الشارقة: عثمان حسن

شهدت بدايات القرن العشرين، ظهور مفهوم التجريب المسرحي في العالم.. والتجريب المسرحي كما يجمع النقاد، يقطع مع كل أشكال المسرح المتعارف إليها، ولا يمكن ربطه بنوع أو تيار أو بمرحلة زمنية، أو حركة مسرحية محددة، لذا يمكننا اعتباره الدافع الأساسي للإبداع في الفن المسرحي، منذ ولادته إلى يومنا هذا.

اشتغلت بعض حركات التجريب في المسرح على النص، وعناصر العرض كافة، لكن بقي القاسم المشترك فيما بينها، هو تلك الرغبة في تطوير المسرح بشكل جذري، ومختلف تماماً عن جميع التقاليد والأعراف والقوانين المسرحية التي آلت بحسب التجريبيين إلى الجمود والركود.

وفي ذات الإطار، هناك من يصف المسرح التجريبي، في وقوفه على النقيض مع المسرح التقليدي «الأرسطي» وهذا ما أكده المسرحي الألماني «برتولد برخت» عندما أكد أن كل مسرح بعيد عن رؤية أرسطو هو مسرح تجريبي.

من هنا، فإننا أمام شكل جديد للمسرح، وهو بالتأكيد ليس تياراً أو مدرسة، وإنما محاولة من قبل العديد من المسرحيين، لبث طاقة جديدة في العرض المسرحي، وخلق حالة تفاعلية مع الجمهور.. وبهذا المعنى، فقد لعب الاشتغال المسرحي التجريبي على الرؤية البصرية والجمالية، وخرج من القواعد الثابتة لشكل العرض المسرحي.

على المستوى العربي، ثمة آراء نقدية تؤرخ لبداية ظهور هذا المفهوم مع مطلع ستينات القرن الفائت، ومن هؤلاء الكاتب والمخرج والناقد المسرحي السوري فرحان بلبل خاصة في كتابه «المسرح التجريبي الحديث عالمياً وعربياً» وهو لا يختلف كثيراً في تعريف هذا المصطلح، بوصفه كما يقول «نوعاً حديثاً يقطع مع ما سبقه من أنواع المسرح المعروفة، متجاوزاً الأشكال المسرحية المختلفة، بغرض تقديم أفكار متقدمة ورؤية جديدة للعالم»، ويؤكد على أنه مسرح لا سلطة للمؤلف عليه، بل يخضع لمخرج يبتكر نصاً أو مجموعة من الممثلين، يبتدعون حواراً خلال ورشة تدريبية، فيقومون بمساعدة المخرج بتقديم أداء يعتمد على التمثيل بشكل خاص، ويطرح فكرة ليست مطروقة من قبل، ويخاطب هذا المسرح مختلف التيارات الفكرية والسياسية والعقائدية، ولهذا المسرح بحسب بلبل عدة ميزات منها، أن المخرج هو البطل الأوحد في المسرح التجريبي، وهو أيضاً يستوعب كافة التيارات الجديدة في المسرح، ويعتمد في الأساس على اللغة المنطوقة أو التقنيات أو الإيماءات، وهو ما طبع هذا المسرح بالعالمية، ومن خصائصه أيضاً: تدمير عناصر العرض المسرحي، التي ضبطها ستانسلافسكي في نظريته حول «إعداد الممثل» أي التكامل والتوازن بين الكاتب والمخرج والممثل والجمهور، بترجيح كفة الممثل في العرض التجريبي، والنظر إليه بوصفه «سيد العرض» الذي يقوم بصياغة الكلام، أما نص المسرح التجريبي فقد يكون نصاً معروفاً، يقوم المخرج بإعداده إعداداً جديداً، وربما يقلبه رأساًَ على عقب، ليتماشى مع رؤيته، وقد يكون نصاً من تأليف المخرج ذاته هو أشبه بالسيناريو الخاص بالعرض.

وبمرور السنوات، وفي مطالع الألفية الجديدة، سطع نجم المسرح التجريبي أكثر، فأمسى بحسب النقاد ظاهرة واسعة في المسرح العربي، ففي سوريا على سبيل المثال برزت أسماء كثيرة منها: فايز قزق، والمخرج خلدون كريم، الذي أنشأ محترف تياترو للفنون الأدائية، كما برز في لبنان «لوسيان بورجيلي».. وانتشر هذا المسرح في عدد من دول الخليج العربي، أما في مصر فتأسس فريق الخشبة المقدسة، وفريق «تياترو» للمسرح المستقل، وغيرها، ولا ننسى في هذا المجال «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وكما هي حال مصر وسوريا فقد برزت تجارب مهمة في المسرح التجريبي في المغرب وتونس وعمان والأردن وغيرها.

في الإمارات برز المسرح التجريبي من خلال أسماء مؤسسة لها وزن، ومن هؤلاء الرائد عبدالله المناعي الذي يقول عنه الناقد المسرحي العراقي الدكتور عبد الإله عبد القادر: «بقي الفنان عبدالله المناعي، اللاعب الأساسي في مسرح الإمارات، طيلة عقود من الزمن، فتميزت رؤاه، بجرأة الطرح» ويتتبع د. عبد القادر إنجازات المناعي وعوالمه الجمالية في «أبو الفنون» في كل مهرجانات المسرح العربية، حيث برز، كأحد أهم المسرحيين الذين أسهموا بعمق وتأثير حيوي، في تطوير المسرح، وتشكيل أو توزيع، مفردات لوحة تاريخه المشرف.

في ذات الإطار يمكن الإشارة لتجربة المخرج المسرحي الإماراتي الأبرز محمد العامري الذي شارك في العديد من المهرجانات المحلية والعربية والدولية ونالت مسرحياته العديد من الجوائز، كأفضل مخرج وسيناريست وهو صاحب بصمة متميزة وواضحة ومن أعماله: (صهيل الطين، حرب النعل، بالأمس كانوا هنا، اللوال، المجنون، غصة عبور وغيرها الكثير).

وبعد يظل «المسرح التجريبي»من التجارب اللافتة في المسرح العربي والعالمي اليوم، وهو أرسى قوانين وشروط فنية جديدة في«أبو الفنون» وعالج الكثير من القضايا بعمق وتوسع، وأفرز حالة مسرحية فيها الكثير من البعد الثقافي والفكري والتجديد في الصياغات والطرح والرؤى.