جيرارْد بويْس *

يتفاخر بعض قادة الدول المسلحة نووياً، بأنهم لن يلجأوا إلى شن الضربة الأولى.. ولكن الضربة الثانية، أو الانتقامية، لا تقلّ بشاعةً، ولذا فإن التخلص من الأسلحة النووية هو الحلّ.

في الوقت الذي تبدو فيه القوى النووية عازمة على استئناف سباق التسلح النوويّ، يبذل قادة هذه الدول جهداً حثيثاً لطمأنة مواطنيهم وبقية العالم، إلى أنهم على الرغم من تصميمهم على الاحتفاظ بترساناتهم النووية، وحتى توسيعها، لن يستخدموها إلا لأغراض الضربة الثانية، أي انتقاماً من ضربة نووية أولى تشنها دولة معتدية مسلحة نووياً.

والمقصود من تعهداتهم هو طمأنتنا إلى أن أغراض الأسلحة النووية دفاعية لا هجومية. ويبدو أن الهدف من عرض قضية الاستمرار بامتلاك هذه الأسلحة المرعبة القادرة على إبادة الحياة على الأرض بهذه الطريقة، هو إقناع المواطنين بأن الأسلحة النووية لها ما يبررها أخلاقيّاً، ولذا فهي «مقبولة» بشكل ما.

ولكن الضربة الثانية قد لا تكون قابلة للدفاع عنها أخلاقياً، كما يريد لنا القادة أن نعتقد، وذلك لعدة أسباب:

أولاً، لنضعْ في اعتبارنا أن قِصَر الوقت المطلوب للانتقام بعد الضربة الأولى، يجعل القادة مضطرّين إلى تجاوز عمليات الرقابة الإدارية والمدنية العادية، وهي الآليات المصمَّمة لكبح تجاوزات السياسيين وإبقاء غرائزهم الأساسية تحت السيطرة، لشن ضربة ثانية.

وهكذا، فإن الضربة الثانية تُشنّ في خضمّ موجة من الانفعال والغضب الشديد. ولذا يكون القادة أكثر استثارةً في هذه الحالة مما لو كانوا يفكرون في إطلاق ضربة نووية أولى؛ حيث يكون مطلوباً إجراء بعض الحساب المتروّي، مهما يكن شريراً، من قِبل الواقفين وإصبعهم على الزرّ النووي في بلادهم. ثانياً، لنتأملْ الحجة التي تقول: إن الاحتفاظ بحق إطلاق ضربة ثانية، ضروري للحفاظ على السلام، لأنه يؤدّي دور الرادع. لأن التهديد بأن تكون الضربة الثانية رادعاً جديراً بالثقة، يُحتّم أن تكون غير متناسبة. سيتعين على الرّد الذي يجري التهديد به، أن يكون هائلاً إلى درجة كونه إباديّاً.. وهذا ينطوي ضمناً على وجود قيمة محدودة استراتيجية أو تكتيكية في استخدام الأسلحة النووية أثناء ضربة ثانية. وأخيراً، ولكيلا ننسى، على الرغم من كل الجهود التي يبذلها الساسة للتمييز بين ضربة نووية أولى وضربة ثانية، تبقى الأسلحة النووية أسلحة نووية، وتحتفظ بخصائص الأسلحة النووية سواء استُخدِمت في ضربة أولى أو ثانية.

وبناءً على الأسباب الموضحة أعلاه، لا يمكن وصف الضربة الثانية النووية إلا بأنها عملٌ انتقاميّ. وهكذا، عندما يطرح القادة بفخر الموقف القائل بأن دولتهم تحتفظ بحق استخدام الأسلحة النووية كضربة ثانية فقط، فإنهم يُعلنون فعليّاً أنهم يمثلون شعباً غاضباً يتوق إلى الانتقام. فهل هذه هي القيمة المجتمعية التي يُحبّ مواطنو الدول المسلحة نووياً أن يعتنقها القادة نيابةً عنهم؟ وهل هذا هو نوع العواطف التي يرغب المواطن العادي في الدول المسلحة نووياً، في أن تتردد أصداؤها عبْر العصور على أسماع أحفاده وأبناء أحفاده؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، وإذا كان رفض القادة الإقدام على شنّ ضربة نووية أولى بالإخلاص الذي يريدون منّا أن نصدِّقه، فلأيّ سبب يجب أن تستمر أي دولة في امتلاك أسلحة نووية؟

وإذا لم تكن مشاعر الأجيال القادمة، أو جاذبية تعزيز قيَمنا العالمية المشتركة، كافية لإقناعه بالتصميم على فعل ذلك، فليضعْ في اعتباره أن استمرار وجود الترسانة النووية في دولة من الدول، يعني استمرار مواطنيها في إسناد حمايتهم ورفاههم لقادة، لا بُدّ أن يكونوا، كجزء من متطلبات وظيفتهم، مسارعين إلى الغضب، ولديهم ميول إلى القتل. ويُترك الأمر للقارئ ليقرر ما إذا كان هذا هو نوع القائد الذي يستحقه المواطن الفرد أو أبناء بلده، في وقت تبدو فيه الديمقراطية والحريات التي اكتُسبتْ بشق النفس، في حال تراجع على الصعيد الداخلي في جميع أنحاء العالم.

* خبير اقتصادي ومحاضر في كلية دراسات البيئة والتنمية في جامعة كوازولو ناتال (جنوب إفريقيا)- موقع: «كومون دريمز»