الشارقة: عثمان حسن

حضر المكان في كثير من القصائد العربية، بوصفه مؤثراً وحاملاً لهواجس الشاعر وذكريات طفولته وشبابه، وبوصفه أيضاً حاملاً لتداعيات كثيرة تنطق من خلالها القصيدة، فتبني عوالم شعرية فياضة، المكان هنا، حامل لكثير من الأحداث والوقائع من جهة، ومن جهة أخرى فهو قائم في بنية القصيدة، فيحملها النص وصفاً وجماليات وفضاءً يؤثث من خلاله الشاعر قصيدته بكل ما أوتي من قوة بلاغية وصور وأفكار وجماليات عدة.
بغداد واحدة من المدن التي حضرت عند كثير من الشعراء، ومن بينهم الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، حيث يقول:

لا درّ درّك من ربوع ديار
                                   قُرْبُ المزار بها كبُعْد مزار
يهفو الدّوار برأس من يشتاقها
                                   ويصابُ وهو يخافها بدوار

في الأبيات السابقة، تحضر بغداد كمدينة تستحق التذكر والاشتياق، كما تحضر كمدينة ساحرة فاتنة، كما لو أنها طيف يشبه الحدائق الجنان، كما تحضر بوصفها مدينة ظلت شامخة تفيض حرية وكبرياء، وهي أيضاً مدينة تاريخية وأرض عابقة بالآثار، وكانت مهداً للحضارات.
يوثق كثير من النقاد والكتاب شغف محمد مهدي الجواهري وسر انجذابه لبغداد، فيصفون كيف أن هذا الشاعر النجفي، قد سُحر بهذه المدينة حين زارها طفلاً لأول مرة، فصار يتحدث عنها ليلاً ونهاراً، ويصفها بأجمل الأوصاف، كما لو أنها اكتشاف جديد يعادل اكتشاف كريستوفر كولومبس لأميركا، وكيف أنها مدينة مليئة بالأسواق والبضائع المعروضة والنساء الحسان وغير ذلك.
وأكثر من ذلك، ظلت بغداد المدينة حلماً يراود الشاعر، ولا تنفك تلاحقه فيتذكر ما فيها من أمكنة، فها هو يحضر دجلة ذلك النهر العظيم، كما يحضر «الكرخ» و«الرصافة» وهي في هذا وذاك تظل تلك المدينة التي لا تنسى تراود الشاعر في حله وترحاله، والتي لن يفضل عنها مدينة أخرى، فيتمنى لو أنه يعيش فيها إلى الأبد. كما يظهر ذلك في قصيدته التي عنوانها «في بغداد» التي كتبها الجواهري حين عاد إلى النجف بعد زيارته الأولى لهذه المدينة، وذلك عام 1924 فيقول:

يا نَسْمة الرّيح من بيْن الرياحين
                                   حييّ الرّصافة عنّي ثُمّ حيّيني
لا تَعْبقي أبداً إلاّ مُعطّرَةً
                                   ريّانةً بشذى ورْدٍ ونسرين
ولي إلى الكرْخ منْ غربيّها طَرَبٌ
                                   يكاد من هِزّة للكرْخ يرميني
واللهِ لولا ربوعٌ قد ألِفْتُ بها
                                   عيش الأليفين أرجوها وترجوني

قصيدة أخرى أبدعها الجواهري في بغداد بعنوان «دمعة على بغداد».. في هذه القصيدة لنا أن نتمعن الأبيات الثلاثة في مطلعها:

خذي نفس الصبا بغداد إني
                                   بعثت لك الهوى عرضاً وطولا
يذكرني أريج بات يهدي
                                   إليّ لطيمه الريح البليلا

هي إذن مهد الصبا، التي يهديها الشاعر حبه عرضاً وطولاً، وهي مدينة الأريج الفواح، الذي يبعث الرياح مبللة بالندى، وهي الهواء والماء الذي يغمر البشر فيشتملهم بكل ما هو طري وعذب وحسن المنظر.
يستكمل الجواهري قصيدته، فيمر على دجلة مرة ثانية، لكنه هذه المرة نهر مصقول ب «النعامى» أي بالريح الجنوبية الشهيرة التي تهب في جزيرة العرب، وهي بحسب قاموس المعاني من أندى الرياح وأرطبها، كما لو أنها يد تمسح على الخد الناعم البلوري، فتتهادى الغصون، فنصبح أمام مشهد من مشاهد الصبا والظل الظليل والربوع التي تتهادى على مد النظر. يقول:

ودجلة حين تصقلها النعامى
                                   كما مسحت يد خداً صقيلا
وما أحلى الغصون إذا تهادت
                                   عليها نكس الأطراف ميلا
يلاعبها الصبا فتخال كفاً
                                   هناك ترقص الظل الظليلا
إلى أن يقول:

أدجلة إن في العبرات نطقاً
                                   يحير في بلاغته العقولا
فإن منعوا لساني عن مقالٍ
                                   فما منعوا ضميري أن يقولا

بحسب كثير من النقاد، احتلت بغداد في قصائد الجواهري مكانة عظيمة، هذه المدينة التي تذكرها وهو بعيد عنها في المنافي، فهي رمز عراقي يحضر في كل الأوقات، ويحتل جبهة القصيدة في موضوعات مختلفة، وهي حاضرة مع الشاعر في أزمان ومناسبات كثيرة ومتعددة، غير أنها في معظم الأحوال مفعمة بنكهة خاصة في وجدانه وعقله، يحدب عليها بالصور الجديدة، وهي نموذج لا يضاهى، ومكان آسر متوهج بالغنى والعاطفة ونبض الحياة.
كتب الجواهري عشرات القصائد عن بغداد، وقد رافقته في مناسبات شتى، في السراء والضراء، وفي تبدل الأحوال والمقامات، وفي كثير من المنعطفات السياسية والاجتماعية، وكانت هذه القصائد في كل ما خطه الجواهري باذخة بأسلوبها الرفيع وصورها البيانية والتشبيه البليغ الذي عرف به هذا الشاعر الكبير رحمه الله.