العين: راشد النعيمي

رغم شح الإمكانات آنذاك، لم يقف الشيخ زايد طيب الله ثراه مكتوف الأيدي وهو يرى الأمراض تفتك بمواطنيه، حيث لا مستشفيات ولا عيادات ولا أطباء ولا أدوية، وفي عام 1960 قبل قيام الاتحاد وصلت نسبة وفيات الأطفال في العين 50% ووفيات الأمهات 35%، إضافة إلى وفيات الأمراض المستعصية، وانتشرت وقتذاك أمراض مثل السلّ والملاريا وأمراض العيون والطفيليات المعوية، حيث بادر بدعوة الطبيبين بات بورويل كيندي وماريان كيندي لتأسيس مستشفى تم افتتاحه فعلياً بمسمى مستشفى الواحة في نوفمبر 1960. وخلال الفترة ما بين 1960و 1963، جهّز الطبيبان بات وماريان وطاقمهما الطبي الصغير أول عيادة طبية في بيت للضيوف منحهم إياه الشيخ زايد، وكانت العيادة تقع فيما يعرف الآن بوسط مدينة العين وشهدت تلك المنشأة الطبية المؤقتة التي كانت عبارة عن مجلس، نمواً سريعاً من خلال بناء غرف للمرضى مصنوعة من سعف النخيل.

أول مستشفى

تلك الجهود أسفرت عن ولادة أول مستشفى يمكن أن يطلق عليه الاسم، ليكون بذلك أول مستشفى في إمارة أبوظبي كلها. وكان هذا المستشفى يخدم منطقة العين ومنطقة البريمي المحيطة بها، إضافة إلى المناطق الساحلية والداخلية في عمان. واستمر الأمر على هذا النحو طوال عشر سنوات حتى تم إنشاء أول مستشفى حكومي في العين.
كانت أرض المستشفى بعد ذلك هبة من الشيخ زايد وأخيه شخبوط كموقع نهائي، وفي عام 1963 احترقت الغرف المصنوعة من سعف النحيل. وخلال فترة عشر سنوات عانى الدكتور بات والدكتورة ميريان العديد من المصاعب والتحديات ليصلا بذلك المستشفى إلى المستوى الفاخر الذي يتمتع به اليوم، إذ يضم المستشفى اليوم وسائل الراحة التي تحظى بها المستشفيات الدولية.
وبسبب عدم توفر الأدوية المصلية، اضطر آل كينيدي إلى صناعتها عن طريق مزج الماء بالسكر والملح بحسب مقادير الوصفة الطبية.
وبسبب عدم توفر الأطباء البدلاء اضطر آل كينيدي إلى تأجيل إجازتهما الأولى إلى موطنهما الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 1962. وكان معدل وفيات الأطفال مرتفعاً جداً في عام 1960، حيث وصل إلى 50% ووصل معدل وفيات الأمهات عند الولادة إلى 35%، إضافة إلى تفشي العديد من الأمراض مثل السل، والملاريا، وأمراض العيون، والأمراض المعوية وغيرها. فكان ذلك الوقت وقتاً حاسماً لتأسيس مستشفى لحل تلك المشاكل. وكان آل كينيدي متحمسين جداً لمنع انتشار تلك الأمراض. وكان سكان العين طيبين جداً، حيث دعوهما إلى منازلهم، كما أبدوا عرفانهم بالجميل للخدمات الطبية التي حصلوا عليها من بات وزوجته، فكانا يعرفان باسم «كند ومريم».
وتستعيد سيدات المدينة اللواتي تقدم بهن العمر الآن، ذكريات ولادتهن على أيدي ممرضات هذا المستشفى الذي يعد سجلاً حياً لعدد كبير من أبناء المدينة، ممن يتذكرون تلك الأيام الصعبة من شظف العيش والبساطة والأمن وتكاتف المجتمع.
وأصبح عدد كبير ممن عملوا في المستشفى من ممرضين وأطباء أكثر من أصدقاء لأهل العين، وباتت تربطهم بهم علاقة ود، حيث مضى على وجود البعض منهم أكثر من 40 عاماً، أتوا إلى المدينة في ريعان شبابهم وفي البداية، لم يتجاوز عدد أعضاء الفريق الخمسة الدكتور كندي وزوجته مريان، وانضم لهما بعد ذلك الدكتور ستيت وزوجته أيضاً، التي تولت أعمال التمريض ولحقت بهم الممرضة جيرترديل دايك.
وكان العمل اليومي يبدأ منذ الصباح الباكر من منزل الشيخة سلامة، وعلى الرغم من قلة الإمكانات وبساطتها في تلك الفترة، إلا أن الفريق الطبي استطاع إجراء أكثر من 4 آلاف حالة ولادة خلال 10 سنوات، حيث كانت السيدات يأتين من سلطنة عُمان ودبي والمناطق المجاورة.

علاجات وأدوية

وبعد أن كسبوا قلوب أهل العين، بدأ آل كينيدي باستعمال علاجاتهم وأدويتهم الجديدة، مما أدى في نهاية المطاف إلى إجراء عمليات ولادة آمنة، وإلى رعاية صحية جيدة للأطفال، وكان ذلك سبباً في انخفاض معدل الوفيات بشكل ملحوظ في فترة قصيرة جداً.
ولد معظم أفراد عائلة آل نهيان في مستشفى الواحة خلال خمس عشرة سنة الأولى من افتتاح المستشفى. وبلغ مجموع عدد عمليات الولادة التي تم إجراؤها في مستشفى الواحة حتى عامنا هذا 80 ألف عملية.
وحتى عام 1975 خدم آل كينيدي في مستشفى الواحة كأطباء أساسيين، ثم عادا فاستقرا في الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب ظروف تعليم أولادهما، وبقيت في قلوهم محبة عرب الإمارات وعمان حتى وفاتهما.