الشارقة: علاء الدين محمود
لا شيء يحول بين العبد وربه، فإن حانت لحظة توبته وهدايته، تلفت القلب إلى نور الرب؛ ليجده في كل مكان، يغمره بالمحبة والحنان، ورابعة العدوية الصوفية هي نموذج للمرأة التي جاءت إلى ربها، بعد يأس فوجدت ما عنده من كرم ورحمة أكبر من أن يسعه شيء، تابت إليه بعد سنوات تيه طويلة وقاسية لم تدرك فيها معنى الحب الحقيقي، ولا الأمان ولا الطمأنينة؛ بل عاشت في عالم من الزيف والاغتراب عن الله وعن ذاتها، فكانت أن قادتها خطى الأقدار المسطرة إلى طريق الهداية، لتبدأ صفحة جديدة مع الحياة عانقت فيها الأنوار، فعاشت زاهدة ناسكة متبتلة في محراب حب الله تعالى، زاجرة النفس عن الهوى مقومة لها حتى تسير في الطريق المستقيم.
ولدت رابعة العدوية في مطلع القرن الثاني الهجري، بالبصرة في العراق، وهي بنت إسماعيل العدوي، وسميت رابعة؛ لأنها كانت الابنة الرابعة على ثلاث أخوات، وقد ولدت لأبوين فقيرين؛ لكنهما كانا من المؤمنين الورعين، ونشأت في بيئة دينية قويمة، وحفظت فيها القرآن ورتلته، وكان لديها من عذوبة الصوت ما يشجي السامعين.
يموت الأب فتصبح رابعة وحيدة، وتتفرق أخواتها عنها، ووقع في البصرة قحط عظيم ووباء ومرض، وكثر اللصوص في المدينة، ووقعت عين أحدهم على رابعة، فأخذها ليبيعها في سوق النخاسة لأحد السادة، والذي كان حاد الطابع، وفاجر النفس، وقد ذاقت الأمرين في بيته وتحت خدمته، فقد كان يسومها العذاب والذل، ويسخرها للأعمال الشاقة؛ لكن نفسها الأبية كانت تقودها إلى الله سبحانه وتعالى فتناجيه وهي تنتحب فتقول: «إلهي، أنا يتيمة معذَّبة أرسف في قيود الرِّق، وسوف أتحمَّل كل ألم وأصبر عليه، ولكنّ عذاباً أشدّ من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكِّك أوصال الصبر في نفسي، باعثه ريب يدور في خَلَدي: هل أنت راضٍ عنِّي؟ تلك هي غايتي»، فيا للجمال، لم تكن رابعة العابدة تهتم بكل ذلك العذاب والألم والبؤس؛ بل كانت ترى أن هنالك عذاباً ووعيداً أكبر؛ ذلك إن لم يرض الله سبحانه وتعالى عنها، فيا لها من روح حرة تتحدى قيد العبودية، فهي لا تأبه فالعقل مشغول بهمٍ أكبر هو حب الله تعالى ، وإرادة التقرب إليه ونيل رضاه.
واستمرت رابعة مقيمة على ذلك الشقاء ردحاً من الزمان، وعلى الرغم من ذلك البؤس الذي تعيشه، وذل سيدها لها؛ إلا أنها كانت تراعي الله تعالى في خدمتها لشؤون البيت، فكانت تقوم بها في أكمل وجه، وقبل ذلك كانت تقوم بفرائضها وعباداتها بشكل كامل لا يحول شيء بينها وتعبدها وتهجدها، وفي أحد الأيام، استيقظ سيدها من نومه، فسمع رابعة وهي تناجي ربها، قائلة: «إلهي أنت تعلم أن قلبي يتمنَّى طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الأمر بيدي لما انقطعت لحظة عن مناجاتك، لكنك تركتني تحت رحمة مخلوق قاسٍ من عبادك»، وفكر سيدها في أمرها طويلاً، فهداه التفكير إلى ضرورة أن يهبها حريتها كاملة، ويخيرها بين البقاء في البيت أو الرحيل؛ لتصبح حرة ذاتها وإرادتها، وعندما عرض عليها الأمرين، اختارت رابعة أن ترحل، ودخلت إلى مكان خرب؛ من أجل أن تنقطع إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ، فما كان يطلع على حالها غير علام الغيوب، معتزلة الناس تماماً، فلا يسمع عنها أحد من البشر أي شيء، وقيل إنها كانت تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وتذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، ولا تخرج من معتزلها هذا إلا لتحضر مجلس الحسن البصري في بعض الأحيان.
حوارية
ومما يحكى عن رابعة، أنه وبعد وفاة زوجها استأذن الحسن البصري وأصحابه في الدخول عليها، فأذنت لهم وأرخت ستراً وجلست وراءه، فتحدثوا إليها، وطلبوا منها أن تتزوج، فقالت لهم: ولكن من أكثركم علماً حتى أزوجه نفسي؟ فقالوا: الحسن البصري.
فقالت: إن أجبتني في أربع مسائل فأنا لك
فقال البصري: سلي إن وفقني الله أجبتك.
فقالت: ما تقول لو مت وخرجت من الدنيا أأخرج على الأيمان أم لا؟
فقال: هذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله.
فقالت: ما تقول لو وضعت في القبر وسألني منكر ونكير أأقدر على جوابهما أم لا؟
فقال: هذا غيب و لا يعلم الغيب إلا الله.
فقالت: إذا حشر الناس يوم القيامة وتطايرت الكتب أأعطى كتابي بيميني أو بشمالي؟
فقال: هذا غيب و لا يعلم الغيب إلا الله.
فقالت: إذا نودي للناس.. فريق في الجنة وفريق في السعير كنت أنا من أي الفريقين؟
فقال: هذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله.
فقالت: من كان له غم هذه الأربعة كيف يشتغل يالتزويج؟ فبكى الحسن ومن معه، والقصة تشير إلى نفس رابعة المنشغلة تماماً بإعداد العدة لملاقاة الله تعالى ، فزهدت في كل شيء إلا قبوله وحبه