إعداد: عثمان حسن

كان العالم في عام 1900 على موعد مع نظرية جديدة، أحدثت ثورة في تقدم الفيزياء الحديثة، هي «نظرية الكم» للفيزيائي الألماني «ماكس بلانك» الذي وصفه زميله الفيزيائي (ماكس بورن) بقوله: «كان إيمانه بالقوة الملحة للتفكير المنطقي من الحقائق المؤكدة التي دفعته للإعلان عن الفكرة الأكثر ثورية، والتي هزت قوانين الفيزياء على الإطلاق».

حياته

ولد ماكس بلانك في 23 إبريل/‏ نيسان 1858، في مدينة كييل بألمانيا، والتحق بمدرسة ماكسيمليان المشهورة، وأظهر نبوغاً في كل المواد، خاصة الفيزياء والكيمياء، وبعد تخرجه في ماكسميليان ركز على علوم الفيزياء، وانتسب إلى جامعة ميونخ سنة 1874، ثم غادرها ليلتحق بجامعة برلين، ما بين (1877-1878)، وفي كلتا الجامعتين لم يكن متحمساً لمحاضرات أساتذة الفيزياء ك(هلمهولتز، وجوستاف روبرت كيرشوف)، رغم مكانتهما الرفيعة في العلوم، ورجع إلى جامعة ميونخ وحاز على الدكتوراه بعمر 21 عاماً، عن أطروحته في القانون الثاني للتروموديناميك، وهي الأطروحة التي استكملها في أبحاثه التي أسهمت في اكتشافه لنظرية الكم، أو ما يعرف بثابت بلانك، أو «قانون بلانك» التي قوبلت بترجيب كبير من علماء الفيزياء.

في التفاصيل

كشفت نظرية الكم عن اختلاف جذري مع النظرية السائدة في الفيزياء آنذاك، وبعد مضي نحو 8 سنوات على هذه النظرية، كان لصاحب النظرية النسبية «أينشتاين» دور محوري في الثناء عليها، وقبولها عند مجتمع العلماء في العام 1905، حين جادل بأن الطاقة الإشعاعية نفسها تتكون من «كموم» في ظل ظروف معينة (كموم ضوئية سميت لاحقاً بالفوتونات).

وواصل بلانك أبحاثه العلمية في مجالات عدة مثل «البصريات والديناميكا الحرارية والميكانيكا الإحصائية وغيرها».

وكان بلانك أول فيزيائي يدافع عن النظرية النسبية لأينشتاين، وفي عام 1914، نجح في إقناعه بالحضور إلى جامعة برلين التي استقطبت لاحقاً نخبة من الفيزيائيين وأضحت قبلة ومركزاً لعلوم الفيزياء النظرية في العالم.

فاز بلانك بجائزة نوبل في الفيزياء عن نظريته في عام 1918، كما أن التطورات التي قام بها مختلف العلماء على مدى فترة ثلاثين عاماً ساهمت جميعها في تقديم فهم حديث لنظرية الكم.

وفاته

كانت سنوات الحرب العالمية الثانية قاسية جداً على «بلانك» وعائلته، حيث مني بخسارات لم يستطع تحملها جراء فقده زوجتيه وابنه، وأخيراً وافته المنية في «جوتنجن» في عام 1947.

جمعية ماكس بلانك

تحظى هذه الجمعية بتقدير كبير وعالمي في حقول البحث العلمي حول العالم، وتجمع علماء من جنسيات مختلفة، وضمن مهامها، تم تأسيس فرع باسم معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية، في شرق ميونخ، وهو اختصار لمعهد «ماكس بلانك للأبحاث الكمية» وتدير الجمعية نحو 87 منشأة بحثية في ألمانيا.

تأسست الجمعية في عام 1948، وفاز نحو 18 من بين أعضائها بجائزة نوبل في سنوات مختلفة، ولها فروع منتشرة في تخصصات علمية كثيرة تجمع بين الفيزياء، والكيمياء، والكيمياء البيوفيزيائية، والأبحاث الطبية المتنوعة.

في الكتب

في عام 1909، ألقى العالم الفيزيائي الألماني الكبير ماكس بلانك سلسلة من ثماني محاضرات في جامعة كولومبيا قدمت لمحة عن وضع الفيزياء الجديدة، التي لعب بنفسه دوراً مهماً في تحقيقها.

وتعرض المحاضرات الأولى والثالثة والخامسة والسادسة رؤيته للتطورات الثورية التي حدثت، عندما طبق فرضية الكم لأول مرة على إشعاع الجسم الأسود. ويُمنح القارئ فرصة ثمينة لمعرفة طريقة التفكير الخاصة عند بلانك، على مستوى المبادئ الفلسفية، وأيضاً تطبيقاتها على العمليات الفيزيائية باستخدام المقاييس المجهرية والعادية.

وفي المحاضرات الثانية والرابعة، يبين بلانك كيف أن الأفكار الجديدة للميكانيكا الإحصائية حوّلت طريقة فهمنا للفيزياء الكيميائية، أما المحاضرة السابعة فناقشت مبدأ التأثيرات الأقل، في حين تقدم المحاضرة النهائية سرداً للنظرية النسبية الخاصة التي كان بلانك بطلها، وأحد روداها الكبار.

عقبات وتحديات

معضلات كثيرة واجهت رجل الفيزياء ماكس بلانك، الذي قدم ثراء واضحاً في رصيد العلوم الألمانية، هي ما اشتملت عليه مادة هذا الكتاب الذي تضمن أيضاً خاتمة من نوع جديد، للمؤلف جيه إل هيلبرون، بمساهمة شخصية من ماكس بلانك نفسه.

ويصف «جون هيلبرون» كيف ارتقى مؤسس نظرية الكم إلى قمة العلوم الألمانية. ويوضح كيف عانى ماكس بلانك معنوياً وفكرياً، طوال حياته في خدمة بلده وعلوم الفيزياء، وهو يحاول تجاوز تحديات وحقائق الحرب العالمية الأولى، ووحشية الرايخ الثالث.

وفي خاتمته يقيّم هايلبرون الأسئلة المتكررة بين المؤرخين والعلماء والكلف التي تحملوها في مواجهة الآخرين، أما بالنسبة لبلانك نفسه، فيصف الكتاب تلك الخيارات المؤلمة التي واجهها في محاولته لبناء «سفينة» تنقل العلم والعلماء إلى بر الأمان خلال العواصف النازية.

الديناميكا الحرارية

هذا هو المجلد الكلاسيكي الذي كتبه مؤسس نظرية الكم ماكس بلانك، الذي لا يزال معروفاً بكونه يشتمل على أفضل المقدمات في مجال الديناميكا الحرارية.

إنه نموذج موجز ومنطقي، يناسب بشكل مثالي احتياجات كل من الطلاب والعاملين في مجال البحوث في تخصصي الفيزياء والكيمياء.

وبناءً على أوراق بلانك الأصلية، يقدم الكتاب وجهة نظر موحدة للحقل بأكمله. ورفض بلانك النهج السابقة لهيلمهولتز وماكسويل، فهو لا يفرض أي توقعات تتعلق بطبيعة الحرارة، لكنه يبدأ ببعض الحقائق التجريبية التي يستخلص منها القوانين الفيزيائية والكيميائية الجديدة. وهو ينظر في الحقائق والتعاريف الأساسية، والمبادئ الأساسية الأولى والثانية للديناميكا الحرارية إضافة إلى تطبيقات على حالات التوازن الخاصة (المتجانسة) للأنظمة، الأنظمة في حالات كثيرة من تشكلها، الأنظمة الغازية، المحاليل المخففة، وغيرها.

سيرة علمية وأوراق أخرى

في هذه السيرة الذاتية الرائعة التي كتبها أبرز عباقرة الفيزياء في القرن العشرين، يروي ماكس بلانك قصة حياته، وأهدافه، وطريقة تفكيره. نُشرت هذه السيرة بعد وفاته، وقد خصصت هذه الأوراق التي تضمنها المجلد للقارئ العام وتتيح الوصول إلى نظرياته العلمية ورؤاه الفلسفية، بما في ذلك أفكاره حول الأخلاق والمثل.

أين يسير العلم؟

اشتمل هذا الكتاب على مقدمة لألبرت أينشتاين، وصدرت طبعته الأولى في عام 1933، من ترجمة وتحرير جيمس ميرفي، وفي الكتاب إشارة إلى ماكس بلانك بوصفه قدم العديد من المساهمات في الفيزياء النظرية، ولكن شهرته كفيزيائي تستند أساساً إلى دوره كمنشئ لنظرية الكم التي أحدثت ثورة فهم الإنسان للعمليات الذرية.

وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، اعتقد الكثير من علماء الفيزياء أن طريقهم أصبح ممهداً لتفسير معظم الظواهر الطبيعية. ويمكنهم حساب حركات الأشياء المادية باستخدام قوانين نيوتن للميكانيكا الكلاسيكية، ويمكنهم وصف خصائص الطاقة الإشعاعية باستخدام العلاقات الرياضية المعروفة باسم معادلات ماكسويل، التي طورها جيمس كليرك ماكسويل، عالم الفيزياء الإسكتلندي في عام 1873، غير أن ذلك لم يكن ممكنا، حتى ظهور نظرية الكم التي أحدثت نقلة نوعية في تطور الفيزياء.

نظرية الكم

وإحدى الظواهر التجريبية التي لا يمكن تفسيرها بشكل كاف بواسطة الفيزياء الكلاسيكية، هي إشعاع الجسم الأسود. ومحاولات تفسير أو حساب هذا التوزيع الطيفي من خلال النظرية الكلاسيكية انتهى بإخفاقات كاملة. وحاولت نظرية طورها رايلي وجينز المعروفة باسم (قانون رايلي- جينس) تفسير الانبعاث الطيفي للأشعة الكهرومغناطيسية التي يصدرها جسم أسود في نطاق جميع الأطول الموجية عند درجة حرارة معينة، باستخدام الميكانيكا التقليدية بداية القرن العشرين.. غير أن هذه النظرية لم تنته بنتائج مقنعة في ما يخص المنطقة فوق البنفسجية من طيف الجسم الأسود.

وفي عام 1900، قدم الفيزيائي الألماني ماكس بلانك توضيحا لكارثة الأشعة فوق البنفسجية من خلال اقتراح يقيس طاقة الموجات الكهرومغناطيسية تبعاً لدرجة حرارة الجسم وطيف الإشعاع، وكانت هذه المعادلة بمثابة فتح جديد في نظرية الكم.

وهذه النظرية تعتبر الأساس النظري للفيزياء الحديثة التي تشرح طبيعة وسلوك المادة والطاقة على المستوى الذري، ودون الذري. ويشار أحياناً إلى طبيعة وسلوك المادة والطاقة على هذا المستوى باسم فيزياء الكم وميكانيك الكم.

لقد سعى بلانك إلى اكتشاف سبب تغير الإشعاع من جسم متوهج في اللون من الأحمر إلى البرتقالي، وأخيراً إلى اللون الأزرق مع ارتفاع درجة الحرارة. وكانت حساباته مبنية على فرضية أن الطاقة موجودة في وحدات فردية، بدلاً من وجود موجة كهرمغناطيسية ثابتة - كما كان يعتقد سابقاً - وبالتالي أصبح وجود هذه الوحدات هو الافتراض الأول لنظرية الكم.

مؤتمر سولفاي في بروكسل

شكّل هذا المؤتمر الذي دعا إليه الصناعي البلجيكي إرنست سولفاي في عام 1912 نقطة تحول في عالم الفيزياء. مقره في بروكسل، وتم تخصيصه لمناقشة كل القضايا العالقة في علوم الفيزياء والكيمياء، وشكّل عام 1927 مرحلة فاصلة في تاريخ هذا المؤتمر الدولي، حيث عقد تحت عنوان «الإلكترونات والفوتونات» بحضور مكثف للعلماء الحائزين على جائزة نوبل، الذين ناقشوا نظرية الكم المصاغة حديثاً، وكان من بينهم: ألبرت أينشتاين، نيلز بور، ماري كوري، تشارلز بيرس، كارل بوبر، ماكس بورن، ماكس بلانك، تشارلز إوجين جاي، وغيرهم.

معهد ماكس بلانك للفيزياء

يعرف أيضاً باسم معهد فيرنر هايزنبيرج، وعرف سابقاً باسم باسم معهد القيصر فيلهلم للفيزياء، وهو معهد أبحاث تابع لجمعية ماكس بلانك ومقره مدينة ميونخ الألمانية، ويختص بفيزياء الجسيمات وفيزياء الجسيمات الفلكية.

ولدت فكرة إنشاء المعهد سنة 1914، على أيدي كل من «فريتز هابر» و«فالتر نيرنست» و«ماكس بلانك» و«إميل فاربورغ» و«هاينريش روبنز»، إلا أن المعهد لم يُفتتح رسمياً (تحت اسم معهد القيصر فيلهلم للفيزياء) إلا في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1917. وكان المقر الأول للمعهد في برلين، وكان ألبرت أينشتاين هو مديره الأول.

وشارك المعهد في تجارب برنامج التسلح النووي الألماني في الفترة من 1933 إلى 1942. وانتقل المعهد إلى المقر الحالي في 1 سبتمبر/ أيلول 1958، وغير اسمه إلى معهد ماكس بلانك للفيزياء والفيزياء الفلكية، وفي سنة 1991، انقسم المعهد إلى معهد ماكس بلانك للفيزياء ومعهد ماكس بلانك للفيزياء الفلكية، ومعهد ماكس بلانك لفيزياء خارج الأرض.