علاء الدين محمود

لم يعرف عن الحطيئة غير أنه شاعر هجّاء بذيء اللسان، وظلت تلك الصورة راسخة في الأذهان أزماناً طويلة، غير أن الحطيئة في حقيقة الأمر قد بلغ بالهجاء كغرض شعري، مبلغاً كبيراً في التعبير عن مواقفه الفكرية والفلسفية والنفسية، إضافة إلى أنه برع في الأغراض الشعرية الأخرى بذات البراعة التي عرفت عنه في الهجاء، خاصة في قصائد الحب والمدح والاعتذار، وهي القصائد التي تحمل شاعرية رقيقة وتعبيرات غاية في الجمال، ومقدرة فائقة في مخاطبة النفوس لصدقيتها.
ولعل ما جعل الحطيئة واسمه الحقيقي جرول بن مالك يشتهر أو يبرز في الهجاء، هو تلك النشأة البائسة التي نشأها في ديار عبس، إذ كان فقيراً معدماً، إضافة إلى أنه كان دميماً قصيراً فلقب بالحطيئة، وعندما بدأ ينظم الشعر ذاع صيته، لكن الناس لم تحفظ من معظم شعره إلا الهجائيات، فظل الوجه الآخر أو الصورة الإنسانية للحطيئة مغيبة ومجهولة.
وما عزز تلك الصورة السلبية عنه، كثرة الروايات وشعر الهجاء الذي نسب إليه بعد وفاته، لكن الواقع يشير إلى أنه كان يحمل نفساً متمردة، وعبر عن تمرّده ذلك بأشعاره الهجائية التي حملت رؤاه عن الحياة والوجود.
يقترب الحطيئة هنا من الفيلسوف الألماني شوبنهاور الذي عرف بفلسفة التشاؤم، رغم أنه يعتبر من أبرز واضعي حجر الأساس في الفلسفة الحديثة، وربما ما يجمع بين الرجلين أن كلاً منهما يحمل نفساً شقية وروحاً شفيفة.
ففي حين عبر شوبنهاور عن فلسفته ومقولاته بالتشاؤم والعدم، فإن الحطيئة وجد في الهجاء الأسلوب الأمثل لعرض موقفه من الحياة والناس، وهذا يشير إلى النزعة التشاؤمية كذلك عند الحطيئة، غير أنه يختلف لكونه برز في أغراض الشعر الأخرى، مما يدل على أنه صاحب رؤية إيجابية في كثير من القضايا، لكن معظم قصائده تعبر عن قلق شديد، وعدم مقدرة على التناغم والانسجام مع محيطه، فلجأ إلى إطلاق زفراته الحارة ومشاعره الملتبسة عبر الهجاء، كما أنه كان سلاحه في مواجهة خصومه الكُثر.
نقل الحطيئة لنا تجربة شعرية صنعتها المحن والحرمان، فكانت تلك المسيرة المتمردة والمفعمة بالجمال، فالهجاء عاطفة تشير إلى قلق الروح. وقد برع الحطيئة في التعبير عن مكنوناته، وإيراد صور شعرية مختلفة وحافلة بالجمال، وقدرة على التصوير بتعبيرات دقيقة وخيال جامح، فمشهد قطيع الجمال في الصحراء يتحول عنده إلى صورة مشهدية غاية في الإبداع، لنكتشف في شعره ذلك البعد الجمالي، خاصة في العشق والحب؛ تلك العوالم غير المطروقة بصورة مباشرة في حياة الشاعر الكبير.

[email protected]