الحياة، الفترة التي تعود فيها الروح للجسد وتتّحد معه، وهي هبة الله لمخلوقاته، وأسمى صور الحياة التي تتجلى لنا في الإنسان من دون المخلوقات الحيّة جمعاء، ولنبدأ رحلة التصوّر والخيال في عالم الروح والجسد.
في صباح كل يوم نستيقظ من سباتنا، فنحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا والذي إليه النشور، فخلال فترة النوم ينفصل جزء من الروح عن الجسد ويبقى فيه ما يكفي للقيام بالعمليات الحيوية الأساسية، التنفّس، خفقان القلب، الدورة الدمويّة، وغيرها، وتبدأ حياة أخرى ليس للإنسان شعور فيها، أو إحساس، فمن منّا لا يلجأ للنوم عند الإحساس بالتعب؟ ومن منّا لا يبقى في السرير في فترة المرض؟ ومن منّا لا يجد نفسه قد غفت عيناه لمدة من الزمن بسبب أو بآخر، على الرغم من أنه موجود بين آخرين؟ فما السر العجيب الذي يأتي مع النوم، وما هو هذا الساحر العجيب الذي ينفث علينا الغبار السحري ليجعل من الإنسان ذي الحركة الدّائبة، جسداً هامداً غائباً عن الإحساس، ومُغيّباً عن الحركة؟
في النوم أسرار يعكف العلماء على دراستها من قديم الزمان، وللنوم سلطان لا يستطيع أحد أن يردّه أو يردعه، مهما كان شأن الإنسان، ونرى أجلّ صوره في منظر إنسان كلّه العمل الشاق ليرتاح تحت ظل شجرة، أو لإنسان نحله المرض فأصبح ملازماً للسرير، نراه يقظ العينين، ولكنه غائب عن الوعي، أو لطفل صغير نائم على طاولة الدراسة في الصّف، أو لأم ما اطمأنت عينها حتى شاهدت صغيرها وهو قرير العين هانيها، وقد يكون من أعظمها تأثيراً في القلب والحواس منظر جندي وهو في ثكنة القتال، ويتّقي قساوة البرد في أرض المعركة، ويجاهد كل ما هو مباح حتى النوم، كي يحقق الأمن لغيره ممّن يراهم أحق منه بالحياة، من أجل وطن وناس وأسرة ومسن وأمّ وطفل، لم يكن لهم أي نصير سواه ومجموعته ممن ضحّى بكل شيء ليحقق لهم أمناً وأماناً بالحق ولإعلاء الحق.
ينام الناس ويستيقظون، ويبدأ يوم جديد للجميع، كل مسخّر لما خُلِق له، وكل مُسيّر لما جُبِلَ عليه، يقوم الناس لأداء واجباتهم وللكدّ والكدح والعلم والعمل، يوم يعقُبُ الراحة، يوم يشتاق فيه الوطن للإنجاز، ويطمح فيه القائد إلى العمل، ويتطلّع فيه الجندي للنصر، ويتهلل له الطالب للنجاح، وهناك من كان النوم قدراً له، وهناك من أصبح النوم ملاذاً له، وهناك من هو حيّ يُرزق ولكنّه غير مدرك كغيره لكل النعم التي من حوله، كل ما قد كان منه أن كان قد خُلِقَ لنا رزقاً، وبركة، ومِنحَة، ولكننا جعلناه معاقاً عن تحقيق أبسط العمل، ومعوّقاً عن الحصول على أبسط حقوق الطموح، وقدّرنا له أن يكون محدود الحركة، والفكر، والإنتاج، هؤلاء صباحهم فيه إشراقة خاصة لم نعلمها، ولن يُقدّر لنا أن نخلق لهم صباح أفضل وأجمل كي يكونوا معنا في رحلة العلم والعمل، وفي تحقيق مجد الوطن والمواطن، هؤلاء صباحهم كالجنّة التي نسمع بها، ونتطلّع إليها، ونسعى لبلوغها يوم الحساب.
أدعوكم لنرسم إشراقة جديدة لنا، ولأبنائنا وأوطاننا، نحن من يرسم ظلالها وأشعّتها، ونحن من يختار الألوان والخطوط، لنصنع لحاضرنا حافزاً يعيننا على العلم والعمل، ولغَدِنا خطوطاً مستقيمة ممتدة كامتداد الأفق، ننظر فيه لطالب طموح، وشباب كالنحل في استقراء العلم والاجتهاد في العمل، ونبتهل فيه بدعاء يلامس عنان السماء لينتصر جنودنا في الميدان ويحققوا النصر، فالنصر، ثم النصر.