تحقيق:عايدة عبدالحميد - محمد ياسين

ما زال صدى كلمات البطلة الإماراتية سارة السناني بعد فوزها بالميدالية البرونزية في ألعاب القوى في دورة الألعاب البارالمبية التي أقيمت خلال شهر سبتمبر من العام الماضي في مدينة ريو بالبرازيل، يتردد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عندما قالت لحظة الفوز «الناس ينظرون إلينا ويعتقدون أننا أشخاص ضعفاء ولا نستطيع فعل أي شيء، وأنا قمت باختيار هذه الرياضة كي أثبت للجميع أن الأشخاص أصحاب الإعاقة أقوياء ويستطيعون تحقيق أمور عظيمة».
ولم يقعد حادث سير، مسيرة كلثم عبيد المطروشي، النموذج النسائي المتميز محلياً ودولياً، لإثبات حضورها البارز والفاعل في المجتمع، ولم يعق إرادتها وطموحها عن دعم مجتمعها، ومساندة برامجه التنموية والفكرية، ولها أنشطتها البارزة داخل الدولة، فهي إدارية تبوّأت كثيراً من المناصب في جهات عدة، ويسجل لها إطلاق مبادرات إنسانية تعدّ الأولى من نوعها، منها تأسيس «رابطة تمكين المرأة»، التي عقدت عبرها شراكات مع المؤسسات والمجتمعات المتخصصة، وهي خريجة إدارة عامة في جامعة الإمارات، لها حضور بارز في الفعاليات المحلية والدولية، حيث أعدت الكثير من أوراق العمل والدراسات، التي تدعم أصحاب الهمم، لتمثل مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية في المشاركات الخارجية.
اعتاد الكاتب والممثل محمد الغفلي، والموظف في هيئة تنمية المجتمع بدبي، منذ أن كان طفلاً، العيش وسط الظلام منذ نحو ربع قرن من الزمان، وبجزء من البصر في عينه اليمنى، كانت ولادته، حتى فقده بالكامل في السادسة من عمره، ولكنه رسم وحول الظلام إلى نور لكل شيء في حياته، حتى معالم المدن ترتسم بطريقة خاصة.. هكذا يرى محمد راشد الغفلي مدينتيه واحدة يقطنها وأخرى يبدع بها ما بين الشارقة ودبي.
وحقق واحدا من أحلامه بدراسة الإعلام حين قدم للدراسة في كلية الاتصال بجامعة الشارقة، من خلال تخصص الصحافة المطبوعة التي أبدع فيها، وحافظ على عشقه لهوايته كمذيع، وأعتبرها مهنته المستقبلية وحلمه الذي اجتهد في تحقيقه، وكان بارعا في التمثيل وأصبح أول ممثل كفيف يبرع في فنون المسرح ويقف على خشبته بثقة وعنفوان، فلم يعد فقدان البصر بالنسبة له يعني عائقاً.

مساندة ومساعدة

تعيش صفية يوسف بن هويدن من أصحاب الهمم، وسط أسرتها التي تقدم لها أروع صور المساعدة والمساندة بالإندماج في المجتمع، وتعبر دوما عن خالص شكرها وتقديرها لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لإطلاق سموه لقب «أصحاب الهمم» بدلاً من ذوي الإعاقة ما كان له بالغ الأثر فيها، إذ أعطاها دفعة قوية لتخطي الصعاب وتحقيق الإنجازات.
وتجدها دوما تتحدث عن أن اهتمام الدولة بخدمة ورعاية أصحاب الهمم، تعكس التوجه الإنساني في أروع صوره، والرؤية الثاقبة والقيادة الرشيدة للدولة، معللة ذلك بأن الأسر كانت تعاني سابقاً في البحث عن مركز يقدم الخدمات التأهيلية والتعليمية للمعاقين، أما الآن فقد أصبحت هذه الفئة تحظى برعاية واهتمام دولة الإمارات وتحرص قيادتها الرشيدة على توفير كافة الخدمات لها.

حرص واهتمام

حرص الدولة واهتمامها بهم هو واقع الحال الذي أكده أصحاب الهمم من خلال التحقيق الذي أجرته «الخليج» فدولة الإمارات حرصت على الاهتمام بأصحاب الهمم وتوفير كل أنواع الرعاية وتقديم الخدمات لدمجهم، وأطلقت السياسة الوطنية لهم من خلال ستة محاور شملت كافة مناحي الحياة وتطبيقها لمساندتهم في الحصول على تعليم متميز دامج وصحة ومبان مؤهلة لاستيعاب تلك الفئة وضمان حقوقها، فضلاً عن تعيين مجلس يختص بشؤونهم ويعمل على رصد مشكلاتهم والمتابعة مع المؤسسات والجهات لتطبيق كافة القوانين ومتطلبات ضمان حياة كريمة لهم.
كما سخرت الدولة التكنولوجيا للمساهمة في استغلال طاقات تلك الفئة وجعلها طاقة إيجابية يستفاد من قدراتهم ومعارفهم، من خلال انخراطهم في الوظائف المتنوعة بواسطة الأدوات المؤهلة لاستيعابهم في سوق العمل.

حماية اجتماعية

وواقع الحال هذا أيضا تؤكده رؤى المسؤولين، والاهتمام الكبير الذي تحظى به هذه الفئة، وهو ما أشارت إليه سناء محمد سهيل وكيل وزارة تنمية المجتمع، في حديثها ل «الخليج»، وأضافت: أن فئة أصحاب الهمم تحظى باهتمام القيادة الرشيدة، وجاء إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، السياسة الوطنية لتمكين أصحاب الهمم تتويجاً لهذا الاهتمام، الأمر الذي أسهم في دمجهم في المجتمع، وعمل على تذليل التحديات التي تعرقل مشاركتهم في الحياة العامة، من خلال ضمان الحياة الكريمة لهم، وحددت السياسة الوطنية ستة محاور شملت الصحة والتعليم والتأهيل المهني والتشغيل والحماية الاجتماعية والتمكين الأسري، والحياة العامة والثقافة والرياضة وإمكانية وصولهم إلى الخدمات والمعلومات.
وأوضحت أن الوزارة سخرت التكنولوجيا لدعم أصحاب الهمم من خلال إطلاق عدد من التطبيقات التي تعنى بهم والعمل على الكشف المبكر عن إصابات الأطفال، وسرعة تقديم العلاج في وقت مبكر للحالات بواسطة متخصصين في المراكز، من خلال توفير كافة الإمكانات والأدوات المتطورة لدعم تلك الفئة.

توفير الوظائف

من جانبها قالت حصة تهلك مستشار وزارة تنمية المجتمع، إن الوزارة نفذت العديد من المبادرات الخاصة بأصحاب الهمم بتوجيهات القيادة الرشيدة ولها العديد من الاتفاقات على الصعيدين المحلي والدولي، التي تضمن مشاركة في الحياة العامة وعدم النظر إليهم على أنهم قوة معطلة واستهدفت الوزارة توفير الفرص وأتاحت الوظائف المناسبة لهم حسب نوع الإعاقة.
وذكرت أهمية دور التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في دمج أصحاب الهمم، مشيرة إلى توافر العديد من فرص العمل بفضل تلك التقنيات التي أسهمت في حصول أصحاب الهمم على وظائف كان من الصعب الحصول عليها في السابق.
وأكدت أن دولة الإمارات تبنت مبادرة خاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي من خلال «الروبوت» الذي زود بعدة لغات ومن ضمنها لغة الإشارة الخاصة بأصحاب الهمم، وأن الدولة لديها استراتيجية تسخرها من أجل إسعاد المجتمع بكافة أطيافه.

دليل الجودة

وبدورها أكدت وفاء حمد بن سليمان مديرة إدارة أصحاب الهمم في وزارة تنمية المجتمع، أن دولة الإمارات سباقة في وضع أساس البيئة الصديقة لأصحاب الهمم في ضوء المعايير الحكومية وأفضل الممارسات العالمية، مشيرة إلى إطلاق دليل جودة الخدمات الخاص بأصحاب الهمم «امتياز» الذي يقدم التصميم الشامل وحلولاً سهلة من أجل تحقيق أقصى استفادة لتلك الفئة من جميع الخدمات التي تشمل النقل والمواصلات وتضمن وصول المعلومات على قدر المساواة مع الآخرين.
وأشارت إلى تكامل دور الوزارة مع جميع الجهات المحلية والاتحادية، لافتةً إلى أن الوزارة تتبنى كافة المبادرات الداعمة لأصحاب الهمم بعد دراستها وإمكانية تطبيقها والاستفادة منها، مبينةً أهمية كود دبي للبيئة المؤهلة لأصحاب الهمم الذي تضمن عددا من الخدمات التي تلتزم بها الأبنية وطرق ووسائل النقل في إمارة دبي.
وأضافت أن دليل «امتياز» الذي عممته الوزارة كدليل معايير جودة خدمات لأصحاب الهمم من خلال أدوات الكشف عن امتثال المؤسسات لها، حيث يعمل الدليل على تعزيز ثقافة مقدمي الخدمات المختصين في التعامل مع تلك الفئة، فضلاً عن تسهيل وصول المعلومات لهم وتوفير معايير واضحة عن الخدمات فضلاً عن تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن أصحاب الهمم.
واستهدف الدليل الجهات المقدمة للخدمات التي شملت مؤسسات ومراكز التربية الخاصة والمساندة لأصحاب الهمم من مختلف الفئات العمرية، سواء الحكومية والخاصة فضلاً عن محور خاص عن إمكانية الوصول والتصميم الشامل وإزالة الحواجز في مجالات التعليم والعمل والنقل والإسكان والترفية والعمل من خلال أدوات الكشف عن الخدمات في المؤسسات المتخصصة وغير المتخصصة في خدمة أصحاب الهمم.

مراكز رعاية

يوجد في دولة الإمارات العديد من المراكز والنوادي والمؤسسات الحكومية والخاصة التي تُعنى بأحوال أصحاب الهمم، هذا ما تحدث عنه رجل الأعمال يوسف الزرعوني، وأضاف أن توفير التعليم والتدريب والتأهيل لهم، يعتبر أولوية حكومية، حيث يسرت الدولة إنشاء المؤسسات والمراكز العاملة في مجال رعاية وتعليم وتدريب أصحاب الهمم، كما اهتمت بتطوير برامج وأساليب الرعاية والتأهيل، وإعداد البرامج التدريبية المهنية لهم.
وأشارت أورسولا روهرير مديرة مركز الشمس للأشخاص ذوي الإعاقة بالشارقة، إلى أن دولة الإمارات تطبق شعار «لكل طفل الحق في التعليم» وقضت قوانينها الاتحادية بإلزامية التعليم لتشمل المراحل التعليمية كافة، وصولاً لسن الثامنة عشرة، كما تدعم الدولة الخدمات التعليمية، وتوفر الأدوات والسبل التربوية الخاصة لأصحاب الهمم، لتفعيل دورهم التنموي في المجتمع بشكل كامل.
وأوضحت من هذا المنطلق أن المركز يقدم خدماته للأشخاص ذوي الإعاقة، موضحة أن إنشاءه جاء من أجل دعم أسرهم في إمارة الشارقة والإمارات المحيطة بها، ليوفر دروس التعليم الخاص للطلاب من جميع الجنسيات الذين تتراوح أعمارهم من 4-14 والتدريب ما قبل المهني والمهني للطلاب الذين تتراوح أعمارهم من 15-21 سنة، ويقدم خدمات علاج النطق والعلاج الوظيفي وخطط إدارة السلوك.

تصميم بمؤسسة محمد بن راشد للإسكان

حول مشاريع الإسكان الخاصة بأصحاب الهمم، قال سامي عبد الله قرقاش المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد للإسكان، إن المؤسسة تعمل على تنفيذ رؤية القيادة الرشيدة التي تحقق سبل العيش الكريم والرفاه لفئات المجتمع وخاصة فئة أصحاب الهمم.
وأشار إلى أن المؤسسة وفرت تصميمين لأصحاب الهمم، أحدهما لأصحاب الهمم الحركية، حيث تم إعداد المسكن بما يتواءم مع إعاقتهم ويسهل حركتهم بالأماكن المختلفة، إضافة إلى مكان صف المركبات مخصص لهم، فضلاً عن تجهيز دورات المياه المناسبة لاحتياجاتهم، أما عن التصميم الثاني فخصص لأصحاب الهمم البصرية التي تم توفير خدمات تتناسب مع طبيعة إعاقتهم، حيث تم توفير مجسات ناطقة بالمسكن ترشدهم للأماكن المختلفة.

تخصصات مختلفة

فيما يخص الإعاقة في دولة الإمارات، حسب تقرير صادر من وزارة تنمية المجتمع حتى نهاية شهر أكتوبر من العام الجاري، توجد 15 ألفا و443 حالة إعاقة متنوعة مسجلة في بطاقة أصحاب الهمم التابعة للوزارة، من ضمنهم 9 آلاف و249 من المواطنين، وسجلت إمارة أبوظبي العدد الأكبر منها.
وأوضح التقرير الخاص بالمسجلين ببطاقة أصحاب الهمم أنه من ضمن العدد الإجمالي 3 آلاف 547 حالة، وفي دبي 3 آلاف و254، أما عن الشارقة فلديها 3 آلاف و261 مسجلون بالبطاقة، وفي رأس الخيمة ألف و352.
وفي الفجيرة ألف و21 حالة، وفي عجمان ألف و47 حالة، وفي أم القيوين 288.
وحسب التصنيفات المختلفة لأصحاب الهمم الستة تصدرت الإعاقة الذهنية بواقع 5 آلاف و174 حالة، والإعاقة الجسدية 4 آلاف و354 حالة، والإعاقة المتعددة ألف و 882 حالة والتوحد ألف و741، والسمعية ألف 679، والبصرية 613 حالة.
وأظهر التقرير أن عدد الذكور المسجلين ببطاقة أصحاب الهمم التابعة للوزارة بلغ 9 آلاف و 796 حالة، مقابل 5 آلاف و647 أنثى، وهناك 83 مركزا لرعاية وتأهيل أصحاب الهمم في الدولة 7 تابعة للحكومة الاتحادية و19 مركزا حكوميا محليا، فضلاً عن 57 مركزاً خاصاً.
أوضحت كلثم المطروشي مؤسسة رابطة تمكين النساء ذوات الإعاقة، أن قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة دشنت في 11 أكتوبر 2011 «رابطة تمكين النساء ذوات الإعاقة» ، وفتحت المجال لتقييم ما يقدم لهن من خدمات، ومدى مطابقته مع الواقع والتوقعات.
وحرصت الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي المدير العام لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، نائبة رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، رئيسة رابطة تمكين النساء ذوات الإعاقة في الشارقة، على تبني ودعم الرابطة، لتخرج الحقائق من إطار وحدود مؤسسات الإعاقة والأشخاص ذوي الإعاقة إلى الإطار العام ولتحقيق المناصرة الذاتية. وقالت إن للرابطة أهدافا استراتيجية عدة تسعى إلى تحقيقها من خلال التعاون الحثيث مع طاقم العمل، حيث تسعى إلى ترسيخ الوعي بقضايا وحقوق النساء ذوات الإعاقة في جوانبها الذاتية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، والاقتصادية والتشريعية والإعلامية، إلى جانب تنمية إمكانات النساء ذوات الإعاقة.

أول صراف آلي للمكفوفين في الشرق الأوسط

بتوجيهات صاحب السمو حاكم الشارقة بضرورة تذليل جميع العقبات التي تحول دون تنفيذ مشاريع خاصة للمكفوفين، أطلق مصرف الشارقة الإسلامي، في نهاية يوليو 2012، صرافا آليا للمكفوفين يعتبر الأول في منطقة الشرق الأوسط.
وجاء إطلاق الصراف بناء على نهج الدولة العام في رعاية وتأمين متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة، وحرص صاحب السمو حاكم الشارقة على تذليل جميع العقبات أمام هذه الفئة وآخرها توجيهات سموه للمصارف بتقديم تسهيلات للمكفوفين في أعقاب مكالمة هاتفية تقدمت بها المحامية المكفوفة منار الحمادي لبرنامج البث المباشر، حيث تم فتح حساب لها في المصرف، أعقبه الإعلان عن أول جهاز صراف آلي للمكفوفين في المنطقة.

تمكين ودمج

أشار خميس بن سالم السويدي عضو المجلس التنفيذي لإمارة الشارقة، رئيس دائرة شؤون الضواحي والقرى بحكومة الشارقة، إلى أن دولة الإمارات أكدت نجاحها في جعل سياسات تمكين ودمج ذوي الإعاقة «أصحاب الهمم» في المجتمع كجزء لا يتجزأ من استراتيجياتها الوطنية الشاملة، الأمر الذي أسهم في توفير الفرص المتكافئة لجميع الأفراد منهم وتحسين أوضاعهم على امتداد الإمارات كافة.
وقال في معرض حديثه إن ما تؤمن به القيادة الرشيدة للدولة أن الاستثمار في الأفراد هو استثمار في التنمية الشاملة المستدامة للمجتمع، وأن كل فرد، بإمكانه المساهمة في تنمية المجتمع، إذا أتيحت له الفرصة المناسبة والبيئة الممكنة، كما نوه إلى ما قامت به الوزارات والجهات المعنية في الدولة من جهود ترمي إلى توفير الفرص المتكافئة لذوي الإعاقة في كل مجالات التعليم والتوظيف والمشاركة المجتمعية وغيرها، مستندة في ذلك إلى أفضل المعايير والممارسات العالمية الكفيلة بإدماج المعاقين في التعليم والوظائف وخدمات التدخل المبكر للأطفال وتدريب العاملين في مجالات الرعاية وإعادة التأهيل والتدريب المهني لذوي الإعاقات.