القاهرة: «الخليج»

في عام 2008 فاز لوكليزيو بجائزة نوبل في الأدب، قبل ذلك قام الكاتب والصحفي جان لويس إيزين، الناقد الأدبي في أسبوعية «لونوفيل أوبزرفاتور» بإجراء حوار مطول مع لوكليزيو، بتاريخ 24 سبتمبر 1984، وترجمه إلى العربية محمود عبد الغني، وأصدرته دار أزمنة للنشر والتوزيع بالأردن تحت عنوان «من أنت سيد لوكليزيو؟» يسأل الناقد الأدبي «لوكليزيو»: هل تستطيع أن تكتب كتاباً كاملاً في مقهى مثل ناتالي ساروت أو سارتر؟ فيقول: «لا أظن أنني أستطيع ذلك»
في الجزء الأول من الكتاب يتحدث لوكليزيو عن طقوس الكتابة لديه، فهو يحب المقاهي، خصوصا في باريس، التي يجد في مقاهيها متعة، ويحدث أحيانا أن يكتب في المقاهي، «إن المقهى ليس هو المكان المثالي، بسبب الضجيج، لكن ذلك يثيرني «ما يهمه أكثر هو الورق» أحس بألم في عيني بسرعة، والورق ناصع البياض يضايقني، أما الباقي: المكتب، المكان، لا يهمني، في الواقع عندما أكتب لا أسمع الضجيج، أستطيع أن أكتب وسط الفوضى ذلك لا يضايقني»، هل تتغير طقوس لوكليزيو إذا كان يكتب رواية أم دراسة؟ هو يقول: «ليس كثيراً، لا، النتيجة هي التي تختلف، فيما يخص اللحظة التي أكتب فيها، فإن الأمر ليس مختلفاً، لا أظن أنني أستطيع أن أتجرد من الأحاسيس، إنني أحس بها كيفما كان الجنس الذي أكتبه، إذا كنت أرغب حقاً في الكتابة، فإن الإيقاع طبعاً يختلف، واللغة لن تكون هي نفسها، لكنني أظن أنني من الناحية الانفعالية جد معني».
ولد جان ماري لوكليزيو في 13 إبريل سنة 1940 في مقاطعة نيس بفرنسا، وهذه المدينة، يقول عنها: «كانت عبارة عن تجمع سكاني، وهي ليست مدينة صغيرة، عندما تعيش إذاً في مدينة مثل هذه، تكون الوسيلة الوحيدة للهروب من العالم الحضري هي الذهاب إلى الشاطئ، الشيء الذي يعني الكتابة على هذا الشاطئ والحديث عنه، وعن البحر، ما دام الأمر ممكناً في نيس، ولو كنت أسكن باريس أظن أنني سأمشي فوق الأرصفة، فأرى جريان نهر السين وكل ما يجرفه، ويكون لنا فعلاً الإحساس بالهروب من عالم المدينة».
في عام 2008 تزامن منحه جائزة نوبل مع صدور روايته «لازمة الجوع» ومباشرة بعد الجائزة قال معلقاً للصحافة «إن هذا التتويج لن يغير شيئاً من طريقتي في الكتابة»، فمع ظهور رواياته الأولى في الستينات «المحضر الحمى الطوفان» كان لوكليزيو قد حقق اقتراباً من رواد شكلانية الرواية الجديدة، خصوصاً جون بيريك وميشيل بوتور وناتالي ساروت، أما الموضوعية التي تطرقت إليها أعماله فهي المعاناة، الخوف، الألم في الوسط الحضري، وذلك ما جعل منه وريثا شرعياً لتساؤلات وبلاغات الوجوديين، خصوصا ألبير كامو.
بدأ لوكليزيو في تلك الفترة يكتب روايات أكثر ذاتية وأقل شكلانية، من دون أن يفقد طاقته الثورية، فظهرت له روايات تحاول اكتشاف أماكن أخرى، إضافة إلى انشغالات البيئة، وتأثيرات الأسفار والرحلات التي قام بها، وكذا إقامته لدى الهنود في المكسيك، كل ذلك دون نسيان البحث عن سبل للهروب من المجتمع الغربي المعاصر.
تمتد التأملات الثقافية للوكليزيو إلى تأثيرات أخرى، فهو نفسه يتحدث عن قراءاته للشاعر «جون كيتس»و «و. ه. أودن» وفوكنر وهينمجواي، فقد استفاد من فوكنر أسلوب المواجهة بين الفرد والمجتمع، ومن الثاني تعلم الغنائية والمونولوج الداخلي، كما كان لا يخفي تأثره بصوفية لوتريامون، إن لوكليزيو قارئ نهم، شغوف باكتشاف الآفاق الجديدة، كما يظهر ذلك جلياً من خلال المقدمات التي يكتبها لأعمال كتاب من أصول متنوعة، فقد ولد مزدوج اللغة لأب إنجليزي وأم فرنسية.
حاول العديد من الدارسين البحث عن القرابة التي تجمع بين لوكليزيو وموسيقى البوب بسبب وجود الإيقاعات في رواياته، فهو كاتب يعتبر الرقص والكتابة نشاطين ممتلئين بالطاقة، حيث اللغة ليست إلا أداة ثانوية للوصول إلى الحياة، وهو يعتبر الموسيقى ملاذاً بين عنف الكلمات المسيطر على الواقع، وهو في ذلك يتفق مع أطروحة جاكلين ميشيل التي تعتبر الموسيقى جزءاً من مملكة الصمت في مواجهة الكلمات، لكنها تمنح الرغبة في الكلام، ويبقى الشيء المثالي هو كتابة الموسيقى الخاصة في تناغم مع الإبداع.
عرف لوكليزيو شهرة كبيرة منذ روايته الأولى «المحضر» وبتأثير من أصول عائلته المختلطة تمكن من الوقوف على عدة ثقافات، فكتب روايات ذات طابع هذياني وأسطوري «صحراء الباحث عن الذهب»، وقد نال الجائزة الكبرى باعتباره كاتباً مجدداً كتب المغامرة بقلم شاعري، وروائياً مكتشفاً للإنسانية بعيداً عن الحضارة المهيمنة، وابتداء من سنة 1970 عرف أسلوب الكتابة لديه تغييراً جذرياً، فبدأ يعطي الأهمية لموضوعات الطفولة والأقليات والسفر، ومن هنا كسب جمهوراً واسعاً.