حسن العديني
أكثر من أربعمائة يوم بدلاً عن شهر استغرقه اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة الشرعية في اليمن والمجلس الانتقالي الجنوبي. لم تقتصر الخسارة على هدر الوقت بما ينطوي عليه من فرص ضائعة وإنما إضافة إليه، شهدت البلاد اشتباكات وسقط ضحايا وبددت إمكانيات.
لا فائدة للبكاء الآن ولكن من المهم أن يتعلم اليمنيون الدرس وهو ألا تقع الحكومات في خطيئة إسناد مهمة بناء القوات لجماعات حزبية حيث ينتزع الحزب من يد الدولة قرار توجيه البندقية. إن اليمن يكابد من هذا كثيراً في الجنوب وفي تعز ومأرب ومحيطيهما.
ما دام الاتفاق قد خرج إلى الضوء فذلك نصف الطريق ونصفه الآخر هو الممارسة والعمل المشترك، إذ إن هذا كفيل بتوطيد الأواصر وبناء الشقة.
يمثل الشق العسكري والأمني الفصل الأكثر أهمية في الاتفاق، وقد أحسن التحالف العربي صنعاً بإعادة تموضع قوات طرفي الاشتباك، وسوف يكون عليه أن يستوثق دائماً من أن الأوضاع لن تنزلق إلى احتكاك قد يسوق إلى صدام. شيء ممض الحديث عن حاجة اليمنيين إلى ضابط يراقب وقاض يفصل في الخصومات، لكن هذه هي الحقيقة التي يتجرعونها كل يوم. والشق الثاني في الاتفاق هو تشكيل حكومة مشتركة من ممثلين للمجلس الانتقالي والحكومة الشرعية وبالمناصفة بين شماليين وجنوبيين. والمناصفة لا تثير حساسية مفرطة كما يعتقد البعض لأن الداعي إليها معاناة سابقة عاش تحت وطأتها الجنوبيون الذين أزيحوا من أجهزة الخدمة العامة المختلفة المدنية والعسكرية.
كما لا يجوز أن يثير هذا مخاوف من نزعة انفصالية قد تسلخ جنوب اليمن عن شماله. على العكس فإن نجاح التجربة قد يؤدي إلى أن يتحمل الجنوب مسؤولية استعادة الجمهورية في الشمال وإعادة توحيد اليمن على أسس وقواعد أرسخ من تلك التي قامت عليها وحدة 1990. واليمنيون في الشمال وفي الجنوب معاً يعرفون من قراءة التاريخ أن اليمن لم يكن منقسماً في أي يوم على النحو الذي استمر منذ احتل الكابتن هانس عدن في 19 يناير 1939. المهم أن اليمن كان يتوحد وينقسم لكنه حين يذهب في هذا المنحى الأخير فإنه يتخذ حدوداً وأشكالاً للدويلات بعيدة عما استقر عليه الوضع في ما سمي شطري البلاد عقب استقلال الجنوب في نوفمبر 1967. ولا حديث عن امتزاج الدم خلال سنوات الكفاح المشترك.
قد يكون أسوأ مثال هو ما عاشته اليمن عقب انتخابات إبريل 1993 عندما انضم حزب الاصلاح (الإخوان المسلمين) إلى حزبي الاشتراكي والمؤتمر.
لا يتمنى أي إنسان أن يكرر اليمنيون التجربة المريرة وإنما يتعالى الأمل في أن تنسجم الحكومة القادمة وتضع في حسبانها أمرين لا يقبلان التأجيل.
الأول هو الوضع الاقتصادي وضرورة أن يعالج بترتيبات عاجلة لوقف انهيار قيمة العملة الوطنية قبل الحديث عن سياسات بعيدة المدى لتحقيق التعافي في الاقتصاد. سيتطلب هذا دعماً من دول التحالف بالضرورة. ثم وبصورة عاجلة مواجهة المجاعة وبدرجة أولى تحرير مواد الإغاثة من المنظمات الأهلية المشبوهة التي تعيد بيعها في الداخل أو تهريبها إلى الخارج.
والقضية الثانية هي الأمن، حيث الاغتيالات والاختطاف والاعتداء على الحرمات من الظواهر الدخيلة الفاحشة في عدن وفي الجنوب عامة. سيقتضي هذا تنسيقاً بين وزارتي الداخلية والإدارة المحلية، وسيستلزم ممارسة الحكومة مهامها من العاصمة المؤقتة دون أن تشعر أنها رهينة أو معتقلة أو خائفة.
إن تنفيذ اتفاق الرياض بشارة لكنها بشارة متوجسة.
[email protected]
حسن العديني
تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية من قبل هيئة العلماء في المملكة العربية السعودية يؤكد المؤكد، فالجماعة أخذت هذه الصفة ببيان أصدرته وزارة الداخلية في مارس 2014. المؤكد أن ما من أحد أقلع عن التدخين امتثالاً للتحذير الحكومي المكتوب على علب السجائر وإنما ينتهي الشخص من ممارسة تلك العادة بسبب إحساسه بالضرر الصحي أو بتأثير الاستهلاك الجائر على ميزانية الأسرة، على هذا المثال جاء تصنيف الحكومة وإدانة هيئة دينية لجماعة تتلحف بالدين في مجتمع معروف بالمحافظة والتدين.
ليس في السعودية فرع معلن لجماعة الإخوان ومراقب عام معروف، كما في بلدان مثل سوريا والأردن، وذلك لا يعني أن «الإخوان» غير موجودين، فهم يمارسون أنشطتهم في أطر سرية، وقد يتخذون من الجمعيات الخيرية واجهات لتسهيل تحركاتهم وتأمين واحد من مصادر التمويل حيث يخدعون ذوي النيات الحسنة الذين يظنون أنهم ينفقون أموالهم للخيرات فإذا هي تذهب للشرور، وكم من أموال جمعت بلا حصر باسم اليتامى وأنفقت في شراء السلاح وقتل النفس التي حرم الله.
«الإخوان» لا يفصحون عن اسمهم حتى في البلدان التي تسمح في التعددية الحزبية بل هم يتخفون وراء مسميات حزبية مثل العدالة والإصلاح وشبيهاتها، وفي تونس ما زال فرع الجماعة يحمل اسم حركة النهضة رغم عضوية رئيسها راشد الغنوشي في قيادة التنظيم الدولي وإضماره الطموح إلى الجلوس في مقعد حسن البنا، ومع هذا فقد انطلت الخديعة ولم تمنع مطالبة الغالبية العظمى من التونسيين بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية من مشاركتها في الحكم تحت غطاء اسمها الحركي ومن أن يتولى زعيمها رئاسة البرلمان.
والثابت من كتابات بعض من أرّخوا للجماعة من قادتها الأولين، أن جماعة الإخوان المسلمين تمددت ونزحت عقب صدامها مع بعض الأنظمة العربية.
بعد «النزوح الكبير» تكاثرت خلاياها السرية التخريبية في كل الاتجاهات. في اليمن على سبيل المثال هناك تجربة مريرة لقوى اليسار القومي والماركسي التي عانت من بطش ضباط المخابرات المنتسبين ل«الإخوان» حيث مات الكثير منهم تحت التعذيب وخرج غيرهم من المعتقلات مشوهين نفسياً وجسدياً، والغريب أن قوى اليسار تلك عادت وتحالفت مع الجماعة الإرهابية وسلمت لها القيادة خلال 2011، والأغرب كذلك أن قيادات «إخوان اليمن» يتلقون الدعم المادي والإعلامي من قطر وتركيا.
والحال أن الإمبراطورية المالية الهائلة ل«الإخوان» بنيت بأموال المتبرعين والاستثمارات، ففي سيرته يروي يوسف ندى صاحب بنك التقوى قبل مصادرته، قصة خروجه هارباً من مصر عبر ليبيا وكيف أنه أنشأ في إيطاليا أول صوامع للأسمنت، لكن لم يكشف، وهو ابن بائع الألبان في الاسكندرية عن مصدر ثروته، غير أنه قال إنه باع الأسمنت ومواد البناء للشركات التي نفذت مشاريع العمران بعد حرب أكتوبر، كما روى أنه استثمر في بناء مدن كاملة في إيران بعد ثورة الخميني.
وقد عبر الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودية الأسبق عن الحسرة من جحود «الإخوان»، حيث قال لصحيفة «السياسة» الكويتية في 26 نوفمبر 2002 إن «الاخوان لما اشتدت عليهم الأمور وعلقت لهم المشانق في دولهم لجأوا إلى المملكة فتحملتهم وصانتهم»، لكن «الإخوان» في نهاية المطاف كافأوا السعودية ودولاً في الخليج بجزاء سنمار، فحين أخذوا كرسي الفرعون في مصر مدوا أبصارهم إلى البلدان التي آوتهم وأخذوا يرتبون للاستيلاء على السلطة بالسلاح أو بفوضى الشارع.
حسن العديني
لا أدري إن كانت هناك مراكز أبحاث استقصت بدقة أرقام ضحايا وتكاليف الحروب التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الأرقام مهولة حين يشمل الإحصاء كافة أنواع الحروب، بما فيها كفاح حركات التحرر الوطني، والحروب الأهلية، وحملات الإبادة للجماعات العرقية والدينية.
أميل إلى أن عدد ضحايا هذه الحروب تجاوز ضحايا الحرب العالمية الأولى (حوالي 16 مليون إنسان)، لكن أكثر من ثلث هذا العدد ماتوا في: حرب التحرير الجزائرية (1,5 مليون)، والحرب العراقية الإيرانية (مليون)، وثلاثة ملايين قتلهم الخمير الحمر في كمبوديا.
وعلى مر التاريخ، كانت وراء الحروب دوافع اقتصادية، منذ غارات القبائل البدائية على بعضها، بحثاً عن الماء والمرعى، حتى الحروب الحالية، ففي الطريق منذ القدم إلى اللحظة الراهنة، مثلت الرغبة في السيطرة على الثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية الدافع القوي للحروب التي نشبت بين الدول والإمبراطوريات المتعاقبة، ولم تكن الأهداف النبيلة التي يرفعها الغزاة، سوى غلالات، لا تخفي الأطماع المادية، وأشهر الأدلة كانت الأهداف المعلنة دينياً، كالتي جاءت من أوروبا إلى شرق المتوسط، وهي اليوم أخلاقية تتلفع ببرقع الديمقراطية، ولا يعيب أن نعترف أن دوافع اقتصادية أضافت إلى الرغبة في نشر الدعوة عاملاً أجج حماس وتفاني خلفاء وأمراء وجنود في التوسع بالفتوحات.
لكن بعض الحروب المقبلة ستكون واضحة الأهداف، وستشب حرائقها بلا حجب من الدين أو الأخلاق أو العقيدة، مثالها الحروب الكثيرة التي ستجرى فوق هذه الأرض، من أجل المياه، حيث قطرة الماء ستغدو غالية جداً كما يتوقع أهل العلم.
ذلك عن الحروب المعتادة عبر التاريخ، غير أنه خلال العقود الأربعة الأخيرة ألقت الحياة بنوع من الحروب غامضة الدوافع، أبطالها ضواري تنتمي للتنظيمات «الإسلامية» المنتشرة في شتى بقاع الأرض، وهي كلها إرهابية، كما تأكد من الأهداف والوقائع، أنه ليس فيها معتدل، كما تحاول دعايات بعض الدوائر الغربية التي تدعم وتساند هذه التنظيمات، وإن الدوافع الاقتصادية تظهر في حالات وتختفي في أخرى، ف«الإخوان المسلمون» على سبيل المثال استثمروا الحرب في ليبيا واليمن لتكديس أموال طائلة، وفي أفغانستان ولبنان تنغمس التنظيمات «الإسلامية» في تجارة الأفيون والمخدرات، ويضيفون في اليمن تجارة السلاح، وفي مصر جمعت الجماعة الإسلامية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي بين الاغتيالات وأعمال التخريب وبين السطو على محال الذهب المملوكة لمسيحيين ونهب بضاعتهم باعتبارها ممتلكات كفار مباحة للمسلمين، وفي بعض المرات استخدم الجهاد لأغراض مادية ليس المال من بينها، فتزوج المجاهدون من الحسناوات في كوسوفو وسبوا الإيزيديات.
أما الدوافع الدينية، فلا وجود لها في الواقع، لسبب بسيط هو أن القتل خارج ساحات الحروب عمل يضع صاحبه موضع الخسة، ويسيء بالتالي للعقيدة التي يدعي أنه يحملها، والحقيقة الجلية أن الإرهاب والأيديولوجية التي يستند إليها ويعبر عنها دهاقنة التنظيمات «الاسلامية» في المنابر والفضائيات ووسائل التواصل، أحدثت تأثيراً سلبياً، أحد صوره انتشار الإلحاد في العالم الاسلامي، وصورته الثانية نفور ذوي الديانات الأخرى من هذا الدين، وسعيهم إلى محاربته دفاعاً عن أنفسهم.
على أن الإرهاب لم يستثن المسلمين، بل لقد بدأ بهم، فلما كانت هذه التنظيمات على اختلاف مسمياتها قد أخرجت من أفغانستان، ذلك الخزان الذي صب فيه «الإخوان المسلمون» المقاتلين من كل أنحاء العالم الإسلامي، حيث كان «الإخوان المسلمون» من وضعوا البذرة الأولى في مصر في أربعينات القرن الماضي.
والآن تدور طاحونة الإرهاب، ويسقط ضحاياها في بلاد المسلمين، من باكستان حتى مالي، وليست أوروبا وحدها ولا الولايات المتحدة هي المستهدف الوحيد من هذا الغول الأسود، لكن لماذا هذه الحرب؟ لماذا يذبح الناس بالسكاكين ويحرقون داخل الأقفاص ويدهسون بالسيارات أو تلقى عليهم القنابل في محطات المترو؟.. إن كل رصاصة وكل سكين وكل عمل من أعمال الموت هي طعنات في صدر الإسلام.
حسن العديني
ليس جديداً محتوى البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، فقد نشر أكثره في 2016 أثناء خوضها السباق إلى البيت الأبيض، وكان واحداً من عوامل كثيرة دفعت دونالد ترامب القادم من خارج الطبقة السياسية إلى مقعد رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية.
وليس جديداً استخدام «الإخوان المسلمين» أداة من أدوات السياسة الأمريكية في المنطقة العربية؛ فهي تستخدمهم باستمرار كما استخدمتهم ولا تزال حكومات وأجهزة استخبارية غربية، خصوصاً ماقامت به الحكومتان البريطانية والألمانية. الجديد هو درجة الانكشاف والسفور في انتهازية «الإخوان» وتعطشهم للسلطة، واستعدادهم للعمل تحت إمرة شياطين الإنس والجن.. ولو خانوا أوطانهم.. ولو دمروا شعوبهم. مع هذا الجديد لم يعد المشتغلون بالسياسة أو المتابعون والمهتمون يعرفون وحدهم الوجه القبيح لجماعة «الإخوان».
هذه المرة رأتهم الجماهير عراة في العراء يخطفون الربيع من أيدي الثوار الحقيقيين ثم حين يقبضون على الحكم يكشفون عن وحوش ضارية تفتك بالخصوم وتنهب المال وتبدد الثروة وتعيث في الأرض الفساد. رآهم المصريون وثاروا ضدهم واستعادوا دولتهم فخرجوا يقتلون ويدمرون ويحرقون بلا هوادة. ورأوهم في اليمن ينهبون بشره ويقتلون بلا رحمة. وفي ليبيا وفي تونس وغيرهما. وكانوا من قبل شوهدوا يمارسون القتل والتخريب في الجزائر وسوريا ودول شتى. وشوهدوا يسيئون استخدام السلطة منفردين في تونس وشركاء في اليمن؛ لكن سوء العمالة لم ينكشف كما انكشف اليوم، ولم تجر أصابع مسؤول غربي على لوحة مفاتيح الكمبيوتر وتوثق ارتباطاتهم المشبوهة كما فعلت هيلاري كلينتون في تأكيد تحريكها الدمى «الإخوانية» خلال ذلك الربيع المزعوم.
علي أن ألفت الانتباه إلى أن وصف ما سمي «الربيع العربي» بالمزعوم، لا يحمل انتقاصاً بالشباب الذي خرج إلى الساحات والميادين، وفيهم من دفع حياته، وبينهم من تعرض للإصابة ومن اعتقل وعذب وأُهين. وإطلاق الربيع على ما جرى في ذلك العام لم يكن ابتكاراً عربياً؛ فقد ظهر في الصحافة الغربية في محاكاة لربيع أوروبا سنة 1848، وما سمي ربيع براغ في 1968 حين تمرد قادة الحزب الشيوعي التشيكي على الهيمنة السوفييتية.
ربيع أوروبا تغلبت عليه الرجعية في القارة العتيدة، وربيع براغ سحقت زهوره جنازير الدبابات السوفييتية. وأما «الربيع العربي» فقد أكل نفسه بنفسه؛ إذ انتصر الذين خرجوا إلى الشوارع، وأزاحوا الأنظمة القديمة أو انهكوها غير أن الزهور لم تتفتح والعصافير لم تغرد.
وقد يطيب للبعض أن يسميه خريفاً تساقطت فيه الأوراق وهبت الرياح وتطاير الغبار ملء الفضاء، وما حدث في الواقع أنه بدأ ربيعاً مزهراً ثم في غمضة عين انتهى صيفاً لاهباً وحارقاً لم يزل حتى اللحظة.
تجلت ومضة الربيع في حماس الناس من كل الأعمار وفي حيوية الشباب الدافقة على وجه خاص فقد تدافعوا يغرقون الشوارع والميادين وتصدوا للرصاص بلحم صدورهم ورؤسهم العارية. كان هذا تعبيراً عن أن هناك أروحاً متمردة؛ بعد أن انهكتها الأوجاع، ومهما كان من تفاوت علاقات الأنظمة التي قامت ضدها الثورات بهموم الناس وتعبيرها عن مصالح الأقلية أو الأغلبية فإن المشترك بينها يتمثل في ثلاثة أشياء؛ وهي:
الأول: أن مدة بقائها على الكراسي تطاولت أو أنها بحسب تعبير محمد حسنين هيكل «شاخت في مواقعها». لقد بقي الحاكم طويلاً يجلس على المقعد الأول وبقي معه من ورثهم من عهود سابقة لا يتبدلون إلا بعد أن يذهبوا إلى المقابر. وفي الأغلب كان السياسيون المحترفون يستبدلون بموظفين من خزائن البيروقراطية. ولقد صادروا الوظيفة العامة وأنزلوها من قواعد القانون إلى رغبة الحاكم؛ فوضعوا أصغر الناس قيمة وكفاءة في أعلى المراتب.
الثاني: أنهم انخرطوا في سلوكات قميئة في التعامل مع المال العام، وقام زواج غير شرعي بين كبار الموظفين الحكوميين والرأسمالية الطفيلية والانتهازيين الباحثين عن فرصة، وتمت عملية نهب واسعة وهروب بالثروة إلى خارج البلاد. وكان «الإخوان المسلمون» من أباطرة المال ودهاقنة الفساد بتحالفهم مع بعض الأنظمة، وبإغرائهم بالمال من أنظمة أخرى تشتري صمتهم.
والثالث: أنهم وبعد أن استرخوا على الأرائك والسرر المريحة وما استمتعوا به من المن والسلوى أرادوا توريث هذا النعيم لذريتهم، ولعلى شهوة الاضطهاد أغرتهم بأن يحكموا من قبورهم. وطال صمت الشعوب ثم انتفضت. وكان الأمريكيون وغيرهم يعرفون بالدراسة والتفكير والتقدير أن الشعوب العربية جاهزة للتغير وأدركوا ضرورة استخدام قوة منظمة لتسلك أول الطريق أو تأتي في منتصفه.
وتقدم «الإخوان»، تقدموا مرتزقة بأجر، تقدموا وسرقوا الثورة، وتحول الربيع إلى صيف ملتهب، والشعاع الذي أضاء انقلب ناراً حارقة.
لا يختلف ترامب عن الرؤساء والسياسيين الأمريكيين في التعبير عن نفس المصالح إلا من زاوية التعبير عن أفكاره بلغة مباشرة
أرجح احتمال أن دونالد ترامب سوف يقضي أربع سنوات أخرى في البيت الأبيض.
أربع سنوات أخرى سيظل سيد واشنطن. سوف يحتفظ ترامب في يده بالقرار الذي يغير مصائر ويصنع مقادير فوق هذا الكوكب.
ويوم تقدم للترشح ممثلاً للحزب الجمهوري في 2016 بدا أنه سيخرج من الجولة الأولى، لكنه فاز في السباق وخلّف وراءه 16 من الساسة المحترفين أعضاء في الكونجرس وحكام ولايات، بينهم حاكم ولاية فلوريدا جب بوش شقيق الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، الذي خاض السباق النهائي معه وانتصر عليه. هناك أصبح احتمال فوزه على وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أقرب إلى المؤكد.
وترامب في واقع الأمر ليس سياسياً محنكاً، يعرف العموميات ولا يلم بالتفاصيل، وحين يقارب موضوعاً محدداً ينظر للأشياء فقط من حساب المنفعة المادية المباشرة، لكن الثقة بالنفس والإصرار على الفوز والتهور وفرت له الفرصة. ولأن الشعب الأمريكي مغامر في نشأته، ينبهر ويميل لهذا الصنف من الرجال الذين يرتادون المجهول، ولا يترددون عن الفتك بمن يعترض طريقهم.
بعد فوز ترامب بالرئاسة أصدر بوب وود ورد الصحفي في «واشنطن بوست» كتاباً بعنوان «خوف»، والعنوان الفرعي «ترامب في البيت الأبيض». وبوب وود ورد هو نفسه الصحفي الذي وضع ريتشارد نيكسون تحت مقصلة القانون، وساقه إلى خارج البيت الأبيض قبل أن يكمل مدة رئاسته الثانية. تلك فضيحة «ووتر جيت» الأشهر في تاريخ الإدارة الأمريكية التي قفزت بوود ورد إلى قمة الشهرة. وهو لم يزل في مكانه خلال خمسة عقود، لم يتراجع ولم ينحسر عنه الضوء.
وضع وود ورد في كتاب «خوف» دونالد ترامب تحت المشرحة مرشحاً ورئيساً يتخلى بسهولة عن مساعديه عند أول خلاف، وغالباً يعرفون بعزلهم من تغريدة يكتبها في «تويتر»، وبرغم فجاجته وأسلوبه الجارح في إدارة معاركه مع خصومه، فإنه على استعداد للصفح والعفو عند الحاجة.
لكن ترامب عنيد، وقليلاً ما يأخذ بالرأي المتعقل والحصيف ما دام لا يتعارض مع نظرته للأشياء من زاوية حساب الأرباح والخسائر المالية. من ذلك إلحاحه على إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية؛ لأن الفائض التجاري هو 18 مليار دولار لصالح كوريا، في الوقت الذي تنفق الولايات المتحدة 3.5 مليار دولار على 28500 جندي أمريكي في كوريا. إما إلغاء الاتفاقية أو سحب الجنود. ولم يقتنع بربط الاقتصاد بالأمن عندما قال له الجنرالات إنه في حال أُطلق صاروخ من كوريا الشمالية، فإن الإشارة تلتقط هناك بعد 7 ثوانٍ، بينما تستغرق 15 دقيقة حتى تظهر في ألاسكا.
وهكذا نظرته للناتو والاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية والتجارة عبر الباسفيك والتنافس مع الصين.
لكن هكذا هي أمريكا. جميعهم هاجروا من الضفة الثانية للأطلسي يبحثون عن فرصة، والنجاح في اصطياد المال. لهذا فإن الذي يحكم الولايات المتحدة جماعات المصالح من أصحاب الصناعات والبنوك والشركات عابرة القارات، وليست المؤسسات الرسمية من البيت الأبيض حتى الكونجرس والبنتاجون و«السي آي إيه» وغيرها سوى تجسيد لتحالف أصحاب الاحتكارات والامتيازات الذين يخطفون الثروة؛ لذلك لا تتغير السياسات إذا انتقلت الإدارة من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري أو العكس. هناك من غير شك اختلافات في تفاصيل صغيرة وفي أسلوب إدارة بعض الأزمات، لكن دون أي تغيير في جوهر السياسات.
وكذلك لا يختلف ترامب عن الرؤساء والسياسيين الأمريكيين في التعبير عن نفس المصالح إلا من زاوية التعبير عن أفكاره بلغة مباشرة، وأحياناً بلغة جافة وخشنة.
يبدو جو بادين أمام ترامب شخصية باهتة أكبر سناً وأقل حيوية، ثم إنه اختار نائبة قليلة الجاذبية، وهي مسألة مهمة في مزاج الأمريكيين. وما دامت السياسات في جوهرها لا تختلف، فإن حظوظ ترامب هي الأقوى رغم الفشل للتصدي لجائحة «كورونا».
من الإنصاف الاعتراف للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه يتمتع بمهارة سياسية عالية، وقدرة فائقة على التنظيم والإدارة. لولا هذه المزايا ما استطاع أن يصل إلى الموقع الأول فوق حصان حزب ديني في دولة ترسخت فيها العلمانية على مدى ثمانية عقود وزيادة.
بهذه المهارة، تمكن أردوغان من إفشال محاولة الانقلاب العسكري في منتصف يوليو/تموز 2016 ومن ترميم الصدع في العلاقة مع موسكو، بعد حادث إسقاط الطائرة الروسية من قبل مقاتلات تركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، كما فرض وجوداً لتركيا داخل سوريا في زحمة المنافسة بين القوى الكبرى.
واستطاع أردوغان توسيع المجال الحيوي لتركيا ومد نفوذها مسافات طويلة خارج حدودها، ثم إنه أظهر كفاءة منقطعة النظير في استخدام جماعة «الإخوان» المسلمين في تمرير مخططاته في المنطقة، عندما أوكل إليها الكثير من الأعمال القذرة التي تنفذها في العادة الأجهزة الاستخباراتية. ومن الناحية العملية، فقد أمسى بمثابة المرشد الحقيقي للجماعة، بعد أن تقوضت حصونها في مصر. وأردوغان لا يحمل الخزينة التركية نفقات الأنشطة التخريبية، فلديه الغني البطر: قطر الدولة التي لا تكاد تبين ويهمها أنها بواسطة المال تجعل اسمها حاضراً في المحافل والأروقة ووسائل الإعلام.
لكن أردوغان مع هذه المهارة والكفاءة طاغية يتصف بالحقد وعدم الوفاء، فضلاً عن أنه بهلوان كبير يؤدي أدواراً في تمثيليات مكشوفة. ولا يتسع النطاق لسرد وقائع عديدة عبر فيها أردوغان عن شخصية تجمع بين الكفاءة السياسية والانحطاط السياسي. فعقب المحاولة الانقلابية في يوليو 2016، مارس فائضاً من القسوة يزيد على حاجته للاحتفاظ بالسلطة، ولم يكتف بمعاقبة من حاولوا إزاحته من الحكم ومن اشتبه في مشاركتهم، أو من ظن أنهم من جماعة معلمه القديم فتح الله غولن. لقد أخذ كثيرين بلا جريرة فسحق مئات الآلاف من الأسر التي فقدت وظائف عائليها في سبيل تمكين «الإخوان» في تركيا من السيطرة على الخدمة المدنية والجيش والقضاء والشرطة والإعلام والصحافة. وبسبب الحملة الهوجاء بات طالبوا اللجوء في أوروبا من الأتراك ينافسون القادمين من سوريا والعراق والدول التي تتشظى تحت مطارق الحروب الأهلية.
ويقدم أردوغان نموذجاً بارزاً للرجال الذين يجزون الإحسان بالإساءة، فقد انقلب على شركاء الأمس سواء الذين قادوه وراءهم في مراتب الصعود السياسي أو الذين رفعوه فوق أكتافهم. لقد أعطى جزاء سنمار غولن، وجول وأحمد أوغلو، وأخذ يشن عليهم الحرب ويتعقبهم في كل درب.
أما أنه بهلوان، فلست أدري إن كانت غريزة فيه أم إنها التربية الحزبية، وأفصح الأدلة هي تلك الحركة التي أداها في دافوس سنة 2008. هناك بدا غاضباً على الرئيس الإسرائيلي، عنيفاً ومتغطرساً، ثم بعد أن تفرقت به السبل وبأحمد أوغلو، اعترف الأخير بأنه صاغ رسالة اعتذار أردوغان لشمعون بيريز، وأبان فيها أنه كان يقوم بدور مسرحي لزوم استقطاب عواطف من يعنيهم أمر الفلسطينيين. ومن أسف أن ذلك التهريج ابتلعه كثيرون في المنطقة العربية. ولم تبرح أبواق «الإخوان» تمزق طبلات الأذان بالكلام الكذب، وتُلبس التهريج كساء فضياً مكتوباً عليه اسم فلسطين.
وهذا البهلوان الذي عبر البحر الأبيض إلى ليبيا، يرسل قواربه الآن عبر البحر الأحمر في الطريق إلى باب المندب. الواقع أنه لم يعبر البحر وإنما قطع مسافات في الجو من أنقرة إلى تعز قريباً من باب المندب، ففي تعز وعدت قيادات «إخوانية» بأنها ستصد جحافل الحوثيين وترجعهم إلى معقلهم الأول في صعدة شمالي اليمن. وبعدما يزيد على خمس سنوات ظهرت ميليشيات تلك القيادات «الإخوانية» وهي تدير ظهرها للحوثي الماسك بنواصي تعز، وتتجه إلى الحجرية للاستيلاء على اللواء 35 مدرع، التابع للشرعية الذي سبق أن طهر مناطق واسعة في المحافظة من الحوثيين.
يريد أردوغان بهذا أن يمسك العالم العربي من رأسه إلى الأقدام، بعد أن كسر الذراع هناك في ليبيا. ولا شك في أن مهمة إفشاله في يد الحكومة الشرعية في اليمن إذا وعت وقررت سحب جيشها من قبضة «الإخوان» المسلمين، والتعاون بثقة مع دول التحالف لكسر أردوغان وإلقائه خارج ملعب التاريخ.