تشير التقارير والإحصائيات إلى أن الشباب يشكل نسبة مهمة داخل المجتمعات المغاربية؛ وهي الفئة الأكثر دينامية وتعلماً وانفتاحاً وتكويناً في مجال التكنولوجيا الحديثة؛ حيث أثبتت جدارتها في مختلف المجالات العلمية والعملية؛ وحققت الكثير من المنجزات.
وعلى الرغم من ذلك؛ ما زالت هذه الفئة تعيش على إيقاع التهميش والإقصاء.. وكثيرة هي المشكلات التي يعاني منها الشباب في المنطقة؛ فبين ارتفاع نسب البطالة بحسب العديد من التقارير الصادرة عن مختلف المنظمات والمراكز العلمية؛ بنسب تتجاوز كثيراً المعدلات العالمية الواردة في هذا الخصوص؛ وتدهور الخدمات التعليمية والصحية؛ وتدنّي نسبة المشاركة السياسية، وهي عوامل غالباً ما تدفع الكثير منهم نحو الانكفاء على الذات والشعور بالإحباط؛ أو الانضمام إلى جماعات وتيارات متطرفة تستغلّ معضلاتهم الاجتماعية؛ أو السّعي إلى ركوب غمار الهجرة بأشكالها المختلفة بحثاً عن فضاءات أكثر تحفيزاً؛ وتقديراً لجهودهم وحفظاً لكرامتهم.
تؤكّد الكثير من التجارب المقارنة في عدد من الدول المتقدمة؛ أن دعم مكانة الشّباب داخل المجتمع هي استثمار في الحاضر والمستقبل؛ ذلك أن توظيف الطاقة والدينامية التي تميز هذه الفئة هو مدخل لتحقيق آمالها وتقوية حضورها ومكانتها داخل المجتمع من ناحية؛ وبوابة للاستفادة من خبراتها وكفاءتها بما يسهم في تطور المجتمعات من ناحية أخرى.
لا شك أن تهميش الشباب هو خيار مكلّف وخاسر بكل المقاييس؛ وهدر لثروة إنسانية واعدة بإمكانها تحقيق المستحيل.
وعياً منها بمكانة الشباب وسعياً إلى فتح نقاشات لتدارس واقع الشباب المغاربي وإشكالات التنمية في المنطقة وفتح جسور التواصل وتداول الإشكالات التي تواجههم، أقامت منظمة العمل المغاربي بشراكة مع مؤسسة هانس سايدل؛ الجامعة الصيفية المغاربية الأولى بمراكش في موضوع: الشباب المغاربي وإشكالات التنمية.
تناولت الورشات التي شهدتها فعاليات الجامعة مجموعة من القضايا والمواضيع؛ فقد تم التطرق لجودة التفكير وعلاقتها بالبحث العلمي وخصوصاً ما يتعلق بالموضوعية التي ينبغي أن يستحضرها الشباب في تعاطيهم مع مختلف القضايا، ولأهمية استثمار طرق التعليم الحديث بما يعزز الذكاء وترسيخ ثقافة التدريب داخل مختلف المؤسسات كسبيل لعقلنة القرارات وتجويدها.
كما تم التطرق لمفهوم الديمقراطية التشاركية ومرتكزاتها القانونية والإشكالات التي ترافق تطبيقها ميدانياً على مستوى تمكين الشباب سياسياً واقتصادياً. ونبهت إحدى المداخلات من خطر انتشار التطرف داخل أوساط الشباب المغاربي بفعل الاختلالات القائمة على مستوى التنشئة الاجتماعية وتنامي المعضلات الاجتماعية ووجود تيارات وجماعات متهافتة تستغل هذه الإكراهات للتغرير بهذه الفئات.. ودعت إلى اعتماد مقاربات شمولية تقوم في أحد مرتكزاتها على المدخل التنموي بأبعاده المختلفة والمستدامة.
ورصدت إحدى المداخلات علاقة الشباب بالممارسة الديمقراطية في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، من خلال الوقوف على أهمية هذه الشبكات التي طرحت إمكانات تواصلية وإشكالات لا تخلو من تعقيدات.
فيما ركزت إحدى المداخلات على المجتمع المدني كمتنفس للشباب وإطار لإطلاق مبادراته وإبراز كفاءاته في دول المنطقة، مع الوقوف على مجمل المشاكل الذاتية والقانونية والاجتماعية والإدارية التي تواجه هذه الفعاليات؛ والتي تتطلب مزيداً من العمل الدؤوب لتعزيز حضور وفعاليات هذه الهيئات داخل المجتمعات المغاربية.
وتناولت إحدى المداخلات أهمية الصحة النفسية للشباب وإشكالات الإدمان وعلاقته بالعنف، ودعت إلى محاربتهما بأسلوب علمي وشمولي عبر الوقوف على العوامل التي تغذي الظاهرتين في أبعادهما النفسية والسوسيولوجية.
وكان موضوع الهجرة السرية حاضراً أيضاً ضمن محاور الجامعة؛ حيث تمت الإشارة إلى تنامي الظاهرة في عدد من الدول المغاربية كتونس؛ والوقوف على مخاطرها وتداعياتها والعوامل المغذية لها.
ومن ضمن المحاور المهمة التي تناولتها أشغال الجامعة أيضاً، هناك موضوع الشباب والتشغيل؛ حيث تم استعراض الإشكالات التي تثيرها معضلة البطالة وعلاقة ذلك بمستوى التعليم في المنطقة؛ وتم التأكيد على ضرورة بلورة أساليب مستحدثة وشمولية للتشغيل، توازن بين مصالح الفرد من جهة ومصالح المجتمع من جهة أخرى.
وقد أفرزت الأوراق المقدمة في الورشات والنقاشات المكثفة التي أعقبتها مجموعة من التوصيات المهمة؛ في ارتباطها بالإقرار بحجم المشاكل التي يعاني منها الشباب في المنطقة المغاربية والتي تظل مسؤولة عن تنامي عدد من المعضلات كالتطرف والإرهاب والهجرة السرية والعزوف السياسي، والتأكيد على أهمية المدخل التنموي التشاركي الذي يستحضر الشباب، في مواجهة مختلف الإشكالات المطروحة في هذا السياق، والدعوة إلى تجاوز الخلافات بين دول المنطقة وتعزيز التعاون الاقتصادي وتفعيل مؤسسات الاتحاد المغاربي؛ والدعوة إلى إيلاء الاهتمام إلى المنظومة التعليمية وإصلاحها؛ بما يدعم تمكين الشباب وتنشئتهم وتطوير قدراتهم، والتأكيد على أهمية التعاون الاقتصادي وبلورة مشاريع تنموية مغاربية مشتركة تستجيب لتطلعات الشباب، مع المطالبة ببناء ثقة متبادلة بين النظم السياسية والشباب، والتأكيد على أهمية شبكات التواصل الاجتماعي والدعوة لتجاوز الانحرافات التي تطول هذا الفضاء بصورة توازن بين الحرية والمسؤولية.. وإلى تطوير أداء المجتمع المدني وتوسيع هامش تحركه وتوفير شروط اشتغاله، مع تقوية قدرات الفاعلين في هذا الإطار..
الشباب المغاربي وإشكالات التنمية
28 يوليو 2017 04:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يوليو 04:07 2017
شارك
د. إدريس لكريني