الشارقة: علاء الدين محمود

«كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة»، هذه المقولة العبقرية مازالت تردد منذ قرون، وهي تقف شاهدة على شخصية استثنائية في تاريخ الفكر والفلسفة، ولا عجب في ذلك فقائلها هو محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، وهو من أبرز علماء التصوف في القرن الرابع الهجري، ويجمع بين التصوف والفلسفة والأدب، وقد لقيت هذه العبارة صيتاً واسعاً، فتناقلتها الأجيال، وذلك لعمقها ونجاحها في تصوير حال الإنسان عندما يعجز عن التعبير عما في الوجود من أسرار، وقد تناولها كثير من الباحثين والنقاد وأشبعوها شرحاً وتأويلاً وكأنها نصاً فلسفياً كاملاً.

الرؤية دائماً رحبة متسعة لا تحدها حدود، بينما الكلمات قاصرة عن الإحاطة بالمعاني والأسرار، وبالتالي فإن الكلمات غطاء للحقيقة وستر لها، وعلى ذات طريقة هذه المقولة، اتسمت نصوص النفري الفلسفية والصوفية بالطابع الغامض والمنغلق، وكأنما الصوفي الجليل يأبى أن تنفتح مغاليق كلماته إلا لمن أوتي المعرفة والعلم واجتهد لكي يصل إلى درر المعاني الكامنة في نصوصه، وبالفعل فإن من أول من عرّف الناس بالنفري وفلسفته وتصوفه عبر إشارات عميقة، كان عبقرياً آخر من عباقرة الفلسفة والتصوف هو محيي الدين بن عربي، خاصة في مؤلفاته «الفتوحات المكية»، و«رسالة الأعيان»، وهي الكتب التي أشار فيها ابن عربي إلى كتاب النفري «المواقف والمخاطبات»، وهو من أشهر النصوص الفلسفية والصوفية على حد سواء.

حياة غامضة

كصحابها ونصوصه، كانت حياة النفري غامضة، فلا أحد يدري على وجه الدقة والتحديد متى وُلد، وحتى تاريخ وفاته المتداول سنة 375 ه/‏965 م، مختلف فيه، ولكن أبرز ما عرّف بالنفري هو ما كتبه عفيف الدين التلمساني الذي عاش في القرن السابع الهجري/‏الثالث عشر الميلادي، لكن الثابت أن النفري وُلد ببلدة نفر في العراق، وعاش في عصر الدولة العباسية، وكان كثير السفر والترحال، فتنقل كثيراً، خاصة بين العراق ومصر، وعرف بأنه لا يستقر في مكان واحد، ويميل إلى حياة العزلة والزهد بعيداً عن أعين الناس، مكتفياً بالله تعالى راجياً القرب منه، فكانت رحلته الدائمة إلى الله عز وجل سبيلاً لنيل الرضى والقبول، ولأن تتفتح له الأسرار، وتتنزل عليه فيوض الحكمة والمعرفة والمحبة الإلهية، وقد كان قانعاً بذلك، يوطن نفسه لعيش حياة السالكين، يقضي وقته تفكيراً وتأملاً في ملكوت الله؛ لذلك قال عنه المستشرق الإنجليزي رينولد نيكلسون، المتخصص في التصوف وأخبار أعلامه: «هو درويش جواب آفاق، مغامر في أقطار الأرض»، وقد ذكر كثيرون أن النفري لم يكتب شيئاً، وإن كل ما تركه هو كلام شفهي التقطه تلاميذه ودوّنوه تكريماً لأستاذهم.

المواقف والمخاطبات

يرجع الفضل بشكل أساسي للمستشرق آرثر جون آربري، في اكتشاف أحد أهم المؤلفات الصوفية؛ بل يعتبره البعض أفضلها على الإطلاق، ألا وهو كتاب النفري «المواقف والمخاطبات»، سنة 1934، ومنذ تلك اللحظة صار هذا المرجع نهباً للبحث والتشريح من قبل العلماء والأدباء والنقاد والمثقفين، وقد أعجبوا به أيما إعجاب، خاصة الشعراء والأدباء لكون الكتاب يمثل مرجعية مهمة في الأدب، وكانت لآربري تجربة سابقة مع النفري في مؤلفه «مقامات النفري»، وهذه المقامات والأحوال أصبحت من الثوابت التي تُلزِم كلَّ صوفي بالسير إليها والترقي عبرها، فهي من الأشياء التي يكتسبها الصوفي ويحققها منهجاً وسلوكاً، وتبدأ مقامات الصوفي بالتوبة، وتنتهي بالتوحيد؛ وبينهما الخوف، والرجاء، والصبر، والزهد، والفقر، والمحو، والإثبات، والتوكل، والتسليم، والرضى.

أما الأحوال فهي واردات ترد على القلب، فتبرق وتختفي، ليستأنف الصوفي السير والسلوك. أما في ما يتعلق ب«المواقف والمخاطبات»، فقد اعتمد آربري على عدد من المخطوطات النادرة في جمعه وتحقيقه لهذا السفر العظيم، حتى صار مرجعاً مهماً في التعرف إلى أفكار النفري والتصوف بشكل عام.

ومن خلال بحوث عديدة، تمكن آربري من التعرف إلى بعض من حياة القطب الصوفي الكبير، فقد وصفه بأنه شخصية شديدة الغموض، وهنالك الكثير من المخطوطات التي اكتشفت لاحقاً ولم يطلع عليها آربري، وقد قدمت هي الأخرى الكثير من الإضاءات عن النفري.

الأديب

يعتقد الكثيرون أن النفري وعبر أسلوبه الخاص، وإتقانه اللغوي حد الإبداع في الرمز والإشارة والتكثيف والغموض، واللجوء إلى الكتابة الشذرية، خاصة في مؤلفه «المواقف»، لقد تجاوزت تجربته إمكانات الواقع، من أجل أن تُحسِنَ الغوص في داخله، وتُحسن استقصاء ما يُضمره، فهي تجربةُ رموزٍ وإشارات وتلميحات.

والواقع أن تجربة النفري الأدبية لا تبتعد ولا تنفصل عن تجربته الصوفية والإيمانية، فهو قد أقبل على طريق التصوف والزهد والتقرب إلى المولى عز وجل، بأدوات الشعر والكلام المرسل الذي يحمل الكثير من الغموض والتوريات، فهي عوالم أراد لها ألا تنفتح، ولعل النفري لا يريد لأحد أن يشركه في رحلته الروحية إلى الله تعالى، حيث الأنوار الدرية والمعارف والحكمة.