الشارقة: عثمان حسن

ظل أدب السيرة الشعبية لزمن طويل نقطة الارتكاز في الأدب الشفاهي المروي عند العرب، بسبب ما تمتع به الرواة من حس فني وقدرة على نقل الحوادث التاريخية، وبما تميز به هؤلاء الرواة من خيال متقد، يلهب مشاعر وأحاسيس سامعيهم، فيعمق عندهم الإحساس بأهمية البطولة عبر ما كانت تحمله السيرة من قيم ومعان وثقافة عميقة على نقل أخبار السلف وأيامهم، وكل ما كان يمس حياتهم الاجتماعية، فيرفع منسوب تعاطفهم مع بعضهم البعض، ضد كافة أشكال القهر والظلم والطغيان.
بهذا المعنى، كانت السيرة الشعبية رواية ذلك العصر، نقلت البطولات الفردية والجماعية، واستندت إلى مخيال شعبي وأسطوري، أضاف إليها طعماً خاصاً، وكان الأدب الشعبي بمثابة قوة دافعة على تحصين الفرد والمجموع، نحو قيم الخير والحب والجمال، والتسامح.
سيرة علي الزيبق بإجماع الدارسين هي حكاية بنكهة مصرية خالصة، بطلها «علي» الذي ينتقم لمن تسبب بمقتل أبيه «حسن راس الغول»، ومغزى السيرة عبر مساحة تداولها في الوجدان الشعبي، هي البطولة ضد كل أشكال الفساد والظلم التي كانت سائدة زمن هذه الحادثة التاريخية، وضد أولئك المتنفذين والمرتشين، بهدف إقامة العدل والقضاء على الظلم.
تحكي السيرة عن دهاء شخصية «علي» وتمتعه بالمهارة والحيلة في الاقتصاص من أعدائه، حيث نشأ على تعلم أصول الفروسية، وفن الحيل والتنكر، وفي كل محاولاته مع أعدائه، كان يخرج منتصراً، ومع توالي انتصاراته، أطلق عليه مناصروه، «الزيبق» الذي أمسى بطلا وقائدا شعبيا شجاعا، تهابه حلقات دوائر الفساد في السلطة العثمانية آنذاك، فتهتف له الجماهير التي نصبته رمزا للمقاومة والوقوف في جانب الحق والانتصار للمظلومين والمسحوقين من عامة الناس البسطاء.
توقف كثير من الدارسين عند شخصية علي الزيبق، وما فيها من إحالات ورموز، فالبطولة عدا عن كونها تمثل نشوة الانتصار، هي رمز للأرض والوطن والإنسان، وهي من جانب آخر، كانت حافزا للوعي بأهمية الحقوق، وعبر تنامي الأحداث والتفاصيل التي تقدمها السيرة وما فيها من هامش أسطوري واضح، تنقل البطولة كمفهوم إيجابي إلى مستويات عدة من الطموح الجمعي، لتحقيق هذه الأحلام واسترداد تلك الحقوق، وهي أيضا سيرة ناقدة لسلبيات المجتمع، تحارب الانحرافات، وتقوّم السلوك، وتسعى لرسم علاقات واضحة بين من هم في السلطة وعامة الشعب.
هذه المرتكزات الإيجابية، جعلت من السيرة جسرا بين الواقع المر الذي يعيشه الناس والأحلام الوردية التي يسعون لتحقيقها.
علي الزيبق كان نصيرا دائما للبسطاء، الذين كانوا يشتركون في هم واحد ومصير واحد، فها هم يقفون إلى جانب علي، لأنهم يعرفون سيرته، كما عرفوا من قبل عن سيرة والده المقدم «حسن راس الغول»، وصراعه مع ثنائي الشر المقدم سنقر الكلبي، والمقدمة دليلة المحتالة، اللذين كما تقول السيرة: تكالبا على «راس الغول» وأهلكاه، وجاء «علي» لينتقم من هذا الظلم والطغيان، خلافاً لرغبة أمه «فاطمة الفيومية»، التي كانت تريد لابنها حياة آمنة مستقرة، إلا أنه سلك مسار أبيه في الانتقام من سنقر الكلبي، ونجح في هزيمته بالحيلة والذكاء كما تغلب على دليلة. كما تضيء السيرة جانبا من مواقف أم علي التي دافعت عن ابنها وأنقذته من كثير من المهالك.
حظيت سيرة الزيبق بكثير من القراءات النقدية، كما تمت محاكاة أحداثها في عدد من الأعمال الروائية الحديثة، ومن ذلك على سبيل المثال رواية «لحس العتب» للكاتب خيري شلبي، حيث برزت في روايته تجليات متعددة وروافد ثرية من سيرة الزيبق. صدرت الرواية عام 1991، وقد وصفها النقد بأنها رواية ذات نص يعتبر وريثا شرعيا لسيرة علي الزيبق، كما هو حال غيرها من السير التي عكست الوجدان الشعبي. في ذات الإطار ظهرت مخطوطة نادرة لسيرة علي الزيبق يعود تاريخها إلى عام 1880 وهي من تقديم الباحث د. محمد سيد عبد الوهاب.
من الدراسات التي تناولت البعد الحكائي والسردي في سيرة علي الزيبق، كتاب «الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي» لمحمد رجب النجار، الذي بيّن أن سيرة الزيبق كانت تسجيلا للواقع السلبي لحال الأمة العربية، حيث ظهرت السيرة في المخيال الشعبي في العصر العثماني برغم أن أحداثها تدور في عصور تاريخية سابقة، وقد ركز رجب على السيرة ضمن مقاربة أسماها «المقاومة بالحيلة» كما درس البناء الأسطوري من خلال الأماكن والشخصيات والبيئات في تحليل ممتع يجمع بين دفتي التاريخ والعمل الفني المتقن.