القاهرة: «الخليج»

تعتبر آيسلندا لغزاً كبيراً، نظراً لطبيعتها الجغرافية والجيولوجية، وقد وجد الأدب الآيسلندي كاتباً استطاع الإجابة عن العديد من الأسئلة الخاصة بهذا البلد، وهو الكاتب «هالدور لاكسنس»، الفائز بجائزة نوبل في الأدب عام 1955 عن «رواياته الملحمية ذات الحيوية القصصية المعبرة عن الأجواء الآيسلندية»، كما جاء في بيان الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة.
بدأ لاكسنس (23 إبريل 1902 - 8 فبراير 1998) الكتابة عام 1916 وهو في الرابعة عشرة من عمره بنشر أول مقال له، وفي عام 1919 أصدر أول رواية له وهو في السابعة عشرة من عمره بعنوان «طفل الطبيعة»، وهي عبارة عن سيرة ذاتية عن طفولته ومراهقته بآيسلندا، لتكون تلك الرواية بدايته الأدبية.
في العشرينات من عمره يقرر القيام بجولة سياحية في أوروبا، وألمانيا ويتعلّم اللاتينية والفرنسية واللاهوت المسيحي، لكنه يعدل عن فكرة الانخراط في سلك الرهبنة في اللحظة الأخيرة، ويكتب في عام 1924 روايته الثانية، «تحت الجبل المقدس»، وكان عام 1927 نقطة انطلاق أدبية له، حين نشر عمله الروائي الذي أسهم في صناعة اسمه عالمياً، وهو «النساج العظيم من كشمير»، كانت الرواية على شكل سيرة ذاتية حول نشأته وشبابه مبتعداً فيها عن الأسلوب السردي التقليدي، معتمداً أسلوبه الخاص.
تحوّل «لاكسنس» إلى الاشتراكية عام 1929 أثناء رحلته للولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت عام 1927، وعاين عن قرب أزمة الركود الاقتصادي، التي عانت وطأتها أمريكا، وأفرزت تلك المرحلة روايته ذات التوجه الاشتراكي «سِفر الشعب»، وحاول أن يكون له مكان في هوليوود بكتابة سيناريوهات سينمائية، وظلت تلك المحاولات مستمرة حتى عام 1930 ليعود إلى بلده معبراً عن ماضي آيسلندا وحاضرها ومستقبلها، وبدأت تلك المرحلة بملحمته الروائية «قصة حب سياسية»، التي تتحدث عن فتاة فقيرة تعمل بصيد السمك، ويرصد من خلالها عالم الصيادين بآيسلندا.
وفي ثلاثيته «ناقوس آيسلندا» عاد «لاكسنس» إلى التراث المحلي فقدّم جدارية ضخمة حول تقاليد آيسلندا ونفسية شعبها وكفاحه من أجل الاستقلال الذي باعه سياسيو بلاده، حين منحوا الولايات المتحدة حق إقامة قواعد عسكرية على جزيرتهم، وكان هذا موضوع روايته التالية، «المحطة الذرية»، حيث عرضه الكاتب من خلال شخصية فتاة ريفية بسيطة، موجّهاً صفعة مدوية لأولئك السياسيين.
كانت آيسلندا جزءاً من الحرب العالمية الثانية، حينما كانت تحت الاحتلال البريطاني، وتبدل هذا الاحتلال من بريطانيا إلى أمريكا عام 1941 من خلال وجود أمريكا بآيسلندا عبر قاعدة عسكرية، بموافقة البرلمان الآيسلندي، وهذا ما تجسد في رواية بعنوان «المحطة الذرية» وتحكي عن تأسيس محطة ذرية بآيسلندا للإعداد للقنبلة الذرية التي أُطلقت عام 1945 على اليابان.
أما ثلاثيته، «نور العالم»، فتحكي قصة شاعر يحاول جاهداً إثبات ذاته والتمسك بحريته ضمن ظروف قاهرة، وتعد من أعمق المؤلفات التي تبحث في شروط الإبداع، حيث وصفه النقاد بأنه روائي ذو روح شعرية ملحمية، إذ تضمّن نسيج أعماله تاريخ حياة بلده وآدابها المحكية والمكتوبة، كما أكدوا أن أعماله تحمل روح تولستوي.
من خلال جملة في رواية «محطة الذرة»، تشكلت جماعة شعرية أسسها خمسة شعراء آيسلنديين، باسم «شعراء الذرة»، ويعتبر الشعر الآيسلندي الحديث، في كل مراحل تطوره وفيما يشهده من تجارب لافتة، مديناً لهؤلاء الخمسة في انعتاقه من قيود القافية والوزن، وانفتاحه على موضوع التفاصيل واليومي والنفسي.
كانت رواية «محطة الذرّة»، تتضمن بين شخصياتها شاعراً يطلق عليه لاكسنس «شاعر الذرّة»، ويصفه بأنه «شاعر سيئ لا يحمل عواطف مرهفة»، التقط الشعراء الخمسة تلك التسمية التي كان من شأنها أن تغطي كل فئة محتملة من الشعراء الذين يكتبون الشعر بطريقة غير تقليدية، ووهبوها لتشكيلهم الشعري، في خطوة تحمل مضامين احتجاجية، وتنادي بفتح الشعر على مسارات جديدة في ذلك الوقت.
وكان سهيل نجم، قد ترجم رواية لاكسنس «حين تغني الأسماك»، وهي الرواية التي اعتبرت وقت صدورها متجاوزة لعصرها، فهي تحكي سيرة فتى تخلى عنه أهل قريته ليذهب ويعيش في كوخ مع عجوزين، ويعمل صياداً، يتقاسم السكن مع مجموعة من غريبي الأطوار، وهناك يكتشف معهم معنى احترام الآخرين، والمعايير الأخلاقية والفلسفية السائدة في هذا العالم، هي رحلة في الحياة بكل تشعباتها.
حصل لاكسنس على جائزة الاتحاد السوفييتي للسلام عام 1953، كما حاز جائزة سونينج الدنماركية عام 1969 وهي الجائزة التي منحت لعدد كبير من الكتّاب والمفكرين والفنانين والعلماء، معظمهم من الحاصلين على نوبل مثل تشرشل وألبرت شفايتزر وبرتراند راسل ونيلس بوهر، وفي فترتي السبعينات والثمانينات تراجع نشاطه الأدبي والفني، بسبب إصابته بمرض الزهايمر، الذي ظل يعانيه حتى وفاته، عن عمر يناهز خمسة وتسعين عاماً، وتم تحويل منزله إلى متحف.