تقلدت الولايات المتحدة مهمة الراعي لعملية السلام مع أنها منحازة تماماً للكيان الصهيوني، وهي حليفه الاستراتيجي الذي يمده بأحدث أنواع الأسلحة وأكثرها تطوراً ليمارس بها اعتداءاته على الأرض الفلسطينية والعربية . ويبدو كأن الفلسطينيين والعرب مع إدراكهم لهذا الانحياز لا يجدون أمامهم إلا الولايات المتحدة، على أساس أنها القوة الأعظم في الحقبة الراهنة، وعلى أساس أيضاً أن بيدها مفتاح الحل للقضية الفلسطينية إن شاءت، وأنها تملك أوراق ضغط حقيقية على الكيان الصهيوني إن شاءت أن تلزمه بأمر، وليس هناك أي قوة أخرى يمكن أن تؤدي هذا الدور .

ومعروف أن الكيان الصهيوني لا يقبل بغير الولايات المتحدة، فهي الأكثر حرصاً على مصالحه، وهي التي تنظر إلى القضية الفلسطينية بالمنظور الصهيوني . حتى الاتحاد الأوروبي الذي يؤكد حرصه على أمن الكيان الصهيوني ومصالحه لا يميل الكيان الصهيوني إلى إيكال عملية السلام له، ولا تقبل الولايات المتحدة أن ينازعها في هذا الدور، كما أنها لا تقبل أن تنازعها أية دولة في هذا الدور . ولا يضير الولايات المتحدة أن تكون هناك اللجنة الرباعية التي تضم أطرافاً أخرى وكذلك الأمم المتحدة لكي تكون سنداً للدور الأمريكي، وتفرض عليها توجهها . فهل فرض الظرف التاريخي الراهن على الطرف الفلسطيني والعربي ألا يجد سوى الولايات المتحدة لنواصي الحل للقضية الفلسطينية، مع أنها بحكم انحيازها المفرط للكيان الصهيوني لن تحقق الحل الذي يحفظ للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم .

قد يقول قائل: ولماذا لا يتجه الطرف الفلسطيني والعربي إلى الأمم المتحدة؟ هذا القول في ظاهره صحيح، ولكن الحقيقة الماثلة، أن الولايات المتحدة لها ثقلها في مجلس الأمن، وهو الذي يتخذ القرارات، أما الجمعية العامة للأمم المتحدة أو الهيئات المنبثقة من الأمم المتحدة، فلا تتخذ قرارات لها صفة الإلزام، ناهيك عن أن القرارات الملزمة لا يلتزم بها الكيان الصهيوني، ولم تتمكن الأمم المتحدة من إجباره على الالتزام بها، وليست لديها آليات فاعلة، أو لم تتمكن من الاستناد إلى آليات فاعلة لفرض قراراتها على الكيان الصهيوني، بسبب السند الأمريكي القوي . ويتضح ذلك جلياً في أعقاب كل اعتداء صهيوني على الأرض الفلسطينية أو العربية، أو انتهاك الحق الفلسطيني والعربي حين يلجأ الطرف الفلسطيني والعربي إلى الأمم المتحدة فيصدمه الرفض الأمريكي، ويعود أدراجه يائساً من قرار منصف يعيد الأرض ويعيد الحق، ويلجم العدوان ويكبح الانتهاك الصارخ للحقوق الفلسطينية والعربية .

والولايات المتحدة تدرك أنها منحازة للكيان الصهيوني، وتعتبره سنداً شرعياً وحليفاً استراتيجياً، والطرف الفلسطيني والعربي يدرك أنها منحازة، ولكن تبدو الولايات المتحدة له القادرة على الفعل إن شاءت دون سواها، وما له سواها من يقدر على فعل شيء .

وإذا كان الواقع بهذه الصورة، فإن أي عملية سلام ترعاها الولايات المتحدة لن تكون منصفة للفلسطينيين والعرب، ولن يستطيع الفلسطينيون أن يحصلوا حتى على الحد الأدنى من حقوقهم إن استمرت المفاوضات عبثية، وبسط الكيان الصهيوني مستعمراته على مزيد من الأرض الفلسطينية، واستمر في تهويد القدس . وتظل المفارقة التاريخية الصارخة متمثلة في راع للسلام لا يحق الحقوق ولا يلجم العدوان، بل هو مشارك في انتهاك الحقوق، وفي مساندة العدوان، وينتظر منه أن ينصف الفلسطينيين والعرب وما هو بمنصف، ولن يكون عادلاً فهو ينحاز للكيان الصهيوني من رأسه حتى أخمص قدميه . وكيف يكون راعي السلام منحازاً كل الانحياز؟