إعداد: عثمان حسن

الآلة الحاسبة التي عرفت باسم «باسكالين» هي أشهر منجزات باسكال، حتى إنه لا يكاد يعرف إلاّ بهذا الاختراع.
و«الباسكالين» هي آلة حاسبة ميكانيكية تمكن باسكال من اختراعها في أوائل القرن السابع عشر.
أما «الحاجة» التي ولدت اختراع باسكال للآلة الحاسبة فهي عمل والده الشاق في الحسابات حين كان يعمل في الضرائب.
وهكذا، صمم باسكال آلة لجمع وطرح عددين مباشرة وأداء عمليتي الضرب والقسمة من خلال الجمع أو الطرح المتكرر، لتظهر الآلة الحاسبة إلى العالم.

إنجازات وحقائق

- الآلة الحاسبة التي كانت اختراع باسكال العظيم، لم تجلب له ربحاً كبيراً عندما حاول تسويقها تجارياً بعد تسجيله براءة اختراع بها، وكان السبب الأساسي وراء ذلك هو ثمنها الباهظ.
- تفنيد فلسفات أرسطو باستحالة وجود فراغ، كان إنجازاً حققه باسكال من خلال تجاربه العديدة التي أجراها لقياس الضغط الجوي مثبتاً وجود الفراغ.
- «قانون باسكال» مبدأ علمي ظهر في الخمسينات من القرن السابع عشر، وهو خلاصة أعمال باسكال المهمة في مجال ضغط السوائل، وينص على أن السوائل الموجودة في الأوعية المغلقة تنقل الضغوط الواقعة عليها من جهة معينة بشكل متساوٍ في كافة الجهات.
- مثلث باسكال المستخدم في حساب الاحتمالات، إنجاز آخر لباسكال تحقق من خلال تصميمه تنظيماً ثلاثياً من الأرقام يكون فيه كل رقم مساوياً لمجموع الرقمين المجاورين له من جهة اليمين، وعلى جانبه الأيسر في الصف الذي يكون أعلاه مباشرة.
- حقق باسكال إنجازات عظيمة في ميدان الهندسة، تمكن من تطبيقها في مسائل عديدة من الرياضيات إلى الفيزياء والميكانيكا.
- اهتم باسكال بخصائص السلاسل العددية الصحيحة والترتيب العددي والأعداد الطبيعية والأعداد المثلثية، ويعد مؤسس حساب الاحتمالات.
- «باسكال» وحدة لقياس الضغط أخذت اسمها من العالم بليز باسكال، وهي اسم يطلق علمياً على وحدة مشتقة من النظام الدولي لوحدات الضغط أو الإجهاد، وتقيس القوة العمودية على وحدة المساحة.
«الجانسينية» حركة دينية واجهت اتهام المنظمة اليسوعية لها بالبدعة، وهي جماعة كاثوليكية سميت بالجانسينية نسبة إلى الكاهن الهولندي «جانسون».
انتمى باسكال إلى الجانسينية منذ شبابه، ويروى أن سبب ذلك هو مساعدة جماعة من الجانسينيين له في تمريض والده العليل حتى شفائه، حيث إن عائلة باسكال انتمت بأكملها إلى هذه الحركة.
أما سبب عداء طائفة اليسوعيين للحركة الجانسينية؛ فهو أن اليسوعيين كانوا يقولون بحرمة الانشغال بالعلوم الدنيوية، وضرورة الاقتصار على العلوم الدينية دون سواها من «البدع».
في أواخر عام 1654م دخل باسكال ديرًا للجماعة الجانسينية، وقد انبرى للدفاع عن الاتهامات الموجهة لحركته، فقام بنشر ما عرف ب «الرسائل الريفية»، وهي كتيبات بلغ عددها ثمانية عشر كتيباً، حققت انتشاراً واسعاً وترحيباً شعبياً عظيماً.
وقد استطاع باسكال من خلال مجموعة الرسائل الريفية التي نشرها، أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي.
طوال حياته، ظل باسكال مدافعاً عن قناعاته، مؤمناً بمحدودية العقل وإدراكه للحقائق، ومؤكداً أن أهم سبيل إلى الحقيقة هو الإيمان القلبي بالرسالة المسيحية.
ومن هنا يتضح ذلك الصراع النفسي - بحسب وصف بعض الدارسين - الذي كان باسكال يعايشه ما بين تدينه الشديد، ونزعته العلمية.لقد كان باسكال رياضياً مؤمناً بالعلم عاشقاً للهندسة، لكنه كان أيضاً شديد التعلق بالدين والكهنوت، حتى إنه أصبح في السنوات الأخيرة من حياته كاهناً كاثوليكياً، كما كان ملتزماً بتعاليم الجانسينيين.
لم يغب عقل باسكال الرياضي عن عالمه الديني، بل استغل مواهبه العلمية في إثبات الإيمان وترجيح كفته على الإلحاد.يتضح هذا في ذلك البرهان الرياضي الذي طرحه باسكال، اعتماداً على نظرية الاحتمالات والصفر والمالانهاية. وكذلك على ما يسمى بالقيمة المتوقعة، التي هي مصطلح ينتمي إلى ميدان الإحصاء والاحتمالات أيضاً.
ببساطة افترض باسكال أن احتمال وجود الله هو خمسون في المئة، وأن احتمال عدم وجوده هو خمسون في المئة، متسائلاً عن الاختيار الأكثر حكمة في مثل هذه الحالة؟
هنا، قام باسكال باحتساب القيمة المتوقعة للإيمان لتكون نتيجتها «اللانهاية»، لأنه إذا كان الله موجوداً وآمن الإنسان به فسيدخل الجنة ويكون مكسبه لانهائياً، وإذا آمن الإنسان ولم يكن الله موجوداً فسيكون مكسبه صفراً.
رياضياً تساوي القيمة المتوقعة للإيمان حاصل ضرب مالانهاية في خمسين في المئة زائد حاصل ضرب صفر في خمسين في المئة، وبذلك يكون الناتج هو مالانهاية.
ماذا عن القيمة المتوقعة للإلحاد إذن؟ إنها «سالب مالانهاية»، وفق حسابات باسكال، فإذا كان الله موجوداً ولم يؤمن الإنسان به فإنه سيذهب إلى الجحيم، وقيمة الجحيم في هذه الحالة هي سالب مالانهاية، وإذا كان الله غير موجود ولم يؤمن به الإنسان فسيكون مكسبه صفراً.
وهكذا فإن القيمة المتوقعة للإلحاد رياضياً تساوي سالب مالانهاية مضروباً في خمسين في المئة زائد صفر مضروباً في خمسين في المئة، والنتيجة هي سالب مالانهاية.
واصل باسكال برهانه، ذاهباً في الاحتمال إلى ما هو أبعد وأصعب، ليفترض أن احتمال وجود الله هو واحد في المئة فقط، وأن احتمال عدم وجوده هو تسعة وتسعون في المئة، ليخلص إلى أن القيمة المتوقعة للإيمان ستكون موجب مالانهاية، في حين أن القيمة المتوقعة للإلحاد ستكون سالب مالانهاية.
لقد أثبت باسكال رياضياً ومن خلال هذا البرهان أن عاقبة الإيمان أفضل من عاقبة الإلحاد دائماً وتحت كل الاحتمالات. «ذا مايند أوف فاير»كتاب حرره جيمس هيوستن، وكتبه باسكال، بمثابة وسيلة للتعرف على الله، هنا، يجد القارئ نفسه أمام قراءة تأملية، تقع في صلب الصياغة التأملية ذاتها المكتوب بها الكتاب، وهو مؤلف مملوء بالمأثورات الإيمانية التي عرف بها باسكال أثناء رحلته العلمية الكاشفة، ومنها دعوته للملحدين بأن يقولوا شيئاً واضحاً لا لبس فيه، خصوصاً في ما يتعلق بالروح، التي لا يمكن التكهن بأمرها، وأن الأسلم بالنسبة لباسكال هو القناعة بالإيمان، الإيمان الذي ليس له حدود.ويذكر أن باسكال قد عاش في سن الحادية والثلاثين وتحديداً في العام 1654 تجربة يطلق عليها «تجربة النشوة» وصفها ببساطة: بأنها «النار» التي اعتبرت نقطة تحول حقيقية في مسيرته كمدرس مسيحي وفيلسوف.
اعتبر بعض النقاد هذا الكتاب من أعظم كتب النثر، بالقياس الزمني والمكاني وكذلك اللغوي، على تطور الآداب والنظريات النقدية والفلسفية في فرنسا وغيرها.
يلقي هذا الكتاب الضوء على حياة باسكال الذي وصف بأنه رجل نهضة حقيقي، بما أنجزه في علوم الرياضيات، وهو الفيلسوف واللاهوتي والفيزيائي والمهندس، الذي ساعدت اكتشافاته في إيجاد منهج علمي حديث للتفكير.
يستعرض كتاب الباحثة المرموقة «ماري آن» هذه العبقرية الفذة، بوصفه كان مفكراً استثنائياً في عصره، كما يلقي الضوء على كتابات باسكال مع سرد لحياته المهنية وتجاربه.
يعيدنا الكتاب إلى فترة شباب باسكال، عندما كان طفلاً أعجوبة يشارك في نقاش مسائل صعبة في الرياضيات مع معلمه الأب مرسين، كما يصف تجاربه العلمية المبكرة، وبنائه عدة آلات في حساب الميكانيكا فضلاً عن مراسلاته مع علماء عصره ومفكريه مثل: رينيه ديكارت، وبيير دي فيرمات. والكتاب يستعرض العديد من اختراعاته مثل أول وسيلة للنقل العام في باريس.
من جهة أخرى، ثمة فصل في الكتاب يسلط الضوء على مراسلات باسكال النثرية، وارتأت مؤلفة الكتاب ماري آن، أن تقدم نماذج من أساليب باسكال في كتابته اللاذعة نوعاً ما، من السياسات الكنسية الصارمة في عصره، بتقديمه لعدد من الأقوال والتأملات البليغة.
يعتبر الكتاب شاملاً في محتواه لمعظم إنجازات باسكال العلمية والنثرية، التي نادراً ما توجد في مجلد واحد، حيث شغفه العلمي ودوافعه الدينية وذكائه الخارق والشخصية الرائعة والمؤثرة.يتضمن الكتاب وهو من تأليف باسكال نفسه نحو أربعة عشر جزءاً من المقتطفات، التي دافع باسكال من خلالها عن الديانة المسيحية ضمن ثلاثة محاور رئيسية: أسماها باسكال «الرهان» و«حالة الإنسان وجهله بالله» و«الحياة المسيحية» وهو يمثل ترجمة عن النص الفرنسي الذي كتبه باسكال، كما يتضمن مقدمة وقائمة بالتواريخ الرئيسية في حياة باسكال.

كتاب سيرة باسكال

في الكتاب عرض لسيرة باسكال العلمية والدينية، مع إلقاء الضوء على حياته داخل أسرته والتشجيع الذي حظي به من والده واعترافه بمواهبه المبكرة، والمناخ الذي وفره لتعليم ابنه باسكال. أنجز الكتاب بأسلوب يقرأه تلاميذ المرحلة الابتدائية من الصف الخامس حتى السادس، أما الأطفال الأصغر سناً، فيقرأ لهم بصوت مرتفع، ليستمتعوا بما جاء في الكتاب من معلومات عن سيرة هذه العبقرية الفذة.

ضوء

هل نجحت «حساباته»؟.. للإجابة الكثير من «الاحتمالات»، لكنه وإن لم تمهله الحياة حتى يحقق طموحاته، فإنه بلا شك حجز لاسمه مكاناً خالداً في القمة.
كان مؤمناً شديد الإخلاص، عالماً كبير العزيمة، عرف أن الفكر هو أثمن ما يملك، لكنه أدرك أن للعقل حدوداً لا يتجاوزها، وأن للقلب سراً قد لا يفهمه المنطق.
مات سريعاً، تاركاً أسئلة بلا إجابة، و«فراغاً» كبيراً اجتهد طويلاً في إثبات وجوده.

من أقواله

- تعاسة الإنسان كلها تنبع من شيء واحد: عجزه عن المكوث بصمت في حجرته.
- عظمة الإنسان في فكره.
- الفكر أثمن ما يملك الإنسان.
- مغفل متعلم أكثر غباءً من مغفل جاهل.
- إن أروع إنجاز للعقل هو أن نرى أن هناك حدوداً للعقل.
- الرجال يستمتعون بفعل الشر عندما يفعلونه بقناعة دينية.
- إذا أردنا ألا تؤذينا العاطفة فعلينا الحياة وكأن أمامنا فقط ثماني ساعات لنعيشها.
- الخروج عن الاعتدال انتهاك لحرمة الإنسانية.
- الأفعال النبيلة التي تخفى على الناس هي أكثر الأفعال تبجيلاً.
- الحاضر ليس هدفاً.. فالماضي والحاضر مجرد وسائل، أما المستقبل فهو الهدف.


عن السيرة

ولد بليز باسكال في التاسع عشر من يونيو عام 1623 في مدينة كلير مونت فيراند بفرنسا، ومات في العاصمة الفرنسية باريس عام 1662 قبل أن يتم العقد الرابع من عمره.
منذ طفولته أظهر باسكال نبوغاً في الرياضيات، وكانت قراءته لكتاب «العناصر» لإقليدس في سن الثانية عشرة، إيذاناً ببدء اهتمامه بالهندسة.
ومن الغريب أن ما أنجزه باسكال في عصره في ميدان الهندسة، لم يلق اهتماماً آنذاك، ولم يحقق إعجاباً يذكر. في الواقع فإن هذا الإعجاب وذاك الاهتمام تحققا لاحقاً بعد وفاة باسكال بقرون، وتحديداً في القرن التاسع عشر على يدي «بنسيليه»، الذي أظهر أهمية ما أنجزه باسكال وأعاد الاعتبار له.