القاهرة:الخليج

«تؤدي المغالاة في المعرفة إلى عدم التصديق، كما أن كل عالم يزدري المشاعر العادية، وكل واحد يريد لنفسه شعوراً خاصاً، وتنتهي الفلسفة المتعالية المتعجرفة إلى التعصب، فلتجتنب هذا التطرف، ولتبق دائماً ثابتاً في طريق الحقيقة، أو فيما يبدو لك أنه الحقيقة في بساطة قلبك، دون أن يدفعك الزهو أو الضعف إلى أن تحيد عنها».
هذا ما يؤكده جان جاك روسو في كتابه «إقرار الإيمان»، الذي ترجمه إلى العربية جودت عثمان ومحمد نجيب المستكاوي، وكان روسو قد نشر في باريس آخر مؤلفاته وأهمها «إميل»، الذي عرض في جزئه الرابع أفكاره الفلسفية وخواطره الدينية، تحت عنوان «إقرار إيمان الخوري السافوي»، ولم يكن هذا الخوري من نسج الخيال، فقد عرف روسو فعلاً حوالي عام 1728 راهبين من سافوي: الأب جيم، والأب جاتييه، فمزج شخصيتيهما وأخرج منهما شخصية الخوري السافوي.
«إميل»، من الكتب الخالدة التي أثارت دوياً عظيماً في أوروبا القرن الثامن عشر، وتعود الشهرة الكبيرة التي نالها هذا الكتاب إلى الصفحات، التي يتألف منها «إقرار الإيمان»، الذي يحمل أهمية كبرى لا في تاريخ القرن الثامن عشر فحسب، وإنما في تاريخ الفكر، وليست مبالغة أن يقال إن احتفاظ أوروبا بمسحة من الروح الدينية، يرجع الفضل فيه إلى الخوري السافوي، ولهذا السبب تجد كبار الكتاب والنقاد الذين يترجمون حياة روسو ويدرسون مؤلفاته، يقفون عند هذا الإقرار طويلاً ويدرسونه، وما من كاتب معروف أو ناقد منذ عام 1762 إلاّ كتب عن إقرار الإيمان، فبعضهم يمدحه بلا تحفظ، وبعضهم ينقده.
كان روسو يقدر لهذا الكتاب أهمية كبرى، فهو يذكر مرات عدة أنه أفضل مؤلفاته، وهو يروي في كتابه «أحلام جوال منفرد»، كيف أنه خاض بحوثاً كثيرة متصلة مضنية، قبل أن يكتب إقراره، ويقول: «إنه كتاب لوّثه وحطّ من شأنه الجيل الراهن، لكني أرجو أن يحدث ذات يوم ثورة بين الناس، أن تولد فيهم يوماً سلامة الإدراك وحسن النية»، وهو يتحدث عنه دائماً بلهجة يبدو فيها الزهو المشروع، الذي يحق لمن أنجز عملاً مجيداً خليقاً بالإعجاب.
لم يكد «إميل»، يظهر حتى بادر أصدقاء روسو يؤكدون له أنه خير مؤلفاته، فكتب له «دالامبير»، رسالة أعلن فيها أن «إميل»: «مؤلف حافل بحقائق جديدة وعظيمة، زاخر بالفضيلة والبلاغة، يجب أن يضع مؤلفه في طليعة رجال الأدب»، ولقي الكتاب نجاحاً كبيراً، وقابله الجمهور بحماسة شديدة، ومن هنا كان خوف الكنيسة، ذلك أن الراهب السافوي، وإن كان حمل حملة عنيفة على الفلاسفة، قد هاجم الكنيسة أيضاً.
ولا شك أيضاً أن إقرار الإيمان لم يتضمن، إلا اعتراضات منطقية، عرضت عرضاً بليغاً، لا تشبه في شيء الاتهامات البذيئة التي كالها للدين أعداء الكنيسة، أدركت الكنيسة أنها أمام خصم خطير، والواقع أن روسو لم يواجه الكنيسة ببعض الإنكارات الباطلة أو الإهانات الغليظة، وإنما بإقرار الإيمان، كان يقدم للناس في عصر العقل ديناً منطقياً، وهنا كان الخطر.
أما الفلاسفة فكان غضبهم أعظم، إذ رأوا حليف الأمس يخذلهم على هذا النحو، لقد ظنوا أنهم يستطيعون الاعتماد على روسو، فإذا به ينهض ويكيل لهم الاتهام الصاعق، ها هو يحذر القراء من الفلاسفة، الذين طالما زعزعوا إيمانه، وأضلوا عبقريته بماديتهم المغوية، يقول: «احذروا أولئك الذين يتذرعون بدعوى تفسير الطبيعة، ليبذروا في قلوب الناس مبادئ لليأس، إنهم يدمرون ويطؤون بالأقدام كل ما يحترمه الناس، فيحرمون المكروبين آخر سلوة في تعاستهم، وما برحوا يزعمون أنهم المحسنون إلى الجنس البشري».
في هذا الكتاب، نتعرف على جانب آخر في حياة جان جاك روسو، جانب قد يراه البعض يتعارض مع الأسس الفلسفية التي وضعها من أجل سيادة فلسفة العقل، يعيدنا «روسو» في كتابه إلى الجوهر الروحي للإنسان، والتأكيد على الالتزام الأخلاقي، في إطار معرفي وفلسفي، يقدم صورة للإيمان، الذي تريده الإنسانية، الإيمان الذي يشمل العقل والروح معاً.