يشرب محمود درويش القهوة في الكافتيريا مع سرحان وماجد أبو شرار، ومعين بسيسو، وياسر عرفات، ليس في حاجة إلى مسدس قبل خروجه من بيروت إلى مطار أثينا . . . .مطار أثينا يوزّعنا للمطارات، يقول وهو يخرج على متن باخرة عارية . قبل ذلك خرج من فلسطين، ولكنه صفع الإسرائيلي بجملة شعرية تقريرية ليست مستعارة من أي كتاب مقدس . . . .سجّل أنا عربي . .، وحمل نفسه على نفسه وهو في العشرين من عمره ليذهب إلى حيث يجد ذاته التقريرية تلك، بلا مبالغة في الخروج، هكذا، شاعر يغامر، ويتمرّد، ويكتب على بحر الزيت والزيتون والزعتر . فيه شيء من الحياء، ولكن فيه الكثير من الثقة المتماهية مع كينونة المتنبي الذي كان يطلق عينه على كثير، ولكن، لا يرى أحداً . .
في القاهرة، يشرب من ماء النيل . .للنيل عادات وقلبي راحل . .، يقول قبل خمسين عاماً . تضعه مصر على رأسها . له مكان ومكانة في أرض الكنانة . يلتقط رجاء النقاش هذا الصوت الشعري الفلسطيني ويعطيه ورقة مصرية مكتوباً عليها نحبك . . ولكنه لن يمكث طويلاً على ضفاف النيل، يتوجه إلى بيروت، ثم إلى باريس .
هناك، بعيداً عن الكرمل يعيش كلّه في الكرمل . . يقول بما يمكن أن أتذكره الآن . . . .أحب النساء اللواتي أحب . أحب البحار التي سأحب، ولكن قطرة ماء بمنقار قبّرة في حجارة حيفا تعادل كل النساء، وكل البحار . وإذا كانت العبارة الشعرية لمحمود درويش ليست دقيقة، فإن الأكثر دقة هو قلب هذا الشاعر الذي أصبح الاسم العلني لبلاد، اسمها فلسطين من دون أن يسعى أو يلهث وراء مجد أو بطولة شعرية أو سياسية .
قارئ نهم، وحيد وخجول، لم يكن شاعراً يومياً أو ليلياً في مقهى أو على حافة رصيف، احترم نفسه ونأى بها .
أخذ من ثقافات وحضارات وأديان . . أخذ الكبير من الكبير من دون شعور بالقلة والحاجة .
شاعر شبعان ذاكرة وثقافة وفكراً وكبرياء . شاعر عالمي بكل معنى الكلمة، بلا غرور وبلا استعراض . ليس وراءه عشيرة، وعائلته قليلة العدد . لا ينفخ الهواء من أنفه وليس له عضلات . ليس جاف الجسد، ولا غليظ الوجه وغليظ اليدين . . لذلك، أحبّه شعبه . . وأحبّه العالم .
الآن . .
الآن، تحيط بقبر محمود درويش بعض أسراب البوم والغربان والحدآت . تتصايح وتتطاير، وغير بعيد عنها نبّاشو قبور . جائعون إلى أكل اللحم حتى لو كان ميتاً .
يشرب محمود درويش القهوة في الكافتيريا في الصباح، ويسخر من الحفّارين والنبّاشين . . وإلى الآن ما زال يكتب قصيدته على البحر الخفيف، لكثرة ما رأى من الثقلاء، وأمامه وردة الحياة .
خذ حذرك من الحدآت، ومن نبّاشي القبور .