى ما وراء الواقع، وتربط الإنسان ببيئته وجذوره.
كما أن هناك بعض التفاصيل الخاصة بالهوية والتراث من أزياء وحلى؛ مثل «الخزام» الذي يُوضع في الأنف، والزخارف الذهبية؛ وذلك التوظيف هو استحضار مباشر للمرأة الإماراتية القديمة، بما يرمز للتمسك بالهوية في مواجهة موجة الحداثة. فالذهب في العمل غالباً ما يشير إلى تقدير الموروث الشعبي والتعامل معه ككنز جمالي، أما المساحات المليئة بالنقوش الدقيقة فوق الرأس فتشبه نسيج السجاد أو «السدو». وترمز هذه العناصر إلى الترابط والصبر؛ إذ إن النسيج يحتاج إلى دقة ووقت، كما أن الأنماط الدائرية في الخلفية ترمز إلى ديمومة واستمرار الحياة، وكأن هذه الوجوه تخرج من رحم دوامة زمنية مستمرة. ولعل الملاحظة الأبرز في هذا العمل هي تلاقي التراث بالحداثة في اللوحة بتوظيفات رمزية مختلفة، تجعل المشاهد في حالة تأمل وتفكير مستمر حول الدلالات والمعاني الرمزية؛ إذ إن اللوحة ليست مجرد «بورتريه» بقدر ما هي خارطة بصرية للروح والذاكرة، حيث يحكي كل نقش صغير قصة من التراث.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة