أبرز مظاهر سيادة الدولة واستمرارها هو الأمن، فمن دونه لا سيادة ولا مظاهر دولة، وهذا ما يحدث في لبنان . وهذه الظاهرة ليست بجديدة إنما ترافقت في معظم تاريخه الاستقلالي . وأطلق عليها في بعض المحطات الأمن بالتراضي، على قاعدة مسايرة بعض قوى الأمر الواقع هنا أو هناك، وتدبير وتصريف أمور الدولة ومواطنيها بأقل الخسائر الممكنة .
وفي علم الاجتماع السياسي تشكل هذه الظاهرة، أي اقتسام مهام الأمن أو تخلي الدولة عن بعض مهامها، نذير شؤم على الدولة وكيانها، كما مجتمعها ومؤسساتها . وأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة تجري في لبنان بعلم أركان مسؤوليها، وثمة من يعتقد أن هؤلاء المسؤولين هم من يشاركون بذلك لسبب أو لآخر، حيث المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة .
وبصرف النظر عن هذا التوصيف النظري، ثمة أبعاد سياسية لم تعد تخفى على أحد، فالوضع في لبنان حالياً هو انعكاس لتصادم إقليمي ودولي، وفيه تُجرى عمليات شد وجذب واسعة، وهو بمثابة بالون اختبار لما يمكن أن يُحاك للمنطقة بتفاصيلها حتى المملة أحياناً . فالوضع اللبناني شئنا أو أبينا بات جزءاً من المشهد السوري، من الصعب فصله أو تطبيق سياسة النأي بالنفس كما يُروّج بين سياسييه، كذلك من الصعب معالجة أزماته الداخلية وذيولها الخارجية بمعزل عن واقع المنطقة المتفجر ومنها الأزمة السورية .
وغريب المفارقات في لبنان ما تتفتق به عبقرية مسؤوليه من ابتداع الأفكار بهدف التخلص من مشكلة بينما واقعا يغرقونه في مشكلة أكبر، ومنها قضايا الأمن، ما يثير أسئلة ليست خبيثة بقدر ما هي تنم على واقع مبيت لا يجرؤ أحد على البوح به أو تفسيره . فهل حالة الأمن المتفلتة وصولا إلى التراخي هي مقدمة للتلاشي؟ وبالتالي إدخال لبنان في نفق صراعات ظاهرها سياسي على خلفية مواقف من أزمات متعددة ومتنوعة، وباطنها مذهبي طائفي؟
إن ما يحدث الآن في لبنان باعتقاد الكثيرين أنه حالة ستؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انفجار كبير لن تنحصر ذيوله وتداعياته في لبنان وحده، بل إن القراءة الموضوعية لظروف المنطقة تشير إلى أن امتدادها سيشمل أطرافاً إقليمية ستتسبب باندلاع حروب إقليمية باهظة الثمن .
فبالعودة إلى العام ،1958 أدى انقسام اللبنانيين حول السياسات الخارجية بين مؤيد ومعارض للوحدة المصرية - السورية، إلى نزول قوات البحرية الأمريكية (المارينز) إلى بيروت . وفي العام 1973 أدت خلافات اللبنانيين حول القضية الفلسطينية إلى سياسة الأمن بالتراضي وضمور دور الدولة ودخول لبنان في حرب استمرت سبع عشرة سنة . واليوم يدخل لبنان في دوامة انفلات الوضع الأمني وصولاً إلى تلاشيه، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان الصور القاسية التي مر بها سابقاً .
إضافة إلى ذلك، فإن الأوضاع الاجتماعية - الاقتصادية التي تمر بها معظم شرائح المجتمع اللبناني سيئة، فبدأت الحركات المطلبية من هنا وهناك وصولاً إلى شل مؤسسات الدولة عبر إضرابات مفتوحة على قاعدة المطالبة بتحسين الظروف .
عندما بدأ الحراك العربي في غير مكان، كانت جميع هذه المظاهر تعتبر صوراً نمطية مشتركة في جميع الدول التي شهدت ساحاتها حركات احتجاجية، وسرعان ما انفجرت وأدت إلى ما أدت إليه . وفي لبنان أيضاً تتلبد الصور وتتهيأ الأوضاع للحظة الصفر، التي لن يكون اللبنانيون بمالكين لمفاتيح كبحها أو إطلاقها؟
إضافة إلى ذلك، لقد اختلف اللبنانيون على جنس الملائكة في قانونهم الانتخابي، وهي مناسبة أخرى للانفصام والخلاف السياسي، ومن السهل أيضاً في لبنان جرياً على العادة أن يتحول أي خلاف سياسي إلى خلاف طائفي ومذهبي، الأمر الذي يترجم حراكاً أمنياً على الأرض، فهل تكون الانتخابات النيابية عنصراً مضافاً على الكم الهائل من التناقضات اللبنانية؟
عندما تستقيل الدولة من مهامها المفترضة وفي طليعتها المهام الأمنية، تكون بذلك قد أطلقت رصاصة الرحمة على نفسها وعلى غيرها ممن ترعى شؤونهم، فهل ذهبت الدولة اللبنانية بأمها وأبيها إلى هذا المنزلق؟ يبدو أن الأمر كذلك .
المجرمون في السجون اللبنانية يحتجزون حراسهم ويفاوضون الدولة على مطالب لهم، وفي بعض الأحيان لإطلاق بعضهم . وفي لبنان أيضاً تنقسم قيادات القوى الأمنية والعسكرية بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك، فتغض الطرف عن البعض فيما تشدد على البعض الآخر . وفي لبنان أيضا ثمة من يلعب لعبة القطة والفأر في سياق المطاردة ومحاولة توقيف المطلوبين . وفي لبنان أيضا ثمة من يقطع طريقاً ولو لسبب خاص ليس له علاقة بمطلب عام . إنه لبنان حيث الأمن بالتراضي وصل إلى حد التراخي والتلاشي، فهل دقت ساعة الصفر؟ ثمة من يقول إنها مسألة وقت ولن تطول حكما .