شهد عام 2019 أكثر من 20 حادثة عنصرية في ملاعب كرة القدم وحدها، وعشرات الحالات في الملاعب الرياضية الأخرى، وهي آفة قديمة ومرض نفسي ومجتمعي تتجدد في كل عام، دون إيجاد حلول جذرية لها، رغم المحاولات الحثيثة من قبل المنظمات والاتحادات الدولية والوطنية للحد منها.
وصلت العنصرية حدوداً لا سابق لها في الملاعب خلال السنوات الأخيرة، مع عودة الأحزاب اليمنية المتطرفة بقوة إلى الساحة، ولا سيما في أوروبا، التي تعد ملاعبها الأكثر عرضة لحالات التعصب والكراهية ضد اللاعبين بسبب لونهم وجنسهم ودينهم، وهو ما أدى إلى مواقف جريئة من قبل بعض الاتحادات الدولية توازي خطورة ما يحصل، ومنها إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في يوليو / تموز 2019 تشديد عقوباته ضد السلوك العنصري أو التمييزي.
وتنص العقوبات التي تنحصر في المسابقات والبطولات التي تتبع للاتحاد الدولي لكرة القدم، على فرض حظر جزئي على الجماهير التي تمارس انتهاكات عنصرية،وتتم مضاعفة العقوبة، لتصل إلى خصم النقاط أو الاستبعاد من المسابقات، حال تكرار السلوك التمييزي.
وأعطى «فيفا» السلطة للحكام إذا لزم الأمر بإنهاء المباريات، واعتبار الفريق الذي مارست جماهيره تلك الانتهاكات خاسراً.
وأتى موقف «فيفا»الأول من نوعه، نتيجة ازدياد حالات العنصرية في عام 2019، وبلغت أوجها في الملاعب الإنجليزية والإيطالية والروسية والأوكرانية والبلغارية.
وشهد الموسم الكروي في إنجلترا عام 2019 ازدياد حالات العنصرية، وكان آخرها ما حدث في مباراة تشيلسي وتوتنهام في الدوري الإنجليزي في 22 ديسمبر / كانون الأول الماضي، حيث وجهت هتافات كراهية، للاعبين من الفريقين، هما الكوري الجنوبي سون هيونج مين من توتنهام، والألماني الأسمر أنطونيو روديجر مدافع تشيلسي.
وقبلها واجه محمد صلاح النجم المصري في صفوف ليفربول إهانات كراهية بسبب دينه من قبل مشجعي تشيلسي،حيث وصفوه ب«المفجر الإرهابي»، كما واجه الجزائري رياض محرز نفس الأمر لمجرد قيامه بالتغريد في «تويتر» عن قدوم شهر رمضان المبارك.
وحملت بداية الموسم الحالي للكرة الإنجليزية الكثير من الحالات، ومنها تصرف جماهير تشيلسي ضد لاعب النادي نفسه تامي أبراهام، عقب إهداره ركلة الترجيح الأخيرة في مباراة السوبر الأوروبي،كما هاجمت جماهير مانشستر يونايتد لاعبي الفريق بول بوجبا وماركوس،أما لاعب ليستر سيتي حمزة تشودهاري فقد تعرض لهجمات عنصرية بسبب أصوله البنغلاديشية.
في إيطاليا، اتخذت العنصرية منحى أكثر خطورة، حيث تعرض البلجيكي روميلو لوكاكو، مهاجم فريق إنتر ميلان، لإساءات عنصرية عقب تسجيله هدفاً في شباك فريق كالياري من ركلة جزاء، حيث ردت جماهير الفريق المنافس بإطلاق أصوات القرود، والأمر الخطير أن مجموعة من جماهير إنتر ميلان بعثت برسالة إلى لاعب فريقها لوكاكو، تدعوه إلى عدم الحزن بسبب التعرض لهذه الوقائع العنصرية، التي تعتبر من وجهة نظرهم عادية ومجرد محاولات للتأثير في اللاعبين.
وحتى المباريات الدولية في عام 2019 لم تسلم من الأحداث، حيث تحولت مباراة المنتخب الإنجليزي أمام مضيفه البلغاري في تصفيات يورو 2020 إلى ساحة للعنصرية والهتافات السياسية من قبل مجموعة من جماهير البلد المضيف، التي أطلقت أصوات القرود، وأدوا التحية النازية، وهو ما تسبب في توقف المباراة مرتين.
وردد كثيرون أن الوضع لم يعد يحتمل في الملاعب الأوروبية إلى درجة أن ديمبا با، نجم المنتخب السنغالي السابق، دعا اللاعبين السود إلى ترك دوري الدرجة الأولى الإيطالي، ومقاطعته بشكل تام.
وما ذهب إليه ديمبا با لا يمثل حلاً، بل هروباً من أصل المشكلة التي تصيب الإنسانية بالصميم، على غرار مشهد بكاء اللاعب البرازيلي إيفرتون لويز المؤثر عام 2017، بعد هتافات عنصرية ضده خلال مباراة مع فريقه بارتيزن بلغراد في الدوري الصربي، ومشهد النجم الكاميروني السابق صامويل إيتو وهو يغادر الملعب بسبب رمي الموز عليه خلال مباراة له مع فريقه برشلونة.
ويبحث العالم عن حلول لمشكلة العنصرية، لكن الحل لن يكون جذرياً في حال عدم التوصل إلى أصل المشكلة ومن يغذيها، وقد يكون اعتماد النموذج الإماراتي في الدعوة إلى التسامح والسلام والمحبة بين الشعوب مثالاً يحتذى في هذا الجانب، يمكن لدول أخرى السير على نهجه عبر نشاطات متعددة تدعم هذا التوجه الإنساني.
وكان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أعلن عام 2019، عاماً للتسامح بهدف ترسيخ دولة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح وتأكيد قيمة التسامح باعتبارها عملاً مؤسسياً مستداماً من خلال مجموعة من التشريعات والسياسات الهادفة إلى تعميق قيم التسامح والحوار وتقبل الآخر والانفتاح على الثقافات المختلفة، خصوصاً لدى الأجيال الجديدة، بما تنعكس آثاره الإيجابية على المجتمع بصورة عامة.
والواقع أن الملاعب الإماراتية خالية من التصرفات العنصرية على أساس اللون والدين والجنس، وهذا يعود إلى مسألة الوعي في مجتمع متعدد، وقد حصلت «الخليج الرياضي» على شهادات من لاعبين سبقوا أن خاضوا بطولات كبرى في الإمارات، وأثنوا على مسألة التعايش المجتمعي والانصهار التام.
والتكافل المجتمعي يعيشه اللاعبون الأجانب بشكل كامل في الدوري الإماراتي، حيث يبادلون شعب الإمارات مظاهر الفرح بأعياده ومناسباته، كما يبادلهم هو الحب والاحترام، لذلك فإن حالات احتفالية الأندية بلاعبيها الأجانب ومشاركتهم مناسبتهم تعد أمراً روتينياً.
أسباب العنصرية
وللعنصرية في الملاعب الرياضية أسبابها، ويمكن الاستدلال عليها عبر مجموعة من الأحداث وشهادات جهات من منظمات رياضية ولاعبين وإداريين سبقوا أن اختبروا خطاب الكراهية.
تقع إحدى المسؤوليات على وسائل الإعلام المختلفة، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة التي تساعد على بث أفكار العنصرية عبر المغردين، لذلك فإنه لم يكن غريباً بعد الأحداث الأخيرة في الملاعب الإنجليزية أن يلتقي مسؤولون من الدوري الإنجليزي الممتاز مع المديرين التنفيذيين لموقع «تويتر» لمناقشة خطط معالجة الإساءات والسلوك التمييزي الشائع على منصات التواصل الاجتماعي.
أما وسائل الإعلام التقليدية، فتلعب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة دوراً في تغذية آفة العنصرية عبر عناوينها ونوعية أخبارها، وقد اتهم رحيم سترلينج لاعب منتخب إنجلترا ونادي مانشستر سيتي الصحافة الإنجليزية صراحة بأنها تغذي العنصرية، ضارباً مثلاً بقصة زميله في الفريق توسين أدارابيويو، الذي اهتمت الصحف بشرائه منزلاً فخماً رغم عدم خوضه أي مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز على حد قولها، في حين أن لاعبين آخرين مغمورين من أصحاب البشرة البيضاء فعلوا نفس الأمر ولم تتم الإشارة إليهم، بل إن الصحف قالت عن لاعب الفريق الشاب فودن: إنه «يؤسس مستقبله» بعدما اشترى منزلاً جديداً.
ويقول سترلينج عن ذلك: اللاعب الأسود الشاب ينظر إليه بشكل سيئ، وهذا ما يغذي العنصرية والتصرف العدواني من قبل المشجعين، وأقول لكل الصحف التي لا تفهم لماذا يكون الناس عنصريين في هذا العصر، كل ما يمكنني أن أقوله: أعيدوا التفكير وامنحوا كل اللاعبين فرصاً متساوية.
ويتابع سترلينج تحليله المنطقي عن العنصرية: لاعبان شابان في بداية مسيرتهما، يدافعان عن ألوان الفريق نفسه، أقدما على الخطوة المناسبة بشراء منزل، لكن انظروا إلى الطريقة التي تبعث بها الصحف برسائلها، واحدة للاعب من أصحاب البشرة السمراء، وأخرى مختلفة حيال اللاعب الأبيض. أعتقد أن ذلك غير مقبول.
كما أن المسؤولية المباشرة في المقام الأول تتعلق بالمجتمع، من هنا فإن اتهام رابطة اللاعبين المحترفين الإنجليز للحكومة البريطانية بالتسبب بزيادة معادلات العنصرية لم يأتِ من فراغ، ذلك أن حدة خطاب بعض الأحزاب السياسية ضد المهاجرين لا بد أن تنعكس في الشارع.
وذكرت رابطة اللاعبين المحترفين في بيان لها أنه «من الواضح أن لاعبي كرة القدم باتوا هدفاً للعنصرية الصارخة المنتشرة حالياً في البلاد».
فريقه تقدم على العين 3-0 ولم يسمع كلمة مسيئة
هايلامريام: ظاهرة العنصرية تعكس تفكير المجتمع
أوضح ناثانايل هايلامريام لاعب نادي ويلينغتون النيوزيلندي، في حديث ل"الخليج الرياضي" أن العنصرية موجودة في ملاعب كرة القدم وهي تعتبر انعكاساً لما يحدث في المجتمع وليس أمراً طارئاً يحدث فجأة في الملاعب.
وقال: لا يمكن أن نفصل ما يحدث في الملاعب من مضايقات لذوي البشرة الداكنة عما يحدث في المجتمع بشكل عام، الأمر انتقل فقط من الشارع والأماكن العامة إلى الملاعب، وهو أمر أكثر خطورة كون كرة القدم دعوة للمحبة والسلام، وهي ساحة للتنافس الشريف.
وأضاف هايلامريام: علينا التصدي لهذه الظاهرة حتى لا تنمو وتصبح أمراً صعب التغيير، هي تهدد كرة القدم في العالم بصفة عامة وستحول دون تطور الكرة، يجب أن يتفهم الجميع أن الأمر خطير ويجب معالجته بصورة فورية.
هايلاميام يتحدر من أصول إثيوبية هاجرت أسرته إلى نيوزيلندا من السودان، ووصل اللاعب إلى وطنه الجديد وهو ما زال طفلاً وترعرع هناك قبل أن يصبح لاعباً مميزاً في صفوف عام ويلينغتون، وشارك مع ناديه في كأس العالم للأندية في الإمارات 2018.
وهل واجه هتافات عنصرية في نيوزيلندا قال: لا أبداً لم يحدث ذلك، الملاعب في البلد صغيرة ومن الصعب أن يخرج أحد عن القاعدة، كما أن القوانين بصفة عامة في نيوزيلندا صارمة تجاه العنصرية مهما كان نوعها، وسواء كان الأمر في الملاعب أو خارجها، لكن بالطبع أتابع ما يحدث مع بعض زملائي اللاعبين في أوروبا، هناك الأمر معقد بعض الشيء والسلطات لا تتخذ إجراءات صارمة نحو الموضوع، لقد خضت تجربة احترافية قصيرة في ألمانيا، لكن الأمور سارت بشكل جيد ولم أتعرض لأي مضايقات.
وعن تجربته في كأس العالم للأندية في الإمارات وهل شاهد أو تعرض لأي تمييز عنصري خلال البطولة قال: لم يحدث أي من ذلك، البطولة كانت مميزة والتنظيم كان رائعاً للغاية، حظينا برعاية كبيرة من قبل اللجنة المنظمة، والجميع كانوا في خدمتنا، الملاعب في الإمارات رائعة وهي مجهزة بأفضل الوسائل حتى تساعد اللاعب على الإبداع، الجماهير كانوا ودودين، لعبنا أمام العين وهو من الفرق الأكثر شعبية في الإمارات تقدمنا عليهم بثلاثة أهداف، لكنهم عادوا بعد ذلك في المباراة وتأهلوا بركلات الترجيح، وعقب المباراة صفقت لنا الجماهير الحاضرة تقديراً للأداء المميز الذي قدمناه في المباراة وهذا قمة الرقي.
النجم السوداني الأصل حول «التفرقة» إلى حب وتلاقٍ
أوير مابيل: الإمارات بلد رائع والتنوع الثقافي فيه أدهشني
يحتفظ أوير مابيل بالكثير من الذكريات الجميلة في الإمارات التي شهدت خلال بطولة كأس آسيا التي استضافتها على أرضها في يناير/ كانون الثاني 2019 أول ظهور دولي له بقميص منتخب أستراليا، البلد الذي نال جنسيته بعدما هاجر إليه قادماً من معسكرات اللاجئين في كينيا.
عانى مابيل الذي يتحدر من جنوب السودان من العنصرية في بداية مسيرته الكروية في بلده الجديد أستراليا، لكن ذلك شكل دافعاً له للانتصار على الكراهية وتحويلها إلى حب وتلاق بين الشعوب، وأسس مؤسسة «بيرفوت تو بوتس» (من حفاة الأقدام إلى ارتداء أحذية)، وهي تعنى بتقديم الأحذية لأطفال مخيمات اللاجئين، التي ولد في إحداها واختبر قساوتها لمدة 10 سنوات في منطقة كاكوما الكينية.
ويروي مابيل ل«الخليج الرياضي» كيف تعرض لموقف عنصري عندما انضم لنادي أديلايد يونايتد الأسترالي وهو بسن ال16 من عمره، ففي أحد الأيام وعندما كان عائداً إلى منزله هاجمه بعض الجيران، وقالوا له «عد إلى بلادك».
ولكن هذه الواقعة جعلت الشاب الذي يبلغ الآن من العمر 24 عاماً أقوى، وهو يفتخر بتمثيل منتخب البلد الذي منحه وعائلته فرصة جديدة للحياة، ويقول عن ذلك «نعم بعض الناس عنصريون، لكن أستراليا للجميع».
ويتابع مابيل: الأمر لم يكن سهلاً خاصة حينها كنت صغير السن، من الصعب تقبل الأمر ولكن يجب أن يبقى المرء قوياً، العنصرية في الملاعب أمر مؤذ يتكرر باستمرار، لأنه لا يتم معالجة الظاهرة بشكل جذري بل بوضع بعض الحلول الوقتية، لذلك تعود ذات الحماقات من جديد من بعض المتفلتين.
واستطرد: عندما التحقت بفريق أدلايد يونايتد (عام 2013) واجهت العنصرية من بعض الجماهير، لكني قررت ألا اهتم بالأمر، لم أكن أناقشهم أو أثور في وجههم بل أمضي في طريقي دون التفاتة، وفي بعض المرات لحقوا بي حتى المنزل وظلوا يهتفون ضدي، دخلت وأغلقت الباب وقلت لهم من خلف الباب اذهبوا.
وأوضح مابيل أنه بعد أن انتقل للعب في أوروبا مع فريق ميتيلاند الدنماركي توسعت مداركه، وأصبح يستوعب الأمور أكثر، مبيناً أن ظاهرة العنصرية في الدنمارك في انحسار ولا تكاد تكون موجودة في الملاعب بشكل كبير.
وأكد مابيل فخره بأصوله من جنوب السودان وكذلك بكونه أسترالياً، وقال: حققت الكثير من الأحلام في أستراليا وما زال لدي الكثير، سعيد في كوني ارتدي قميص المنتخب الأسترالي وأعمل كل جهدي حتى أصل معه إلى منصات التتويج.
وعن مشاركته مع منتخب أستراليا في كأس آسيا 2019 في الإمارات، وهل واجه أي هتافات عنصرية خلال البطولة أو شاهد أي فعل عنصري في الملاعب قال: لا، لم يحدث ذلك، لقد كانت بطولة رائعة رغم أننا لم نقدم المستوى المرجو والمأمول، كنا مرشحين للقب ولكن لم نبلغ حتى النهائي، التنظيم كان جيداً بداية بالاستقبال وحتى مغادرتنا البلاد، الإمارات بلد يحتضن العديد من جنسيات العالم، لذلك من الصعب أن تظهر هذه الظواهر هناك، هناك تقبل للآخر،وقد أدهشني التنوع الثقافي الكبير فيه، أنه بلد رائع لقد أحببته كثيراً وقد عدت بعد البطولة لقضاء إجازتي في الإمارات.
الغاني مونتاري غادر الملعب احتجاجاً فتعرض للطرد
كواسي أبياه: الكراهية مرض قاتل تجب مكافحته
رأى كواسي أبياه المدير الفني للمنتخب الغاني في حديث مع «الخليج الرياضي» أن العنصرية في ملاعب كرة القدم تهدد اللعبة جدياً بعد تزايد حالات الإساءة للاعبين بسبب أصولهم أو لون بشرتهم في الملاعب الأوروبية، مبيناً أن كرة القدم أصبحت صناعة ويعمل بها عدد كبير من الناس بمختلف ألوانهم وجنسياتهم وثقافتهم، وهي منتج يجب أن يبقى بجودة عالية، مشيراً إلى أن العنصرية تعرض هذا المنتج للتراجع في السوق العالمية.
وقال: تابعت مثل غيري الهتافات العنصرية التي حدثت مؤخراً في بعض مباريات الدوري الإنجليزي ضد لاعبين من أصحاب البشرة الداكنة، إنه أمر مؤسف ومخجل في ذات الوقت أن يتعرض هؤلاء النجوم لمثل هذه المواقف بسبب لونهم وبلدهم، خاصة وهم يقدمون أفضل المستويات الفنية مع فرقهم، فئة قليلة من الجماهير يمكن أن تفسد كل شيء، لذلك علينا دراسة الأمر حتى لا يتكرر.
وعن ظاهرة العنصرية عموماً وهل تعرض أي من لاعبيه في المنتخب الغاني لمثل هذه المواقف أو شكا من هذه التصرفات خلال لعبهم مع أنديتهم في أوروبا قال: لا نتحدث عن هذه الأمور داخل المنتخب، لكن أذكر أن لاعب المنتخب السابق سولي علي مونتاري كان تعرض لهتافات عنصرية مع فريقه بيسكارا في إيطاليا الذي لعب له عام 2017 ورفض مواصلة اللعب خلال إحدى المباريات.
ترك مونتاري أرضية الملعب خلال مباراة فريقه بيسكارا مع كالياري في الدوري الإيطالي، بسبب عنصرية جمهور الفريق المضيف، فكان نصيبه الحصول على بطاقة صفراء من قبل الحكم كانت الثانية له في اللقاء فتعرض للطرد.
كان موقف الحكم مخجلاً، فبدلاً من التعاطف مع اللاعب قام بمعاقبته وطرده، وقد قال مونتاري عن هذا التصرف «تمت معاملتي كمجرم، هل يعقل أن تتم معاقبتي بسبب عبارة عنصرية تم توجيهها لشخصي».
وتابع مونتاري عن سبب مغادرته الملعب احتجاجاً: أتمنى أن تكون نقطة تحول في إيطاليا وأن توضح للعالم كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف، لقد كان انتصاراً لي أن أرسل رسالة بأنه لن يكون هناك مكان للعنصرية في كرة القدم.
وعندما نسأل كواسي أبياه إذا كان سيتصرف مثل مونتاري لو تعرض لنفس الموقف، يقول «بالتأكيد هو موقف صعب، وأنا مع قرار اللاعب وضده إذا ما رأى عدم تكملة المباراة، شخصياً أعتقد أن علينا أن نفوت الأمر على هؤلاء الذين يريدون أن يفسدوا اللعبة، لو كنت مكان مونتاري، ربما فضلت البقاء في الملعب ومواصلة اللعب على الخروج لأن ذلك يعني أنهم نجحوا في مسعاهم في إفساد المباراة».
وعن سبب تفشي ظاهرة العنصرية في إيطاليا مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية، رأى أبياه أن العنصرية تبدو أكثر في الملاعب الإيطالية مقارنة مع بقية الدول الأوروبية بسبب عدم نجاحهم بشكل مثالي في عملية الاندماج، وضرب مثلاً بفرنسا وقال: في الملاعب الفرنسية لا نجد تفشياً للعنصرية، وأعتقد أن سبب ذلك يعود إلى أن الفرنسيين نجحوا في إدماج المهاجرين الذين قدموا إليهم من كل بقاع العالم وبخاصة من إفريقيا في المجتمع.
وعن الحلول التي يمكن أن تحد من هذه الظاهرة وهل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يمكن أن يضطلع بدور لمكافحة العنصرية قال: فيفا يؤدي دوره بلا شك ويحاول بكل السبل الحد من هذه التصرفات، جهوده مقدرة ولكن لابد من المزيد من الإجراءات تجاه من يقومون بهذا الفعل، لابد من عقوبات رادعة مع توعية مكثفة عن أهمية احترام الجميع بمختلف ألوانهم وأعراقهم، إنها مهمة كبيرة ولا تقع على عاتق فيفا فقط، الأندية أيضاً عليها أن تعمل في هذا الجانب، الأمر يحتاج لبعض الوقت، ومع الوقت والعمل ستختفي هذه الظاهرة تدريجياً.
صورة أولى لإنجلترا بالأبيض والأسود بعد 106 أعوام
آرثر أعاد الاعتبار للبرازيليين السود المدهونين بالأرز الأبيض
وجدت العنصرية منذ أن وجدت الرياضة، حيث منعت بعض الدول الرياضيين السود من التنافس إن كان على مستوى الأندية أو المنتخبات أو الألعاب الكبرى، لكن كل ذلك كان مجرد جدار واهٍ من «كرتون» وتم تمزيقه بفعل الإرادة والصبر وتقديم نماذج مضادة نالت الإعجاب، وساهمت تدريجياً في التخفيف من حدة الكراهية على أساس اللون والجنس.
لم يكن ما فعله العداء الأسود الشهير الأمريكي جيسي أوينز عادياً خلال مشاركته في أولمبياد برلين عام 1936، ففي عز صعود الفكر النازي في ألمانيا، وقيام أدولف هتلر بتأصيل الكراهية العنصرية لدى شعبه ضد الأعراق غير المنتمية للعرق الآري، وترسيخ مفهوم تفوق الأخير البيولوجي (الجسدي والعقلي) على ما هم دونه، جاء أوينز ليدمر كل هذه الدعاية والخرافات.
أصبح أوينز رمزاً قبل أولمبياد 1936 وخلاله لمكافحة الكراهية والعنصرية ان كان في بلاده أمريكا، أو ألمانيا النازية، والعالم أجمع، بعدما بات في عام 1935 خلال بطولة العشرة الكبار لألعاب القوى في ميشيغان الأمريكية أول رياضي على الإطلاق يسجل ثلاثة أرقام قياسية عالمية ويعادل ثلاثة أرقام أخرى، في 45 دقيقة فقط خلال سباقات مختلفة شارك فيها، وقد أطلق عليها أعظم 45 دقيقة في تاريخ الرياضة.
وعندما شارك في أولمبياد برلين عام 1936، فاز بأربع ميداليات ذهبية في سباقات 100 و200 متر والوثب الطويل والتتابع، لذلك وصف بأنه الرجل الأسود الذي سحق نظرية هتلر عن تفوق العنصر الآري، والمفارقة انه لم يدع رغم أرقامه الأسطورية الأولمبية للتكريم في البيت الأبيض، للدلالة على العنصرية التي كانت ضاربة في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك.
ولعبت كرة القدم في البرازيل أيضاً دوراً في اندماج الأعراق المختلفة والقضاء كلياً على العنصرية، وعرض الكاتب الفرنسي باسكال بونيفاس في كتابه كرة القدم والعولمة، كيف أن اللعبة نجحت في القضاء على العنصرية حيث لم يعد يمنع أصحاب الشعر المجعد من البرازيليين من اللعب في المنتخب. كان ممنوعاً على الأندية البرازيلية ضم لاعبين سود في صفوفها بموجب قانون حكومي صدر عام 1912، لكن ظهور بعض اللاعبين السود المميزين جعل بعض الفرق تلجأ إلى حيل معينة، منها صبغ أجسام اللاعبين السود بمسحوق الأرز الأبيض حتى يتمكنوا من اللعب معها.
وكانت العنصرية صارخة في كرة القدم البرازيلية، حتى أن بعض القوانين كانت تمنع الحكم من احتساب خطأ على لاعب أبيض إذا أعاق لاعباً من ذوي البشرة السمراء.
وبرز في تلك الفترة آرثر فريدنريتش المولود عام 1892 الذي يعد أول نجم كبير عرفته البرازيل، لكنه واجه صعوبة في اللعب على مستوى الفرق الكبيرة بسبب أن نصفه إفريقي من ناحية الأم ونصفه ألماني من ناحية الأب، لكن منذ انضمامه إلى المنتخب الوطني في 1914، وأصبح أول لاعب أسود يلعب لفريق «السامبا»، بات صاحب الفضل في القضاء على العنصرية في دولة كانت تعرف تفرقة لا مثيل لها .
ما فعله آرثر فريدنريتش لم يكن عادياً وأصبح محبوب الجماهير بعدما قاد البرازيل لأول لقب كبير في تاريخها من خلال الفوز بكأس كوبا أمريكا عام 1919.
وفي إنجلترا، ورغم عراقة البلاد، إلا أنها عرفت عنصرية مقيتة، إلى درجة أن أول لاعب أسود لعب للمنتخب الوطني كان فيف أندرسون، وذلك بعد 106 أعوام من خوض المنتخب لأول مباراة، عندما شارك فيف في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1978 في مباراة إنجلترا وتشيكوسلوفاكيا.
ويقول أندرسون الرائع كلاعب الذي قاد نوتينغهام فورست للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا عامي 1979 و1980، عن مشاركته التاريخية : لم يكن للنقاد الإنجليز حديث سوى أن زنجياً سوف يمثل منتخب إنجلترا لأول مرة،وأعتقد أن لعبي لمنتخب إنجلترا كان له أثره في تغيير عقلية الشعب الإنجليزي تجاه اللاعبين السود».
كوكو هيلاري: «بشعة» وبعيدة عن الإنسانية
تربط الإيفواري كوكو هيلاري لاعب الرجاء المغربي السابق، علاقة وطيدة بناديه وجماهيره، وقضى اللاعب ستة مواسم مع النادي المغربي بين عامي 2009 و2015.
وأكد اللاعب في حديث ل «الخليج الرياضي» عمق العلاقة مع الجماهير المغربية، مبيناً أنه لم يواجه أي نوع من أنواع العنصرية طوال سنواته في المغرب، وقال: هذه الأشياء لا توجد في المغرب، إنهم طيبون جداً ويعشقون كرة القدم، وحتى جماهير المنافس التقليدي الوداد لم تخرج على النص أبداً خلال وجودي هناك، خضت الديربي المغربي أكثر من مرة، وفزنا وخسرنا كثيراً، وفي كل الحالات لم أتعرض لمضايقات من جمهور الناديين الكبيرين.
وأضاف كوكو: أحببت المغرب كثيراً، وكذلك الرجاء الذي قدم لي الكثير، حالياً اعتزلت كرة القدم، ولكن أخطط لإنشاء أكاديمية في مدينتي أبيدجان لتعليم الأطفال كرة القدم، وسأطلق عليها اسم الرجاء، تعبيراً عن حبي لهذا النادي الكبير.
وعن خطورة العنصرية في الملاعب العالمية، وهل تؤثر في اللاعبين، قال: بالتأكيد لها تأثير كبير، كيف يمكنك أن تؤدي بشكل جيد في الملعب وأنت تتعرض للمضايقات من الجماهير؟! إنهم يقتلون متعة الكرة، اللاعب لا ذنب له إذا خرج إلى الدنيا ببشرة سمراء أو بيضاء، كلنا بشر ونريد أن نعيش حياتنا بطريقة أفضل، العنصرية بكل أنواعها أمر بشع، وليس لها علاقة بالإنسانية.
«ابتهاج» نموذج إسلامي مشرف
حصدت ابتهاج محمد، وهي أول سيدة أمريكية مسلمة محجبة من أصل إفريقي تمثل الولايات المتحدة في بطولات دولية، برونزية سلاح الشيش في أولمبياد ريو دي جانيرو عام 2016، لتكون أكبر رد على الخطاب العنصري تجاه المسلمين الذي تفشى في ذلك الوقت.
وغزت صورة ابتهاج بحجابها أغلفة الصحف الأمريكية وهي تحمل برونزية الأولمبياد، وفازت قبلها بذهبية بطولة العالم، وهي صرحت لصحيفة الواشنطن بوست: هذا وطني، وهذه أنا، عائلتي من هنا، نحن أمريكيو المولد، وهذا جزء من هويتي، هذا كل ما أعرفه، لذا حين أسمع أحدهم يقول إنه سيعيد المسلمين إلى بلادهم، أفكر: إلى أين أذهب؟ أنا أمريكية وسأبقى.
مرض نفسي ومجتمعي
تتباين الآراء حول أسباب العنصرية وجذورها، وإن كان هناك اتفاق عام على أنها نفسية ومجتمعية بالدرجة الأولى.
يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في الأكاديمية الطبية العسكرية في مصر، إن السبب الرئيسي للتعصب والتمييز العنصري هو شعور البعض بالدونية مع فقدانهم مشاعر الحب والعاطفة تجاه الآخرين، لذلك يتجه المشجع المتعصب إلى عداوة وكراهية كل من يخالفه في الرأي أو الجنس أو الدين أو الرؤية السياسية.
وأضاف «هذا النوع من الكراهية يتخطى فكرة مباراة كرة القدم، بل يعتبر المنافس عدواً له ويسعى إلى تدميره شخصياً».
أما الدكتور طه أبو حسين، أستاذ الصحة النفسية في كلية التربية جامعة الأزهر، فيرى انه «لا توجد حلول جذرية للعنصرية والتمييز، حيث إنها أشياء تحتاج إلى تغيير طرق التربية وتفكير مجتمعات بأكملها، لكن يمكن التقليل من حدة العنصرية في الملاعب عبر تفريق المتعصبين ومنعهم من حضور المباريات ومكافحة رسائلهم على وسائل التواصل الاجتماعي».




