حسن العديني

الخبر صادم، رغم أنه ليس مفاجئاً، وفيه أن الحكومة العراقية اقترحت مشروعاً لقانون الجنسية يجيز منحها لمن يقيم في البلاد سنة واحدة، الشروط أقسى في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، والعراق ليس بلداً حديث الاكتشاف، يبحث عمن يستوطنه، فلم يزل المؤرخون وعلماء الآثار يختلفون بين عقيدتين عن منشأ الحضارة، إن كانت على وادي النيل أو بين الرافدين، والعراق يعج بالسكان حتى لقد ضاق بأهله في بعض المرات بسبب قمع الأنظمة وليس لشح الموارد، فاكتظت بالمهاجرين منه الدول الاسكندنافية وبلدان أخرى في أوروبا وفي العالم الجديد.
مثل هذا المشروع لم يطرح في حقبة الخطاب القومي الصاخب خلال حكم البعث، وفي وقت ما اشتغل في العراق أكثر من مليوني مصري حلوا محل الطاقات العاملة التي أخذتها الحرب مع إيران إلى ميادين القتال، فإذا لم تكن ندرة السكان، ولا الكرم القومي، فإن الدافع الوحيد هو تنفيذ رغبة إيران في تعزيز نفوذها من خلال التوغل داخل المجتمع العراقي.
وبحسب معلومات نشرت في 2011 كان هناك 2.5 مليون إيراني يعيشون في العراق، حتى باتت اللغة الفارسية تسمع في بعض أسواق بغداد والنجف وكربلاء، ومن غير شك فإن العدد تزايد على نحو كبير بعد ذلك.
إن رقم المليونين ونصف المليون في حد ذاته، أحد الأدلة القاطعة على أن الولايات المتحدة عملت بهمة على تمهيد الطريق أمام إيران، خصوصاً حين نقف على بعض أنشطة الإيرانيين، فهم خبراء وضباط يدربون الميليشيات، وموظفون في مكاتب تعمل تحت مسميات بريئة كالجمعيات الخيرية، كما أن بينهم صحفيون وإعلاميون ورجال أعمال، والثابت أن التعاون الأمريكي الإيراني سبق غزو العراق في مارس/آذار 2003، فأثناء الحرب العراقية الإيرانية لم يمنع الصخب الإيراني ضد الشيطان الأكبر، من تنفيذ صفقة سلاح «إسرائيلي» لطهران بمعرفة الولايات المتحدة، فيما عرف حينها بفضيحة «إيران كونترا»، وعند إخراج الجيش العراقي من الكويت في ربيع 1991، دفعت إيران بميليشيات فيلق بدر لنشر الفوضى في العراق، فأسقط 18 محافظة، إلى حين استطاع الحرس الجمهوري إعادة فرض الأمن.
في العراق، لم يكن مطلوباً اقتلاع الشعب من أرضه وإحلال شعب بديل، وإن كان شيء قريب من هذا يحصل، قد يكفي هنا تفتيت العراق أو إضعافه لتحقيق هدف أمريكي وآخر «إسرائيلي» وثالث إيراني، فأمريكا لا تريد دولة قوية في هذه البقعة الحساسة في الشرق الأوسط حماية لمصالحها ومن أجل أمن «إسرائيل» التي تؤدي وظيفة مهمة في هذا الميدان، كما أن «إسرائيل» من ناحيتها تعمل في سبيل نفس الهدف، وأما النظام في إيران فإنه يحمل أحقاداً تاريخية دفينة، إذ إنه يعتبر العراق القوي حاجز صد أمام مطامعه في الخليج وتطلعه إلى نفوذ واسع يعبر غرب آسيا إلى شرق وشمال إفريقيا.
وفي العراق على وجه التحديد لم تكتف إيران بالسيطرة السياسية والأمنية، وإنما تعمل فوق ذلك على تغيير التركيبة السكانية، وهي مسألة أخطر من مجرد التسلل إلى بلد جار، ذلك أن توطين ملايين الإيرانيين سيترتب عليه وجود عرق رابع بجانب العرب والأكراد والتركمان، وهذا سيضاعف نزيف الصراعات الإثنية والطائفية حتى ولو استطاع العراق أن يخرج من الربقة الإيرانية، وفي أهون المآسي تبدو العملية بمثابة وضع مسمار جحا الفارسي في الجدار العراقي.
ما يجري توطين حقيقي وهيمنة اقتصادية شاملة، فقد اتخذت إيران سياسة الحدود المفتوحة، وأغرقت السوق العراقية بمنتجاتها، وجعلت الاقتصاد العراقي تابعاً وملحقاً باقتصادها، ويسيطر رجال الأعمال الإيرانيون على أهم المفاصل الاقتصادية، وتشتري إيران الأصول العقارية والصناعية والزراعية، ثم يأتي هذا القانون، إذا صدر، ليمنحهم الجنسية، فيصبحون أصحاب الأرض والثروة.
لكن، هل يمر مشروع القانون في البرلمان؟ حتى في وجود أغلبية للأحزاب الطائفية، سوف تقاوم الوطنية العراقية والانتماء العربي، ويسقط المشروع في أكثر الاحتمالات، غير أن الإيرانيين لم ينتظروا إلى هذا الوقت، وأغلب الظن أن الآلاف قد حصلوا على أوراق ثبوتية بالحيلة والتواطؤ مع موظفين زرعتهم المخابرات الإيرانية في الأجهزة المعنية.. أمام هذا يكون الصمت خيانة.