أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتاب «نيتشه.. شهوة الحكمة جنون الشعر» للدكتورة حبيبة محمدي، والكتاب يهتم بإبراز العلاقة بين الشعر والفلسفة في التفكير الفلسفي المعاصر، وذلك بالتركيز على الفيلسوف الألماني نيتشه كنموذج، ويعد هذا الموضوع مهماً إذا وضعنا في الاعتبار أنه يمثل مجالاً بكراً في الدراسات الفلسفية، ولأنه يتعرض لفيلسوف عرف بالغموض والصعوبة من جهة ثانية، فمن الجهة الأولى كان التعرض لموضوع العلاقة بين الشعر والفلسفة من جانب الباحثين في الحقل الفلسفي نادراً، فقلما نجد بحثاً متخصصاً في طرق هذا المجال، وغالبًا ما تم تناوله من بعيد بجانب موضوعات أخرى.
ترى المؤلفة أن هؤلاء لديهم عذرهم فمن منا لم يشك يوماً في إمكانية التقارب بين الشعر والفلسفة، وذلك باعتبار أن الفلسفة بحث في الماهيات والأفكار المجردة، وأن الشعر خيال، ولا يقدم حقائق فكرية، ومن ثم قد يصعب وجود علاقة بين الشعر والفلسفة من وجهة النظر هذه، غير أن هذا البحث ومن خلال الفيلسوف نيتشه يحاول إثبات إمكانية وجود هذه العلاقة بين الشعر والفلسفة رغم اختلاف الآراء، ولو افترضنا وجود مثل هذه العلاقة فما جدواها؟ وما أهمية أن يتضمن الشعر الأفكار الفلسفية؟ وهل من الممكن أن تقدم الأفكار الفلسفية في إطار شعري؟
من هنا كانت أهمية هذا الكتاب الذي يخترق مجالاً ليس سهلاً، علاوة على ذلك فإنه يركز على الفيلسوف الألماني نيتشه، وهو فيلسوف مثير للجدل، ناهيك عن صعوبة فهمه وغموض لغته، لكن تقديمه يعد ميزة جديدة تضاف إلى هذا البحث، وكما تقول المؤلفة: اختيار نيتشه بصفة خاصة من بين الفلاسفة المعاصرين لأنه استطاع أن يجسد بطريقة عملية العلاقة بين الشعر والفلسفة، لكن من خلال استخدامه اللغة الشعرية في تقديم الأفكار الفلسفية حتى بدت فلسفته شعرا، وهذا ينم عن قدرته البالغة على تطويع تلك اللغة الشعرية لتقديم الأفكار الفلسفية.
لقد أتى نيتشه بمطرقة في يده، والهدف هو تحطيم قيم التراث الغربي التي أضحت في رأيه بالية وعاجزة عن تقديم مضمون جديد، بل امتدت أمنيته هذه إلى التراث الإنساني كله الذي رآه في حاجة ماسة إلى إعادة البناء على أسس جديدة لا تتغير، ولا يقف نيتشه هنا عند حد تحطيم القيم وإعادة بنائها وإنما يتعداه إلى إصلاح حال الإنسان الذي ارتضى بأن يكون مجرد فرد في قطيع ليس لديه حرية في تقرير مصيره، ولا يمكنه بالتالي أن يتحمل مسؤولية أي شيء آخر، ولهذا حاول نيتشه أن يستدرج هذا الإنسان إلى حافة الهاوية ليشعر بالخطر المحدق به، وحينذاك لا يفر من ضرورة الاختيار بين إمكانيتين لا ثالثة لهما، وهما إما أن يكون حيواناً وإما أن يكون إنساناً أعلى.
الإنسان الأعلى عند نيتشه هو أمل الإنسانية كلها، وذلك لأنه يجسد الإنسانية في أكمل معانيها بما يحمله من فضائل، مثل النبل والشجاعة والأمانة والحرية والمسؤولية والقوة، والقوة هنا لا تكون قوة جسدية وإنما تضاف إليها القوة العقلية والروحية بما يوحي بأن هذا الإنسان لديه شغف بالعلم والمعرفة والإبداع، لهذا كانت القوة عنده إرادة، إنها إرادة القوة.