القاهرة: «الخليج»
أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة مسرحية لويجي بيرانديللو «القبعة ذات الأجراس»، من ترجمة د. أماني فوزي حبشي، وهي المسرحية التي ترصد مأساة العالم الذي ينتصر لما هو ظاهر، وإن كان مزيفاً، على حساب المصداقية والحقيقة، وفيها يركز المجتمع على أهمية مظهر الإنسان بدفن حقيقة من أقدم على الخيانة، ومن تعرض لها، بل ومحاولة إيهام الضحية بأنها من اقترفت الخطأ، وإقناع الرأي العام بذلك، فنحن أمام قرية يعاني فيها الجميع الخيانة، لكنهم يفضلون التظاهر بعدم المعرفة، نحن أمام إنسانية صامتة، تتمثل في شخصية تشامبا، الذي يحاول باستماتة الدفاع عن زواجه التعس، وإنقاذ موقفه في الظاهر.
كتب بيرانديللو النسخة الأصلية من المسرحية في صقلية عام 1917 أي منذ حوالي 100 عام، ثم قام بتعديل الكثير من المشاهد بناء على طلب الجمهور، وقال عنها إنها مسرحية ولدت ولم تكتب، حيث كتبت للعرض على خشبة المسرح، ولم تنشر بالفعل إلا بعد ذلك بأعوام، ويتساءل فيها كما في معظم مسرحياته: ما الواقع؟ وما الحقيقة؟ ويصب اهتمامه على التناقضات التي تبدو على الشخصيات، وفي الأحداث. تميزت أعمال بيرانديللو في فترة الشباب بالنزعة التشاؤمية، وفي رواياته المتتالية في بداية القرن العشرين، بدأت تتضح لديه رؤية أكثر إشكالية وواقعية للحياة وللعالم، وعلى الرغم من تأثره بالنزعة الواقعية للمدرسة الصقلية، فإنه تدخّل في الحكي بنزعة ساخرة، تتجاوز القواعد الطبيعية للحياد الروائي.
استخدم بيرانديللو أكثر من مرة في أعماله تقنية المسرح داخل المسرح، وتميز ذلك في ثلاث مسرحيات معروفة: «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» (1921) وهي تمثيلية وهمية عن ستة، يزعمون أنهم شخصيات في مسرحية، ليس لها مؤلف يوجه أفعالهم، ويبحثون عن مؤلف، وعمن يمثلهم على خشبة المسرح، وأيضا «الليلة سنرتجل» (1928) التي تتناول عرضاً مسرحياً، فيه ينتظر المتفرجون في الصالة، بينما تُسمع أصوات من خلف الستار، وبينما يطالب المتفرجون بالهدوء، يبدأ العرض بالممثلين وهم يتناقشون مع المخرج، ونكتشف أن منهم من يجلس بالفعل في الصالة وسط الجمهور، وهناك مسرحية «كل امرئ على طريقته» (1925) وتدور أحداثها في مكانين مختلفين، المسرح من جهة، ومن الجهة الأخرى الأماكن التي عادة ما يستخدمها الجمهور، مثل الصالة والمدخل، وتبعاً لأحد النقاد، فإن المسرحية تتناول التناقض الداخلي لدى كل إنسان بين تصرفاته الظاهرة ودوافعها.
تميزت مسرحيات بيرانديللو بصفة عامة بذلك الحس الساخر في عرض مآسي الحياة، تلك الرغبة لدى البشر في الاختباء خلف مختلف الأقنعة، الشخصية الإنسانية وصراعها بين حقيقتها الداخلية، والقناع الذي تواجه به الآخرين، وكان يرى أن مأساة الإنسان تكمن في التناقض والتمزق بين الحقيقة الخارجية وما يظهره للآخرين، وأن الحقيقة المطلقة شيء لا وجود له، لأنها نسبية ولكل امرئ حقيقته.
في روايته الأخيرة «واحد، ولا واحد ومئة ألف»، يتناول بيرانديللو بعمق فلسفي أكبر موضوعه الأثير، الخاص بما يظهره الإنسان وبما يخالف باطنه، في الرواية رجل ثري يبدأ في مراجعة حياته، فيرى كيف أنه يظهر بألف شخصية لمن حوله، ثم يصل إلى قناعة بأنه لكي يصل إلى جوهر ذاته، ويرضى عن نفسه بالفعل، لا بد أن يتخلص من المئة ألف قناع السابقة.
يجد الثري نفسه في نهاية الأمر، وقد تخلى عن حياته السابقة لكي يعيش في وكر شحاذين، وهناك يحاول أن ينقل ذاته إلى موضوع، فهو يقرر أن يولد من جديد بلا ذكريات، الرواية فلسفية، وعلى الرغم من صغر حجمها إلا أن بيرانديللو استغرق زمناً طويلاً (حوالي 15 عاماً) لينجزها.
ولد بيرانديللو في صقلية عام 1867 وتخرج في إحدى الجامعات الألمانية برسالة متخصصة في اللغويات عام 1891 وبدأ أعماله الأدبية مترجماً، كما نشر عدداً من الدواوين بين عامي 1889 و1912 واستقر في روما بدءاً من عام 1893 وكان للكارثة المالية، التي حدثت لوالده، وقع أليم على الأسرة كلها، خاصة على الصحة النفسية لزوجته، ما اضطر إلى إلحاقها بمصحة للأمراض النفسية في روما، وعمل مخرجاً مسرحياً، وقدّم أعماله في أوروبا وأمريكا، وقد أثار حنق الرأي العام ضده، حين طلب بشكل علني الانضمام إلى الحزب الفاشي عام 1924 وفي عام 1934 حصل على جائزة نوبل في الأدب.