الشارقة: علاء الدين محمود

«العسل هو رمز لحلاوة الحقيقة والحب» ساد هذا الاعتقاد في العصور القديمة، حيث كان ينظر إلى العسل على أنه شراب غير طبيعي، وأن النحل كائن غريب قدم من عالم سحري ليكون هدية للإنسان، وربما ظن الكثيرون أن تطور الإنسان وتقدم العلوم قد أزال عن الأذهان ذلك الإبهام المتعلق بالنحل ونظام حياته، والعسل وطعمه، لكن الأمر ازداد تعقيداً بعد أن انكب العلماء على دراسة خلية النحل ونظامها الاجتماعي شديد التنظيم، وكيفية إنتاجها للعسل، فبدا الأمر وكأن التفسير الأسطوري أكثر منطقية، أو ربما هو مريح ويتناسب مع ما رسخ في ذهن البشر عن النحل والعسل.

كان للنحل حضور قوي في جميع المعتقدات والأديان، وفي الميثولوجيات والأشعار القديمة، وفي الثقافة الإسلامية توجد سورة النحل في القرآن الكريم، وقد أعطى الصوفيون العسل مكانة خاصة، وكذلك في المسيحية والبوذية وعند قدامى المصريين.

ولعل تلك الدهشة من صنيع النحل كانت الدافع الأساسي للكاتب رالف دولتي، وهو يتتبع ويرصد كل ما قيل عن النحل في مؤلفه «أغنية العسل.. تاريخ ثقافة النحل»، الصادر عن دار كنعان للطباعة والنشر 2018، بترجمة الياس حاجوج، فهو لم يترك نصاً إلا وضمنه في هذا المؤلف، وكأنه كان يمارس حرفة النحل ذاتها بدأب وصبر، من أجل أن يكون منتجه بطعم العسل شهياً يعجب الذواقة من القراء.

يجول بنا دولتي عبر التاريخ المدهش لثقافة النحل والعسل، ويحدثنا عن القوة الرمزية للنحلة، هذا الكائن العجيب هو أصغر الحيوانات النافعة جميعاً، فهي تسهم في إلقاح النباتات، وتهب الإنسان غذاء وأنواراً بعسلها وشمعها، ودواء ناجعاً في أشكال متنوعة، هذا بالإضافة إلى الجانب الرمزي حيث دخلت النحلة في الطقوس التي مارسها البشر ورمزت إلى الحس الجماعي والتضحية بالنفس، والاحتياط للمستقبل، والطهارة، والاجتهاد والمثابرة.

ولئن أخذ العسل مكانه من الدهشة في توصيف دولتي، فكذلك الأمر مع النحالين في عملهم المثابر الدؤوب، فقد كان ينظر إليهم ككهنة في معبد الطبيعة. يستمدون فلسفتهم وصمتهم من النحل نفسه. معتزلون آسرون، أو كأنهم شركاء في مؤامرة عالمية، يصونون نوعاً من العلم السري، المدون في كتب النحالين ذات الأختام السبعة، تمنحهم خبرة السنين الطوال عمقاً، فأفعالهم متروية من دون عجلة، ولعل ما يجعل النحالين أشد غرابة وإغواء للمخيلة هو أن عملهم لا يزال على حاله منذ أربعة أو خمسة آلاف سنة. يستدعي دولتي رموزاً إبداعية ليجري عملية من التشبيه وتقريب الأفكار، فيتخير واحدة من بطلات شكسبير العنيفات «ليدي ماكبث» ذات الدور المركب في المسرحية الشهيرة، فقد مارست القتل من أجل أن يصل زوجها إلى العرش ويصبح ملكاً، وقامت بالقتل بدلاً عن زوجها الذي أبلغها أن ثلاث ساحرات أخبرنه بأنه سيصبح ملكاً، ولأن طبعه الإنساني يمنعه من ارتكاب جريمة القتل، قامت هي بذلك الفعل بكل حزم، ليستعير دولتي تلك الواقعة ويسقطها على عالم النحل مشبهاً ملكته بالليدي ماكبث، فهي بدينة وتزود بطعام خاص، وتنقض بعنف على منافساتها الأخريات فتلسعهن حتى الموت، ولا تعرف أي رادع عندما يتعلق الأمر بالسلطة، بعكس الذكور الذين يعيشون في المملكة حياة خاملة كسولة.

لكن اللحظة الأكثر إشراقاً ومتعة في هذا التطواف البديع؛ هي تلك التي يرصد فيها الكتاب علاقة الشعراء والمفكرين بعالم النحل والعسل، فمنهم من كان مربياً للنحل مثل «فرجيل» و«سيليفيا بلاث»، ومنهم من شبه نفسه بالنحلة مثل «بيندار» و«هوراز» و«ماندلستام» و«غارسيا لوركا»، حتى أن «ريلكة» وصف الشعراء ب«نحل اللا مرئي» وقصد بذلك أن عملية إنتاج العسل تتم بصورة لا يمكن معرفتها أو تخيلها إلا بشكل صوفي غامض، وذلك ينطبق تماماً على الشعر.

ويستعير الكتاب طعم العسل الشهي، عندما يجمع مقاطع شعرية بديعة من شعراء كبار تغنوا بهذه المادة العجيبة، بل يسمي الكاتب هذا الفصل من الكتاب ب«قرص عسل بالقصائد»، وكما النحلة في تطوافها بين الزهر لتمتص الرحيق؛ ينتخب المؤلف نصوصاً بديعة، فالشاعر القديم مارتيال (40 104م) يقول:

مستترة تلمع في عبرات فيتون/‏ كما لو أنها حبيسة رحيقها الخاص/‏ الحصاد الذي تفوز به يستحق كل هذا العناء/‏ هي بنفسها أرادت أن تموت على هذا النحو.

أما لوركا فيقول في نص يتقطر شهداً:

العسل هو ملحمة الحب/‏ مادة اللا متناهي/‏ روح الأزهار ودمها المتوجع.

ويورد الكتاب نصاً لبابلو نيرودا يحمل اسم «قصيدة إلى نحلة»:

ليست النحلات/‏ سوى عاملات /‏ شغالات/‏ بروليتاريات/‏ متوقدات ورفيقات/‏ ميليشيات كاملة/‏ مجازفة/‏ تشن هجمات/‏ إبر انتحارية/‏ في القتال/‏ تطن وتطن/‏ فوق مزارع الأرض.

الكتاب يحمل المتعة الكبيرة، حتى يخيل إليك أنك تجلس أمام قرص من العسل، لا لتتناوله فقط، ولكن لتتأمله أيضاً، ويأخذك الكاتب في رحلة إلى حضارات وعصور ضاربة في القدم، ثم يعيدك من جديد وأنت لم تفق من الدهشة، الكتاب باختصار هو سيرة ثقافية للنحل.