انتباه.. الكلمة الإلكترونية غير المحسوبة، قد تكلف صاحبها حريته، وماله، والاحتمالية هنا غير واردة، فالشواهد خير دليل، فبالأمس غرمت محكمة جنح كلباء سيدة أعمال نصف مليون درهم لإدانتها بسبّ موظف حكومي عبر حسابها في «سناب شات»، وقبل أيام تم تغريم شاب خليجي 250 ألف درهم لسبّه ابنة عمه عبر خاصية «واتس أب»، وهناك الشابة الخليجية التي مثلت أمام محكمة الفجيرة لنشرها مقطعاً مسيئاً لإحدى الدوائر الحكومية، متهمة القائمين عليها بالتقصير في خدمة المراجعين، فضلاً عن فاتنة «سناب شات» التي تبين أنها رجل، أوقعت في غرامها وشركها 50 شاباً، ونهبت أموالهم، وغير هذا وذاك، هناك ما يزال تنظره المحاكم، وما تقدم به آخرون من بلاغات للجهات الشرطية يتهمون فيها أصدقاء أو أقرباء، وربما زملاء، بسبّهم، وإهاناتهم.
القضية جل خطيرة، ولا يمكن تمريرها مرور الكرام، بعدما أخذت منحى مؤرقاً، فوسائل التواصل الاجتماعي الكارثية كشرت بقسوة عن أنيابها للجميع، وأضحت الكلمة التي يكتبها الفرد، أو يسجلها ويرسلها من خلالها لأي كان، دونما انتباه ووعي ويقظة لمعناها، وأبعادها، ومضمونها، وطبيعتها، بمنزلة المقصلة التي توقعه تحت طائلة الغرامة المالية، وربما السجن، لكون عقوبتها تزيد على تلك التي قد يحكم بها على شخص فيما لو تم شتم شخص آخر بشكل علني، لأن الشتم عبر «التقنية» تكون على مرأى الجميع.
ما بين المسموح، والمحظور من الكلمات المكتوبة، أضحى الجميع مهدداً ضمنياً حين التعاطي مع من حوله، إذ عليه الالتفات يمنة ويسرة في كل ما يدوّنه، ويقوله ويرسله، حتى لا يعرض نفسه للغرامة، أو السجن، وأحلاهما مر، ولا يعني الحديث هنا أن الإساءة يجب إغفالها، أو السب والقذف مطلوب التغاضي عنهما، لكن السقف في المفردات المستخدمة في التعاملات يجب أن يكون واضحاً، ومحدداً، فهل يجرم الفرد مثلاً، إذا قال لآخر عبر «سناب شات»، أو غيره «سامحك الله»، «أو حسبي الله»، أو غيرهما من العبارات والكلمات التي تتردد على الألسنة دوماً. في ضوء أن من الكلمات ما يحمل أكثر من معنى، ومن العبارات ما قد تفهم بأكثر من طريقة، إذ قد تنطوي على الإساءة وعكسها في الوقت ذاته، وأيضاً أليس في تجريم أية كلمة قد يوجهها أحد لآخر في موقف محتد بينهما، أو على سبيل المزاح، والتضاحك، شيء من المبالغة؟ وألا يمكن أن يدفع ذلك البعض للإيقاع بآخرين على أية وسيلة تواصل، ودفعهم للاحتداد، أو السب، أو حتى الانتقاد وخلافه، للتربح من وراء ذلك برفع دعوى عليهم والمطالبة بتعويضات؟
وأيضاً هناك من الأيقونات الإلكترونية ما قد يفهم بشكل خاطئ، وقد لا يؤخذ على محمل حسن نية إذا أرسله زميل لآخر، وبالعكس، فهل يندرج ذلك في إطار الإساءة، حيث من الممكن أن تدعي إحداهن أن مرسل الأيقونة يتحرش بها، و«عليه العوض» في ما سيتعرض له لاحقاً؟ القضية بحاجة ضرورية لبحث جوانبها المختلفة، وفي التحقيق الآتي وقفة مع مختصين لتوضيح ما لمستخدمي وسائل التواصل، وما عليهم، والواجب والمفروض، وغير ذلك:
بداية يؤكد القاضي أحمد الخاطري، رئيس محاكم رأس الخيمة، أن السب، واحتقار الإنسان، وازدراء البشر، أمور محظورة شرعاً وقانوناً، قائلاً: بعض الأفعال المجرّمة لها أثر كبير، لا سيما إذا اقترنت بوسيلة واسعة الانتشار، حيث يكون الأثر قاسياً جداً على سمعة الإنسان، وحالته النفسية والاجتماعية، وجرائم السب والقذف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإلكتروني من هذا القبيل، والمشرع الإماراتي متطور جداً، وواقعي في تشديده للعقوبات من خلال قوانين واضحة الصياغة والدلالة، ابتغاء ردع من تسول له نفسه الاعتداء على كرامة الإنسان، وسمعته.
عقوبات مغلّظة
وقال القاضي جاسم محمد البلوشي من محكمة استئناف دبي، إنه نظراً لشيوع وانتشار وسائط ووسائل تقنية المعلومات بين البشر أراد المشرع أن يجعل من تلك الوسيلة ظرفاً مشدداً، إذا كان القصد منها ارتكاب جريمة، ومن اجل هذا أصدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، مرسوماً بقانون اتحادي رقم (59) لسنة 2012 -وأفرغ فيه مجموعة من الجرائم إذا كانت الوسيلة المستخدمة فيها تعد من وسائط تقنية المعلومات، فجعل لها عقوبات مغلظة، وبالتالي، فإذا استخدمت المحادثات عن طريق (الواتس أب)، وإحدى وسائل تقنية المعلومات، في ارتكاب جرائم على سبيل المثال لا الحصر: سبّ الأشخاص، أو قذفهم، أو التحريض على ارتكاب جرائم، أو استخدامها لخلق حالة من حالات الكراهية، أو العنصرية، أو الطائفية، أو إثارة الفتنة، أو الإضرار بالوحدة الوطنية، أو الإخلال بالنظام العام، أو الآداب العامة، فجميع تلك الجرائم قد وضع لها المشرع عقوبات في القانون سالف الذكر.
أضاف: إذا ارسل أحد الأشخاص عبر برنامج الواتس أب عبارات سب، أو قذف، أو تهديد إلى أحد الأشخاص فبإمكان الطرف الآخر الإبلاغ عنه، واتخاذ الإجراءات القانونية ضده التي قد تصل إلى محاكمته والقضاء بمعاقبته بالحبس والغرامة، أو إحداهما.
وبالنسبة لاعتبار إرسال صورة وردة أو قلب تحرشاً فإنه يتم بحث ودراسة كل واقعة حسب ظروفها، وبحث توافر القصد الجنائي لدى الجاني المرسل من عدمه.
واكد أن صدور القانون المشار إليه عاليه هو الضمانة لحماية الأشخاص من الاستغلال السيئ للبعض لتلك الوسائل.
حلقة مفقودة
يفند الإعلامي والمستشار القانوني د. يوسف الشريف، القضية، منوها بأنه في الآونة الأخيرة انتشر الكثير من الحالات التي تثبت فعلياً تفعيل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي أتاح لأي شخص محاسبة أي مسيء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو تطبيقات التراسل، ولكن مع هذا التفعيل برزت العديد من المشكلات، حيث قابلت هذه الحوادث حالة من الاستهجان في المبالغة في العقوبة مقارنة بالفعل، أو الجريمة المرتكبة.
وينوه بأن الصرامة الكبيرة من القانون في محاربة جرائم تقنية المعلومات، والعقوبات الرادعة جداً، والتشدد جاء للقضاء على مثل هذه الجرائم، أو الحد منها على أبعد تقدير، حفاظاً على المقومات الأخلاقية للمجتمع الإماراتي تحديداً، قائلاً: تبقى الموازنة بين الجريمة والعقوبة هي الحلقة المفقودة، فالقوانين نصها صريح وواضح، والمشكلة تكمن في قدرة الناس على تقييم تصرفاتهم وانفعالاتهم التي قد تعرضهم لعقوبة غليظة، مقارنة بما يرونه من السهولة والبساطة في دردشاتهم، ومنشوراتهم.
فقد انتشر قبل أيام خبر سبّ شاب لابنة عمه عبر تطبيق التراسل «واتس أب»، وكانت عقوبته الغرامة 250 ألف درهم، وهذه العقوبة كبيرة جداً مقارنة بالتلفظ الذي أرسله لابنة عمه، وهنا نلاحظ أن المشرع غلّظ من عقوبة السب الإلكتروني، في حين أن العقوبة أخف بكثير لو كان السب مباشراً، وتكمن هنا الإشكالية، حيث إننا بحاجة للبحث أكثر في نص القانون ودراسة العقوبات التي جاءت فيه، وضرورة بيان الأسباب المصاحبة للحكم، لا أن تطلق كعنوان بارز لا ينتفع به إلا من باب الإثارة، و«التوك شو» في مناقشات «القروبات»، فالمشكلة التي تواجهنا ليست في الأحكام التي تصدر، فهي بالأساس مستندة إلى القوانين الصادرة بهذا الشأن، ولكن المشكلة في بواعث الحكم، وأسبابه المخفية عن عموم الجمهور، والتي هي بحاجة لمعرفة وتقدير موقفها من التعامل بمثل هذه الوسائل التقنية.
فمن غير المعقول أن يُعتبر قيام شخص بإرسال «ايموشن» قلب حب، أو سكين، على أنه تحرش أو تهديد، فهنا يمكن الاستناد إلى المحادثة الكاملة بين الشخصين، والبحث في أركان الجريمة بشكل كامل، فربما تفهم هذه التعبيرات على أنها نوع من المزاح، أو نوع من الطرافة، وربما تفهم على أنها بالفعل تحرش، أو تهديد إلكتروني، وأنا لا أشك في أن المحكمة تدرس مثل هذه الحالات بعناية شديدة، ولكن تناقل الإعلام لمثل هذه الأخبار هو الذي يشكل المشكلة الحقيقية، فمثل هذه الحالات تصيب المجتمع بحالة من الرعب، والذعر، والاستهجان من مثل هذه القوانين وتطبيقاتها، خصوصاً أننا نتعامل مع ثقافات مختلفة، كل ثقافة لها عاداتها وتقاليدها التي تحدد درجة الانفتاح التي بموجبها تتقبل، أو ترفض مثل هذه التصرفات، ومن هنا أتمنى على وسائل الإعلام أن تراعي وتنشد الحقيقة في نقل مثل هذه الأخبار من مصادرها الموثوقة.
نهج متشدد
أما د. حبيب الملا، فيرى أن المشرع الإماراتي تبنى نهجاً متشدداً في إيقاع العقوبة في الجرائم التي تتم عن طريق وسائل التقنية الحديثة، سواءً من ناحية تغليظ العقوبة المتمثلة في الحبس، أو الغرامة، أو حتى في التدابير الاحترازية، كالإبعاد، إذ جعله وجوبياً في الجرائم التي تُرتكب من خلال وسائل التقنية الحديثة.
وأضاف: نظراً لتوقف المشرع الإماراتي عن إصدار المذكرات الإيضاحية للقوانين التي يُصدرها، فإنه من الصعوبة فهم مقاصد الشارع في تغليظ العقوبة التي تتم من خلال إحدى وسائل التقنية الحديثة، ولا يعود أمام الباحث سوى محاولة التنبؤ بمقاصد المشرع، وإصداراته، ويبدو لي أن المشرع الإماراتي رأى أن ارتكاب جريمة من خلال وسائل التقنية الحديثة والتواصل الاجتماعي يجعل أثرها أكثر انتشاراً، وأبعد مدى بسبب انتشار هذه الوسائل الأمر الذي يبرر معالجة مثل هذه الجرائم بشكل خاص، وتغليظ العقوبة فيها، وقد أختلف مع هذه النظرة، وقد أكون مخطئاً في هذا التوجه، فجريمة السب مثلاً، أو القذف، هي ذاتها جريمة السب والقذف سواءً أوقعت من خلال التلفظ بكلمات السب، أو من خلال إرسالها برسالة نصية قصيرة، وإذا كان الهدف من تغليظ العقوبة هو الانتشار الذي تُحدثه عبارات السب والقذف إذا تم استخدام وسائل التقنية فيها، فعندها يجب أن يكون تغليظ العقوبة مرتبطاً بالانتشار، وليس باستخدام وسائل التقنية تحديداً، في ارتكاب الجريمة، إذ قد يحدث في المستقبل مثلاً أن يتحقق الانتشار بوسيلة أخرى غير وسائل التقنية، والاتصال الاجتماعي، فسنكون حينها في مفارقة عدم تغليظ العقوبة مع تحقق الانتشار.
من ناحية أخرى- والكلام للملا- فإنه ليس لجميع وسائل التواصل الاجتماعي السعة والانتشار نفسيهما، فتدوين عبارة من خلال تغريده في موقع «تويتر» مثلاً، يختلف تماماً عن إرسال رسالة من خلال تطبيق (الواتس أب) بين شخصين، فالحالة الأخيرة أشبه بمحادثة مغلقة بين طرفيها، ومن ناحية أخرى، فإن هذه الجريمة يجب أن تكون مرتبطة بالشكوى، وقابلة للتنازل لوجود البُعد الشخصي فيها، فمثلاً أذكر واقعة سبَّ فيها زوجاً زوجته من خلال «الواتس أب» بعد شجار بينهما، ونظراً لكون الحكم بالإبعاد وجوبياً فقد قضت المحكمة به، مع أن الزوجة تنازلت عن شكواها لاحقاً بعد أن تصالحت مع زوجها، إلا أن حكم الإبعاد ظل قائماً ما تسبب بتشتيت شمل الأسرة التي قضت سنوات في الدولة من دون أية مخالفات، لذلك، أرى أن قوانين الجرائم الإلكترونية بحاجة إلى مراجعة شاملة وجادة، بعد أن كشف التطبيق عن بعض حالات العوار فيها، تحقيقاً للمصلحة العامة في المجتمع.
التجريم والعقاب
ويلفت المحامي أحمد أميري، إلى أن القانون لا يفرق في التجريم والعقاب من حيث الفضاء، أو المجال الذي تقع فيه هذه الجريمة، فكما يمكن أن تنتهي محادثة وجهاً لوجه بين اثنين إلى انزلاق أحدهما إلى سبّ، أو قذف، أو تهديد الآخر، فقد تنتهي محادثة عبر «الواتس أب» بتلك الطريقة، ويبقى أن القانون شدّد عقوبة السبّ والقذف والتهديد إذا وقعت الجريمة عبر وسيلة إلكترونية، قياساً إلى عقوبات هذه الجرائم لو وقعت وجهاً لوجه مثلاً، أو عبر اتصال هاتفي، أو رسالة ورقية، نافياً فكرة أن يستغل البعض هذه المحادثات للإضرار بالآخرين أو تحصيل مبالغ منهم، حيث لا يرى أي استغلال أو إضرار بالآخرين في الأمر، منوهاً في ذلك بأنه ما دامت الإساءة إلى الناس جريمة معاقب عليها، وما دام القانون يكفل لمن أسيء إليه تقديم شكوى ضد من أساء إليه، فلا يمكن القول إنه استغلّ شيئاً، أو أضرّ بمن أساء إليه، وإذا لطم شخص آخر على وجهه، وأسرع هذا إلى تقديم شكوى اعتداء ضد من اعتدى عليه، فإننا لا نقول عنه إنه استغلّ ما حدث ليضرّ بمن ضربه، ومن جهة أخرى، لا تذهب المبالغ التي يحكم بها على المتهم في هذه القضايا إلى جيب المجني عليه، بل تذهب إلى خزانة الدولة، لأنها عقوبات مالية، وليست تعويضاً، والمجني عليه في قضايا السبّ والقذف له إذا شاء أن يطالب بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي الذي حاق به نتيجة وقوع الجريمة عليه، والمحكمة تقدّر له التعويض الجابر للضرر، كما يحق له التنازل عن شكواه بالشروط التي يراها مناسبة، فقد يكتفي باعتذار علني من الجاني، وقد يطالب بمبلغ من المال ليتنازل عنه.
تخفيف الغرامات
وتعرج المحامية منوهه هاشم، إلى أن التقنيات الحديثة باتت في العصر الراهن جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، إن لم تكن تشمل جل الوقت عند البعض، إلا انه لكل شيء إيجابيات وسلبيات، تتحقق الأولى بالاستغلال الصحيح البعيد عن الإضرار بالنفس، أو بالغير، أما السلبيات فتكمن في سوء الاستخدام الذي يجر الويلات والعقوبات، على حد سواء.
وتنطلق للقول: نرى في أروقة المحاكم قضايا كان الدافع الرئيسي من ورائها، سوء الاستخدام وسوء الاستقبال من المتلقي، وتعج المحاكم بمثل هذه القضايا، ونص المشرع في جرائم السب باستخدام الشبكة المعلوماتية، أو وسائل تقنية المعلومات، في الفقرة الأولى من المادة (20) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، على معاقبة كل من سب الغير، بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 250 ألف درهم، ولا تجاوز 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بما يعني أن المشرع قد شدد عقوبة السب المرتكبة عن طريق الشبكة المعلوماتية، لأن ارتكاب الفعل الإجرامي حينئذ يكون أسهل من نظيره من حيث التنفيذ.
وقد يتبادر إلى أذهان البعض أن مثل هذه الجرائم قد يكون الهدف التربح، ولكن تحديد العقوبة المناسبة، لابد أن يتناسب مع الجرم المرتكب، وكل ذلك واقع تحت سلطة وتقدير القاضي، ومع ما نص عليه المشرع الإماراتي، ومن هنا نناشد المشرع بتخفيف العقوبة المتمثلة في الغرامات التي دفعت البعض لاستفزاز الآخر لغرض الحصول على المال، لأنه في بعض الحالات قد يكون الهدف ربحياً بحتاً، وليس الغرض استرداد الكرامة.
توعية وتنبيه
قال الخبير التقني د. عبيد المختن: هناك أشخاص فهموا القوانين بصوة مغايرة، ليس لحماية الحقوق وإنما أصبحت وسيلة لإيقاع الآخرين في شرك الخطأ أو التلفظ بألفاظ مسيئة، حيث إن بعض الأشخاص قد يلجأون إلى استفزاز آخرين غيورين على وطنهم، ودينهم وأخلاق المجتمع، فيحاولون إرجاع الشخص المخطئ، وبالتحاور قد يفلت الشخص أعصابه، وتصدر كلمة ما، فيسجلها الآخر، ويتوجه على الفور التالي للمحكمة، والمشتكي غير مستفيد، لأن المبالغ المحصلة تذهب للدولة، لكنه يحاول أن يجري تسوية خارج المحكمة، بحيث إن اقل عقوبة في هذه الجرائم 250 ألف درهم، فيطلب من المشتكي في حقه دفع مبلغ كذا له للتنازل، حتى لا يتعرض للعقوبة، لذا لابد من توعية وتنبيه الناس إلى أن كل كلمة أصبحوا محاسبين عليها، وعليهم تجنب التلفظ إلكترونياً بما يعرّض الفرد للمساءلة القانونية.
السب عبر مكبر صوت أقل ضرراً من «المواقع»
أكد المحامي أحمد أميري أن ما يثير الضجة في الجرائم الإلكترونية فعلاً، هو العقوبات التي تصدر في مثل هذه الجرائم، فهي عقوبات مغلظة قياساً إلى عقوبات الجرائم نفسها لو وقعت خارج الفضاء الإلكتروني، قائلاً: لهذا الموضوع خلفية لا بد من الرجوع إليها. فحين برزت ظاهرة الجريمة الإلكترونية مع ظهور الإنترنت، تحركت الدول لوضع قوانين تحدّ من تلك الظاهرة، واتجه المشرع الإماراتي إلى تشديد عقوبة الجرائم الإلكترونية، نظراً لاتساع مجال تأثيرها، وفداحة الأضرار التي تنجم عنها. ذلك أنه لا يمكن مساواة عقوبة من ينشئ موقعاً متاحاً أمام الجميع يبيع من خلاله بضائع مغشوشة، بعقوبة من يبيع بضاعة مغشوشة في الشارع. فضلاً عن الجرائم الإلكترونية التي ينتج عنها تدمير للبنية التحتية، كإيقاف عمل محطات الكهرباء، وتدمير الملفات الإلكترونية للمرضى، واختراق أنظمة البنوك.
لكن ظهرت إشكالية في قانون الجريمة الإلكترونية بسبب افتراضه أن كل جريمة إلكترونية نطاق تأثيرها كبير، وينجم عنها ضرر فادح، إذ عند تطبيق القانون على وقائع حدثت فعلاً، تبين أن عنصر النطاق الكبير والضرر الفادح لم يتحققا فيها، لكن حُكم على الفاعل بعقوبة مشددة.
وقال أميري: مثلاً عقوبة السبّ عبر رسالة إلكترونية لا يطلع عليها إلا من أرسلت إليه، أشدّ من عقوبة السبّ عبر مكبّر للصوت في قاعة تضم مئات الأشخاص، والتباين بين العقوبتين كبير إلى درجة أنه لا يسعنا إلا التوقف أمامه، فالسبّ الواقعي عقوبته الحبس مدة لا تزيد على سنة، أو الغرامة التي لا تجاوز 10 آلاف درهم، بينما السبّ الإلكتروني عقوبته الحبس والغرامة التي لا تقلّ عن 250 ألف درهم، ولا تجاوز 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وقد نفهم العلّة من تغليظ عقوبة السبّ في «تويتر»، حيث الإساءة تكون على مرأى الجميع، لكن التفاوت الكبير في عقوبة السبّ عبر الهاتف أو من خلال ال«واتس أب» يبقى غير مفهوم، كما أن السبّ بواسطة رسالة خاصة في «تويتر» لا يطلع عليها إلا من أرسلت إليه، عقوبتها أضعاف عقوبة السبّ عبر الفاكس، باعتبار أن الفاكس ليس من وسائل تقنية المعلومات، والتفاوت ليس في مقدار الغرامة فحسب، وهو تفاوت يصل إلى 25 ضعفاً و50 ضعفاً، وإنما في العقوبات المقيدة للحرية أيضاً.
ومثل هذا يحدث مع كل الجرائم التي يمكن ارتكابها واقعياً وإلكترونياً، حيث التشديد يلحق بالإلكتروني منها، بصرف النظر عن فداحة الضرر، كجرائم السب والقذف والتهديد والاعتداء على الخصوصية وإفشاء الأسرار والاحتيال وغيرها، حيث يمكن ارتكابها بأكثر من وسيلة، فإذا كانت الوسيلة المستخدمة يصدق عليها وصف وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، وقع الفعل تحت طائلة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لسنة 2012، فإذا ارتكِب الفعل بواسطة وسيلة أخرى، وقع تحت طائلة قانون العقوبات لسنة 1987، ولكن الاستناد إلى هذا المعيار تنشأ عنه عدة إشكالات في ظلّ تغليظ العقوبات في جرائم تقنية المعلومات.
توحش حضاري
أوضح د. أحمد النجار أستاذ علم النفس في جامعة الإمارات، أن المعايير المجتمعية تحولت إلى مادية، وأثرت في المنظومة القيمية والأخلاقية النبيلة في التعاملات بين الناس، حيث انكمش الرقي، واصبح الناس يحسبون تصرفاتهم وتعاملاتهم على أساس المادة، وما يتحصل عليه الواحد منهم، وليس على أساس معنوي قيمي، وبالتالي بدأت تظهر معاني «التوحش الحضاري»، حيث كان البعض يلجأ سابقاً إلى الاحتيال، والنصب، وتحرير شيكات من دون رصيد، وعندما وقف القانون لهم بالمرصاد، لجأوا إلى أساليب أخرى مستحدثة للحصول على المال باستخدام التذاكي الاجتماعي، وأساليب قانونية ملتوية، حيث يلجأ المجرم من هؤلاء إلى تحويل نفسه إلى ضحية، بدفع من أمامه إلى سبه، والتشهير به - مثالا-، وبمجرد حدوث ذلك، يسارع برفع دعوى مطالباً بتعويض، ورد شرف، وبذلك يكون قد أخذ حقه مرتين، الأولى بإيذاء خصمه معنوياً، والثانية بتغريمه قانونياً، وقال: نتوقع مشكلات اجتماعية مقبلة، لأن جرس الإنذار اصبح يدق بوضوح، جراء التحول الجوهري في قيم الناس، ومعاني التعامل لديهم.
مواقع للتشهير والقذف
** محكمة جنح أبوظبي، نظرت قضية سبّ وقذف منذ فترة، القضية المعروفة إعلاميا باسم «عروس الدراجة النارية»، التي تقدم بها زوج وزوجته ضد 35 شخصاً، بعد أن نشر الزوجان على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لعرسهما، ظهرا فيه بملابس العرس على درجة نارية، فتلقيا انتقادات حادة ولاذعة وصلت إلى السبّ والقذف.
** نظرت محكمة جنح الشارقة، قضية سبّ زوجة لزوجها عبر تطبيقي «واتس أب» و«فايبر»، وتهديدها له، حيث كان الزوج قدم بلاغاً إلى شرطة الشارقة بحق زوجته، أفاد فيه بتلقيه رسائل تضمنت ألفاظاً مسيئة، وعبارات نابية، وتهديدات صريحة له، فيما أيدت المحكمة الاتحادية العليا طعن النيابة العامة ضد حكم قضى بعقوبة مخففة على متهم سب آخر عبر برنامج ال«واتس أب»، إذ أكدت وجوب تطبيق العقوبة التي نص عليها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهي الغرامة 250 ألف درهم والإبعاد للأجنبي، وأحالت القضية إلى محكمة الاستئناف.
** قضت إحدى محاكم الجنح بحبس زوجة خليجية غيابياً لمدة شهرين، لأنها لم تتمالك أعصابها من الغيرة والغضب على زوجة طليقها، ودأبت على توجيه شتائم مستمرة لها عبر تطبيق «واتس آب»، فدفعت ثمن اندفاعها.
** نظرت محكمة استئناف أبوظبي قضية اتهام شاب (عربي) بسبّ ابنة عمه عبر «واتس أب»، وعاقبته محكمة أول درجة بغرامة قدرها 250 ألف درهم، وقررت حجز القضية للحكم في جلسة 23 إبريل/ نيسان الجاري.، وكانت المجني عليها تقدمت ببلاغ تتهم فيه ابن عمها بسبها عبر برنامج «واتس أب»، حيث قال لها: «احترمي نفسك، أنت مو محترمة بكلامك»، فأسندت له النيابة العامة تهمة سب المجني عليها عن طريق الشبكة المعلوماتية، وطالبت بمعاقبته طبقاً لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وأصدرت محكمة أول درجة حكماً بتغريمه 250 ألف درهم وألزمته بالرسوم القضائية.
** قضت محكمة الاستئناف في خورفكان، بتغريم أحد الأشخاص 3000 درهم، بتهمة سب وقذف آخر عبر تطبيق «إنستجرام»، وألغت حكم محكمة الدرجة الأولى بحبسه لمدة عام.