الشارقة: محمد إسماعيل زاهر

يقول نجيب محفوظ في «أصداء السيرة الذاتية»: «سألت الشيخ عبد ربه التائه كيف تنتهي المحنة التي نعانيها؟ فأجاب: إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل». الشيخ عبد ربه التائه شخصية ابتكرها صاحب «الثلاثية» في شكل قصصي تجريبي جديد لا يمكن وصفه بالسيرة الذاتية، وإنما سرد، ورؤى، وأحلام، ومشاهد تلخص خلاصة التجربة، الشخصية ظهرت في النصف الثاني من «الأصداء»، يلجأ إليها الراوي ليسألها المشورة في الملمات التي تحيط به، أو المحن التي نتعرض لها.
القارئ للمجموعة القصصية الجديدة الصادرة لنجيب محفوظ بعنوان «همس النجوم»، وقبل أن يلمح طيف عبد ربه التائه بين السطور، لابد أن تستوقفه عدة أمور، الأول يتعلق بما أورده الصحفي محمد شعير، الذي حصل من ابنة نجيب محفوظ على تلك القصص الجديدة، حيث يقول: «عندما منحتني ابنته أم كلثوم صندوقاً صغيراً يتضمن أوراقاً عدة تخص محفوظ، شعرت بلذة كأنني على وشك اكتشاف مقبرة فرعونية، بعد ترتيب الأوراق أصبح لدي صورة كاملة عما احتفظ به محفوظ: بعض مخطوطات روايات، دفاتر سجل فيها ملاحظات سياسية، أو عن رحلاته النادرة، عقود ترجمة، مراسلات ذات قيمة عالية.. ومفاجآت أخرى كثيرة».
هنا نحن أمام كنز أدبي، بتعبير شعير نفسه، ونحن أيضاً في حالة انتظار لنشر هذه المخطوطات والمراسلات والآراء السياسية..الخ، وبخلاف الانتظار هناك «مفاجآت أخرى كثيرة»، أي أن تراث محفوظ تتحكم فيه لعبة الإعلام، أو عصر «الشو»، لعبة الانتظار والمفاجأة، من دون أي إشارة لطبيعة مكونات «الكنز»، أو نوعية المفاجآت، فهل يحق لأحد الصحفيين، أو الباحثين أن يكون وصياً على تراث أي مبدع بعد رحيله؟ وأين هي تلك المؤسسات التي كانت تتغنى بأنها تعمل على توثيق حياة محفوظ وتراثه سنوات طويلة؟
الأمر الثاني يتمثل في أن قصص المجموعة الثماني عشرة الجديدة، لا تتضمن إلا قصة واحدة لم تنشر من قبل، أما بقية القصص فقد نشرت في مجلة «نص الدنيا»، ولذلك وضع ناشر المجموعة على الغلاف إشارة تقول «تنشر للمرة الأولى في كتاب»، ولا معنى هنا إطلاقاً لنشر القصص بخط محفوظ في نهاية الكتاب، وهو إجراء يهدف إلى الإيحاء بأننا أمام أكتشاف أدبي جديد، ولكنه يؤشر أيضاً إلى خفة إعلامية في التعامل مع تراث محفوظ. وبرغم ذلك، فالعاشق لمؤلف «ثرثرة فوق النيل» سينسى كل هذا، ويشعر بسعادة غامرة وهو يطالع قصصاً تنشر لمحفوظ للمرة الأولى في كتاب.
الأمر الثالث يخص عنوان المجموعة، لقد صدرت المجموعة القصصية الأولى لصاحب «الحرافيش» في عام 1938 بعنوان «همس الجنون»، سبقها كتاب مترجم في عام 1932 بعنوان «مصر القديمة»، فهل هناك رابط بين الجنون والنجوم؟ بين العمل الأول، حيث تحدث محفوظ عن صعوبات وجدها في بداية حياته لكي ينشر قصصه الأمر الذي أصابه بالإحباط والتفكير في عدم الكتابة نهائياً، وبين العمل الذي اختارت ابنته عنواناً له بعد رحيله. هنا ربما يقف القارئ لقصص محفوظ القصيرة التي لم تُدرس جيداً، على حافة الجنون كثيراً وهو يطالع ذلك السرد المأساوي المرعب المميز لقصص محفوظ الذي حين ننتهي منه، ونتأمل نبؤاته واستبصاراته نشعر بأننا أمام حكّاء كانت النجوم تهمس له ببعض ما يخبئه المقبل.
عند التجول في المجموعة سنلمح في كل قصصها ذلك الفضاء المكاني المميز لعالم نجيب محفوظ: الحارة والقبو، حيث يعيش الحرافيش أسفل الحصن القديم الكبير، يتطلعون إلى معجزة تغير حياتهم، ولكنها لا تأتي أبداً، والأبطال هم شخصيات محفوظ الأثيرة: منجمون، فتوات، فقراء، مجرمون..الخ، واللغة مكثفة، متخففة من عبء الاستطرادات والإسهاب في الوصف والحوارات المطولة، أفكار مصاغة في كلمات مقتصدة، و أطول قصة لا تتجاوز أربع صفحات.
نلمح كذلك طيف الشيخ عبد ربه التائه الذي نستمع إلى صوته قوياً وراء ما تقوله الشيخة بهية في قصة «العاصفة»: «قلبي ينذرني بخوف غادر»، هذه النبوءة تفتتح ما وقع من أحداث في أعقاب العاصفة الهادرة التي اجتاحت الحارة، حتى خرج الناس صارخين: «اللهم عفوك ورحمتك»، رياح هادرة محملة بالأتربة أثارت الهلع «حتى آمن المذعورون بأن النهاية آتية لا ريب فيها»، بدأت العاصفة من دون أسباب، بل العكس تماماً مما كان يتوقعه الجميع، تحركت الرياح لتقتلع كل شيء عندما «توسطت الشمس السماء، وكان الجو غاية في الاعتدال والأمان»، وهي الجملة المفتاحية في القصة التي تهيئ القارئ لوقائع مغايرة تماماً، تتعاقب صور المحنة بعد ذلك، يقبع الناس في بيوتهم، يقول الراوي: «دعونا من الأحلام، فقد اكتسح الواقع كل حلم»، وفي الخلفية يعم الحارة العنف، والنهب، والسلب: «ضاعت الأموال وهُتكت الأعراض»، وزحف اللصوص من كل مكان «حتى سدوا عين الشمس»، وبين الواقع والخيال يدخل القائمون على شؤون الحارة في جدل حول من أين أتى اللصوص، وقال البعض إنهم من أثاروا العاصفة «واستدعوها من مكانها في السماء»، وحصل هرج ومرج شديد لم ينجُ منه أحد إلا «قلة ممن ظلت ثيابهم بيضاء عند باب الحصن القديم، يتبادلون الهمس والشد على الأيدي في الظلام، ويتطلعون بعزم ونفاذ صبر إلى طلوع الفجر».
وفي قصة «نصيبك من الحياة» يستيقظ جميع سكان الحارة في أحد الأيام على ظاهرة غريبة، فالكل يبكي من دون سبب معروف و«لا يكاد يخلو بيت من دموع»، ويحاول الجميع تفسير هذه الظاهرة، بالإحالة إلى العلم، أو الدين، أو حتى الخرافات. أما في قصة «همس النجوم» فهناك مصير غامض لصبي صغير لا يعرف أي مستقبل ينتظره، فربما تدفعه أقاويل الحارة إلى الانتقام من أمه التي تركت أبيه وهربت مع عشيقها، في فضيحة تورط فيها الكثيرون من رجال الحارة، مستقبل يلخصه شيخ الجامع الذي يمتلك قدرة على قراءة الطالع في القول عندما يضع يده على رأس الصبي: «لا أرى إلا غيماً»، والذي ينطق أيضاً بلسان عبد ربه التائه في آخر القصة مفسراً الغيم بالقول: «إنه يعني في معارفنا الحيرة والفتن».
القصة الوحيدة التي لم تنشر من قبل جاءت بعنوان «نبقة في الحصن القديم»، ونبقة هو الابن الأخير لآدم السقاء الذي عاش بعد وفاة تسعة من إخوته في «الوباء الكبير»، يعيش نبقة في القبو أسفل الحصن القديم، حيث العفاريت، والأساطير، والآمال الخادعة، ويتعهده إمام المسجد بالرعاية، ينشأ محبوباً من الجميع حتى يذهب ليبقى لمدة ثلاثة أيام في الحصن القديم، وهنا يتغير، حيث بدأ يستوقف وجوه الحارة لينبههم إلى أخطائهم، ويطالبهم بالرجوع عنها، ما يؤدي إلى فتنة يتورط فيها الجميع، وتنتهي القصة بمعركة حامية بين فريقين، الأول مؤيد له والآخر يسعى للتخلص منه، أما الصبي نفسه فيختفي، ويختم محفوظ قصته بالقول: «قيل إن نبقة قبض عليه، وقيل إن الأقدام داسته.أما سكان القبور، فقد أكدوا أنه حي، وأنهم رأوه يتجول فيما وراء القبو، وانه مع كل خطوة يكبر، ويتضخم، ويتعملق في جميع النواحي، حتى تعذّر عليهم أن يروا رأسه المنطلق في الفضاء. وما زال قوم يعتقدون أنه مقيم حتى اليوم في الحصن القديم».
في مجموعة «همس النجوم» نحن في حضرة «القاص» نجيب محفوظ. في سيرته الذاتية لم يكتب إلا ثلاث مجموعات قصصية قبل هزيمة 1967، ومنذ ذلك الحين أصدر 18 مجموعة، بدأت ب«خمارة القط الأسود» في عام 1969، وفي العام نفسه كتب «تحت المظلة»، وفي عام 1971 أصدر مجموعتين: «حكاية بلا بداية ولا نهاية»، و«شهر العسل»، ولم يكتب أي رواية خلال أربع سنوات، ولم يكتب أيضاً، وحتى وفاته، رواية ضخمة باستثناء «الحرافيش» وتتكون من عشر حكايات تتبع سيرة عاشور الناجي، وعائلته.
تبدو قصص محفوظ القصيرة في أعقاب الهزيمة أشبه بالألغاز، لم يفهمها النقاد، وعندما سألوه قال: «حياتنا كلها ألغاز»، وتحولت الألغاز مع الواقع الذي يسير من سيئ إلى أسوأ إلى قصص يسود مناخاتها الرعب، والخوف، والجرائم مجهولة الأسباب والدوافع، وتدور معظمها في أماكن غريبة ربما عن الحارة التي كان يعود إلى توظيفها كرمز أثير لديه بين الحين والآخر، وفي كل إصدار جديد كان يخوض التجريب حتى انتهى إلى كتابة أشبه بالصوفية، حبلى بالمنامات، والإشارات التنبيهية المدهشة بدأت في عام 1982 بأحلام يفتتحها محفوظ ب«رأيت فيما يرى النائم»، وتشمل 17 حلماً في مجموعة تحمل الاسم نفسه، ومروراً بتلك الشخصية الخلابة «الشيخ عبد ربه التائه» الذي يحاوره محفوظ، أو يستنطقه بآراء تتعلق في ظاهرها بالعالم، والأسئلة الوجودية، ولكن عند الغوص في باطنها نلمح ظلال بؤس ذلك الواقع الثقيل الذي يرفضه محفوظ، ويدينه، لينتهي التجريب إلى أقصوصة لا تتجاوز عدة سطور يفتتحها ب«رأيتني» في آخر ما كتبه، الجزء الثاني من «أحلام فترة النقاهة» الذي صدر بعد وفاته، ودارت تلك الأحلام في معظمها عن محن، وغيوم، وبشر يسيرون بوعي نحو أقدارهم المشؤومة، وفضاءات مكانية لا تعرف إلا الفوضى.
في الحلم رقم 15 من «رأيت فيما يرى النائم»، يحكم على البطل بالإعدام من دون ذنب، فيستيقظ من حلمه نتيجة لصوت باطني يقول له أنت في كابوس، أما في الحلم رقم 88 من الجزء الأول من «أحلام فترة النقاهة»، 2005، فالبطل يقيم عرساً للاحتفال بإعدامه أيضاً، من دون سبب معلوم. فبعد أكثر من ثلاثين عاماً من التجربة يبدو أن الواقع يكتسح كل الأحلام، كما يقول محفوظ في «همس النجوم»، أو يتجاوز في بؤسه أي كابوس.
هل كان محفوظ في ولعه بالشكل القصصي يواصل التجريب من أجل التجريب؟ أم توصل إلى قناعة بالتخفف من ثقل الرواية في واقع تنقصه السردية الكبرى؟ وبالتالي لا يمكن التعبير عنه روائياً، يقول شيخ الحارة في المجموعة الجديدة: «لا نهاية لأساطير حارتنا». فتلك الحارة التي قال عنها محفوظ في مفتتح كل فصل من «أولاد حارتنا»: «ولكن آفة حارتنا النسيان»، تنسى دائماً قيم الحداثة لتستعيد وقائع الفتن، والمحن، والضباب، والغيوم، تعيش في أساطيرها التي لا يمكن التفاعل معها إلا عبر جمل قصيرة ومكثفة، ربما تكون عصية على النسيان.
مجموعة محفوظ الجديدة تهمس بالمستقبل، بغضّ النظر عن البحث وراء تاريخ كتابة كل قصة فيها، تلخص سيرة محفوظ مع التجريب، وسيرته مع «حارتنا»، ولا يمكن لأي قارئ لهذه المجموعة وغيرها، إلا أن يصغي بتأمل لما قاله الشيخ عبد ربه التائه عن رؤيته لمستقبل المحنة الدائمة: «إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل».